الأحد، 11 سبتمبر، 2011

عن مشكلة النهضة العلمية فى العالم الإسلامى.

عن مشكلة النهضة العلمية فى العالم الإسلامى.


ليس هناك عصرٌ كانت الأمة الإسلامية فيه فى أضعف حالاتها و أشدها تدهوراً من هذا العصر؛ فالواقع أن الأمة الإسلامية اليوم هى أشد أمم الأرض ضعفاً و خنوعاً، و يتجلَّى هذا فى كل مناحى الحياة الإسلامية بلا استثناءٍ واحد، بِدءاً من التشرذم بين أقطار الإسلام و انفراد أهل كل قُطْرٍ بقُطْرِهم، و تفشِّى الدعوات الشُّعوبية بين أفراد الأمة و الدعوات القومية القُطْرِية لتُردَم الهوية الإسلامية تحت رُكامٍ من صراخات أهل تلك الدعاوى البغيضة.
و الغُربة التي يحيا فيها أصحاب الدعوي إلي إعادة الأمة المُسلِمة مُوَحَّدةً مرةً أخري، بعد انهيار دولة الخِلافة بشكلٍ رسميٍ منذ ما يُقارِب المئة عام، و أصبحت أغلب أنظمة الحكم في الدول الإسلامية و خاصةً الدول العربية تُحارِب ليل نهارٍ و بلا هوادة تلك الدعاوي، يُسانِدهم في ذلك ترسانةٌ تبدو و كأنها لا تنفذ من العالَمانيين أصحاب التنظيرات الساقطة الباردة، و حولهما الزفة الإعلامية التي تسير مع كل من يُمسِك بمقادير الحكم مهما كان اسمه أو صفته !.
و الحرب التى تُعلِنها أجهزة أمن تلك الأنظمة الباطِشة على كل من يُعلِن أنه لا حكم إلا لله تعالى على عباده، و أن شرعه الحق هو الواجب التنفيذ لا ما اختلقته عقولٌ بشريةٌ من قوانين لا تراعى ديناً و لا ملة، فتُحِل ما حرَّم الله تعالي و تُحرِّم ما أحلَّه.

إلى انتشار كل خُلقٍ كريهٍ بين عامة المسلمين، من سلبيةٍ و خُنوعٍ إلى التباغض و التنافر حتى بين أفراد العائلة الواحدة (بل و خصوصاً بين أفراد العائلة الواحدة !)، إضافةً إلى ذلك الفساد الذى انتشر كالسوس لينخر فى بلاد الإسلام على مرأىً و مَسمعٍ من كل مسئول، بل و بمُشاركة و مُباركة كثيرٍ من هؤلاء المسئولين، الأمر الذي كشفته ثورات الربيع العربي المُبارَكة و ستكشف الأيام التالية أغلب ما خَفِي منه اليوم بإذن الله عز و جل.
فرأينا بأم أعيننا مدي فداحة الخسارة التي مُنينا بها من السرقات و الاختلاسات التي ولغ فيها من لم يُراعوا عهداً و لا أمانة، فسرقوا و نهبوا ما يكفي لجعلهم يعيشون هم و أحفاد أحفاد أحفاد أحفادهم ملوكاً مُتوَّجين ! و كأنه قد خُيِّل إليهم أن نقودهم ستصحبهم إلي الآخرة فأرادوا الاستزادة بلا شبع !
و لا تفسير لكل ذلك النَّهم للسرقة إلا القول المنسوب لرسول الله صلوات الله و سلامه عليه:(مَنْهُومَان لا يَشْبَعان : مَنْهُومٌ في عِلْمٍ لا يَشْبَع, و مَنْهُومٌ في دُنْيَا لا يَشْبَع)1
ناهيك عن الفساد السياسي و الاحتلالين الغربي و الشرقي المُقنَّعَين اللذين كانت (و لا تزال) أغلبية أقطارنا غائصةً فيهما حتي النواصي، و لا تأبهوا بمن يقول أن الفرقعات الإعلامية التي يُجيدها طُغاتنا حقيقيةٌ و تُنبيء عن إرادةٍ حُرَّة مستقلة؛ فالحق أنها يَصدُق عليها قول العرب "أَسْمَعُ جَعْجَعَةً و لا أَرَى طَحْنَاً"، و إلا فدونكم الأخبار و موازين القُوي و طرق سير الأحداث الاقتصادية و السياسية، فهن القادرات علي صفع وجوهكم بالحقيقة كلها بلا تحريفٍ أو تزويق، اللهم إلا إن كنتم أنتم أنفسكم تودون أن تعيشوا في عالم الأحلام و التوهمات الذي يُرِيح نفس و عقل كل خاملٍ ميت الروح.

و ليس هذا بآخر السوء: فالزيادة فى الواقع العلمى المُخجِل للأمة؛ فاليوم يعيش المُسلِمون عالةً على غيرهم فى العلوم و المُنتَجات العلمية بكل المقاييس:
فلا نُنتِج بل نستهلك،
و لا نختار أجود المُستهلَكات بل يختار فاسدونا أنفعها لهم و أفضلها مكسباً،
و حينما نستهلك ما نستهلكه لا نُسمِّيه باسمه الأصلى بل باسم السلعة التى استهلكناها، فيُصبِح اسم كل نظام تشغيلٍ: windows، و تُصبِح كل لعبةٍ رقميةٍ: atari، و مثل هذا كثير.
بل و الأنكى و الأشد إثارة للغيظ أننا نُنفِق الكثير و الكثير على توافه الأمور مثل كرة القدم (التي يتفنن شبابنا في كيفية تشجيع فريقهم المُفضَّل فيها، و يبذلون الجهد و الوقت اللذين لو بُذِلا فيما ينفع لأصبحنا أقوي الأمم و أشدها تطوراً)، و نُنفِق الأكثر على معاصى الله تعالى من حفلات عُرْيٍ و رقصٍ و غناء مُبتذلٍ و نفاق حكامٍ و مجون، و لا نُنفِق على العلوم إلا أقل القليل !،
و حتي أقل القليل هذا لا نُنفِقه على العلم الحقيقى، بل على العلم من عينة "تعلم كيف تصنع أسطوانة ويندوز عليها صورك و برامجك"، و ما تبقى مما يُنفَق يتم إنفاقه على مرتبات موظفى الحكومة من النوعية التي صارت لا تعبأ لا بعلمٍٍ و لا بتقدمٍ و لا بأي شيءٍ يمت لـ”وجع الرأس”هذا بِصِلة !.

أما العلم الحقيقى فليس له مُعِينٌ من المسئولين أو أهل الحَل و العَقْد، و ليس أمام المُبدِع الحقيقى إلا أن يبحث عَمَّن هم على شاكلته ليُشكِّلوا مع بعضهم البعض ثُلةً من المنبوذين و ليُحاولوا تجاوز واقعهم المريض، أو أن يرضى بالواقع و يحاول جاهداً التكيف معه و دفع نفسه دفعاً للإحساس أن كل الأمور علي ما يُرام، و أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، و متي نجح في هذا عاش راضياً عن نفسه و عن الكون بما فيه بذات الطريقة التي يرضي بها الدجاج عن عالمه.

و لم يكن مُستغرَباً و الحال هكذا أن نرى أن العالم الإسلامى بأسْرِه (و هو المُكوَّن مما يُقارِب الاثنين و خمسين دولةً دينها الأول الإسلام) يشهد انحطاطاً مُفزِعاً في جامعاته و معاهده و مدارسه و مواقعه التعليمية كلها تقريباً (إلا من رَحِم الله تعالي)، و أن يصل حال الإنتاج العلمي فيه في شتي المجالات إلي الحضيض.
و بينما يهتم أهل التربية و التعليم عندنا بتلقين الطلاب أكبر كميةٍ مُمكِنة من المعلومات التي ليس لها أي أهميةٍ لا في حياتهم العادية و لا في مستقبلهم العلمي، يقوم العالَمُ المُتقدِّم بتحبيب طلابه في العلم و التحصيل العلمي و الاستمتاع بهما، و بينما يستمتع الطالب الغربي (أو علي الأقل لا يتم تعذيبه بالترهات) يغرق الطالب عندنا فيما يُشبه ما في كتاب الجغرافيا للصف الأول الثانوي: أطنان من المعلومات و الأرقام عن ترتيب دول العالم من حيث إنتاج الماشية و الأرز و بقية المحاصيل و نِسَبِهم المئوية من ذلك الإنتاج العالمي ! و كأن الطالب سيخرج من المدرسة ليصبح وزير الزراعة مُباشرةً ! فتكون النتيجة المتوقعة هي أن الطالب صار يكره العلم و التعلم كره الطاعون.
أما في البلاد التي تحترم آدمية البشر فبدلاً من التلقين و الإعتماد علي كمية المعلومات التي حفظها الطالب يعتمدون علي تنمية مهارات التفكير و البحث العلميين، و يعتبرونهما أهم من كمية المعلومات التي يسكبها الطالب علي ورقة الإمتحان ثم ينساها فور خروجه من لجنة الإمتحان.
فتحوَّل الطالب عندنا إلي ما يُشبِه الحمار الذي يحمل أسفاراً لا يفقه ما فيها و لا يهتم به، و يهمه أكثر ما يهمه مجموعه الذي سيحصل عليه في النهاية حتي يتأهل لكليةٍ من كليات "القمة"، و التي بدورها تقضي علي البقية الباقية من ملكات النقد و الاستقلالية و حب البحث العلمي عنده ليتحول إلي حمارٍ كامل بدون أدني نقص.
و تحوَّل الطالب الجامعي عند الآخرين إلي ماكينة علمٍ لا تَرحم؛ فما بين كُلِّيته التي يتعايش فيها عملياً مع ما يدرسه و يري فيها مدرسين ذوي كفاءةٍ و مِرَاس، إلي مُدوَّنته/موقعه الشخصي/حسابه في المنتديات العلمية: يعيش جواً علمياً مُكتَمِل الأركان، و لا ينقصه سوي أن يفرِّغ نفسه لحضور بعض المُحاضرات و المُؤتمَرات التي تُنظِّمها الشركات الرائدة تقنياً في العالم، و التي يُوجَد منها في بلده و علي مسافة قريبةٍ منه ما ليس بالقليل، و أن يُشارِك في المُسابَقات العالَمية التي تُنظِّمها تلك الشركات.

و الناتج النهائي أن الطلبة عندهم يُخرِجون مُنتَجاتٍ تقنيةٍ من أفضل ما يكون نراها في تلك المُسابقات، و بعض مُنتَجاتهم يكون من النوعية التي تقلب كافة الموازين، مثل نواة اللينوكس linux kernel التي بدأها الطالب ليِنُوس تُورفالدز linus torvalds ثم ساعده فيها جمعٌ غفيرٌ من المُبرمِجين المُتحمسين في أنحاء العالم، و بيئة سطح المكتب KDE التي بدأها الطالب ماتثياس إترش matthias Ettrich !
بينما رأيتُ و سمعتُ الكثير من المخازي عن طلبتنا، و من أفدحها حينما أراد أحد المُعِيدين أن يمزح مع الطلبة فسألهم سؤالاً سخيفاً: "لو وقعت الفلاشة علي الأرض هل ستنتقل لها فيروسات ؟"، ليُفاجأ المسكين أن الإجابات التي حصل عليها كانت من النوع النووي؛
فقد أجاب كثيرون أنهم "لا يعلمون" !
بينما قال البعض الآخر أن "الفيروسات ستنتقل للفلاشة بلا ريب" !
و لله الأمر من قبل و من بعد.
***
و لأننى أَعُدُّ نفسى من مُحبِّى البحث العلمى عامةً، و من أهل علوم الحاسب خاصةً: فإن هذا الواقع لا يُرضِينى البتة، و أجد أنه ليس من الدين و التقوى فى شئٍ أن أظل (و أنا القادر مع من هم مثلى على تغيير الواقع) مكتوف الأيدى أمام كل هذا العبث السخيف، أو علي الأقل فتح باب التغيير و لو في تخصصنا العلمي فقط.
فما كان منى إلا أن فكرت فى النهضة العلمية للأمة:
كيف يُمكِن أن تبدأ ؟
و إلى أين يُمكِن أن تسير ؟
و أى المسارات يُمكِنها أن تَتخذ ؟
و مَن مِن الناس يُمكِن أن يُساعِد على هذا ؟
و ما هي العقبات التي ستقف في وجه تلك المسيرة ؟
و كيف يُمكِن التعامل معها و التغلب عليها ؟

شغلنى هذا الأمر لفترةٍ طويلةٍ حتى تيقنتُ من تفكيرى و من خبرتى (الصغيرة فى مجال علوم الحاسب) أن واحداً من أيسر السُبل التى يُمكِن للأمة أن تبدأ بها النهضة العلمية الجديدة هى طريق علوم الحاسب البرمجية؛ فهذا النوع من العلوم لا يستلزم من الإنفاق المادى مُقارنةً بباقى العلوم إلا أقل القليل، و لا يستلزم إلا الكثير من الفكر و الإبداع، و فى هذا فإن أمم الأرض و شعوبها يتساويان إذا ما حَصَّلا العلم على قدرٍ متساوي.
ثم إن هذا العلم مطلوبٌ فى كل دراسةٍ علميةٍ أخرى سواءٌ أكانت تتعلق بمجال الحوسبة ام لا، و بإنتاجنا للتطبيقات البرمجية الإسلامية فإننا نفتح الباب أمام طوفانٍ من الدراسات التى تستثمر هذه المُنتََجات البرمجية فى باقى المجالات.
و الأهم أن خطوة ترجمة و إنتاج علمٍ من العلوم باللغة العربية ستُحقِّق الكثير من الأهداف إضافةً إلى ما سنحصل عليه من مُنتَجاتٍ صنعناها بأيدينا و جهدنا، مثل إثبات أنه ليس هناك تلك الأسطورة المُسمَّاة بـ(لغة العلم الوحيدة) و بالتالى تصلح كل اللغات للإنتاج العلمى و منها اللغة العربية، على عكس ما يقوله كثيرٌ ممن باعوا أنفسهم و عقولهم للغرب و اقتنع به كثيرٌ من عوام المسلمين و خواصِّهم.
و سيُشجِّع هذا كل من كان مُترَدِّداً فى التأليف و البحث العلمى باستخدام اللغة العربية على وُلوج تلك الطريق لينشأ بالتدريج مُجتَمعٌ من العلماء المسلمين يُترجِم و يبحث و ينُتِج باللغة العربية، و كلما كَبُر حجم هذا المجتمع كلما زاد أمل الشباب فى انتشار فكر النهضة و الوقوف من جديد و كلما زادت جذوره قوةً و امتداداً فى الأرض الإسلامية، حتى يأتى اليوم الذى يُصبِح التفكير العلمى فيه أمراً مُعتَاداً كما كان فى عصر أجداد الأجداد من العلماء المُسلِمين القُدَامى، حينما كان التاجر و الحَمَّال بل و حارس الدواب عالماً جليلاً تُقطَع إليه الفَيَافِى و القِفَار لطلب علمه و التعلم على يديه.

و كلما كَبُر حجم هذا المُجتمَع الطيِّب كلما زادت اللُّحمة بين أهله من المُسلِمين و ذابت الفوارق العِرْقية بينهم، فلن يكون هناك مصرىٌ أو باكستانىٌ أو أمريكىٌ أو روسىٌ أو يابانىٌ أو صينىٌ أو غيرهن من الجنسيات، بل ستكون هناك الهوية الإسلامية المُوحِّدة التى تربط بين كل هؤلاء، كما نرى بين معاشر الملتزمين فى كل عَصْرٍ و مِصْر.
و بكثرة الحديث عن هذه النهضة الإسلامية و العلم الذى يُنتِجه المسلمون سوف تتوحد الجماهير الإسلامية رويداً رويداً تحت راية الدين من جديد، و سوف يعود الإحساس بالدين كعنصرٍ فاعلٍ فى الحياة اليومية كما كان عليه فى الأيام الأُوَل، و بالتدريج سيسود الإلتزام بتعاليم الله تعالى و شرعه فى كل مناحى الحياة، و هو الهدف الأعظم الذى نسعى كلنا خلفه و يجب أن يَنْذِر الجميع حياتهم له.
و الأهم أن هناك الكثير من الخبراء و أهل الإبداع فى العالم الإسلامى فى هذا المجال، فهو منتشرٌ الآن جداً على العكس من مجالاتٍ أخرى (مثلاً: تقنية النانو nano technology أو السفر فى الفضاء الخارجى و غيرها من التخصصات النادرة فى العالم الإسلامى)، أى أن عَامِل الموارد البشرية متوفرٌ جداً و بدمجه بعَامِل قلة التكلفة نرى أن كل العوامل أصبحت مُتوافرةً لدينا للنهضة البرمجية التى نرغب بها.



فهل من مُشمِّر ؟

----------------------
1هذا الحديث المنسوب لرسول الله صلي الله عليه و سلم فيه كلامٌ يطول بين علماء الحديث عن صحته، فيُرجَي التنبه إلي هذا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.