الأحد، 11 سبتمبر، 2011

عن العوا نتحدث.

كالعادة كنتُ قد كتبتُ هذا المقال منذ فترةٍ طويلة (مع مقال: عن البرادعي نتحدث)، و قد راجعته و غَيَّرتُ فيه بعض الشيء بما يتناسب مع ما عرفته بعد كتابته. و لهذا المقال قصةٌ ظريفة؛ فقد تحدانى أحد زملائى فى المقارنة بين د. محمد سليم العوا و أستاذ حازم صلاح أبو إسماعيل من حيث أجدرية كل منهما بالترشح للرئاسة، و طالبنى بمطالعة السيرة الذاتية للعوا و المقارنة بينها و بين السيرة الذاتية لحازم، و لما قرأتها و تمعنت فى قراءتها وجدت أنها سيرةٌ دسمةٌ للغاية، و لكني كذلك كانت لى بعض الملاحظات عليها و التي يجب علي من يساند د. العوا في ترشحه للرئاسة أن يطالعها ليري هل الأمر كما كان يظنه أم لا.
و تلك النقاط هي:
 1. السيرة حوت المناصب التى تقلدها العوا مُفَصَّلةً، و هى فى أغلبها تخضع للفئات التالية:
  •     مناصب تدريسية جامعية: (حوالى 7 مناصب) و هذا يدل على أنه كونه أستاذاً جامعياً و محامياً  متفوقاً.
  •     مناصب تحكيمية تشهد له بالخبرة القانونية الرفيعة.
  •     مناصب لا تعنى إلا الخبرة العلمية مثل منصبه كعضوٍ فى مجمع اللغة العربية.
  •    مناصب لا تزيد صاحبها علماً و لا تنقصه: مثل كونه عضواً فى الهيئة الاستشارية لمجلة (الحياة الطيبة)، و كونه عضو مجلس أمناء المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.
    و هذه المناصب من قبيل الخدمة المجتمعية، و لا يعنى عدم وجود المرء فيها أنه لم يدخل مجال الخدمة المجتمعية بحالٍ من الأحوال، و نحن نرى أن هناك من الناس من ينشط فى مجال الخدمة المجتمعية و لكن ليس تحت مظلة جمعيةٍ من الجمعيات أو هيئةٍ من الهيئات.
  •     مناصب تؤخذ عليه: مثل منصبه كعضوٍ فى المجلس الأعلى للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ـ طهران ـ الجمهورية الإسلامية الإيرانية. و أنا أستغرب أن يكون منصبٌ كهذا مدعاةً للفخر !
2. السيرة حوت كتباً كثيرةً للعوا، و هنا نقطةٌ هامةٌ للغاية: العلم إما أن يسجل فى بطون الكتب فيُنقل بالمطالعة، و إما أن يسجل بالصوت و الصورة و ينقل بالتسجيلات الصوتية و الفيديوهات، و لعل العالم الذى نُقل علمه بالسماع أكثر خبرةً و علماً من الذى نُقل علمه بالكتب، و أضرب مثالاً واقعياً على ذلك هو حالة الإمام أحمد بن حنبل و الإمام الطبرى رحمة الله عليهما، فالإمام أحمد لم يكتب فى حياته كتاباً من كتب فروع الفقه، بل كان كل تركيزه فى العقيدة و مناظراته مع المعتزلة و المبتدعة، و كل فقهه الذى نقل إلينا روايات سماعية عنه، و هو أحمد بن حنبل !
أما الطبرى رحمة الله عليه فقد كان أكثر علماء المسلمين تصنيفاً للكتب، و لكن السؤال: هل الطبرى رحمة الله عليه أكثر فقهاً من أحمد ؟ و الجواب ما تراه من ذيوع قول أحمدٍ و انتشار المقتنعين بفكره الفقهى.
فلو جعلنا المقارنة بين العوا و حازم فى المؤلفات فالغلبة للعوا بكل تأكيد، و لو جعلناها فى العلم السماعى (المُؤَصَّل المُمَنْهج) لكانت الغلبة لحازم بكل تأكيد، و لكن كلاهما ظلم، فلو جعلناها فى العلم المؤصل المبلغ للناس (كتب أو صوتيات أو مرئيات) لوجدنا العدل فى هذا، و هذا هو الحق الذى أنتوى السير عليه:
الأستاذ حازم كان من الفئة التى ظل علمها فى البرامج و لم يُدون فى الكتب إلا قليلاً، فقد ظل يلقي محاضرةً أسبوعيةً لمدة 14 عاما (كلها مسجلة)، حتى أوقفت بالقوة حكومياً، عبر سلاسلٍ بحثيةٍ عميقةٍ طوال هذه المدة في عدد من الموضوعات الإسلامية و الفكرية و المجتمعية و التربوية و الحضارة الإسلامية المقارنة بأوجه الحضارة المعاصرة و الحديثة، في محاضراتٍ كان يؤمها أعدادٌ كبيرةٌ من الشباب و كذلك من المتخصصين و المثقفين.
فضلاً عن عددٍ من المناظرات الفكرية الثرية مع بعض المشاهير من أصحاب الفكر المناوئ حول موضوعاتٍ في الفكر الإسلامي في المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و القانونية منها ما هو موجود على الشبكة.
ثم قدم عدداً من الأحاديث التليفزيونية الدولية أسبوعياً لعدة سنواتٍ غالبها في أحد مجالين فقط: إما متابعة للأحداث العامة و السياسية الجارية بالفحص و التحليل و الرؤيا الاسترتيجية سواء في المجال الداخلي أو الدولي، و إما على نحوٍ بحثيٍ دراسيٍ تحليليٍ لموضوعات الفكر الإسلامي، و قد قدم من خلال ذلك دراسةً كاملةً للسيرة النبوية مع إسقاط سياساتها على مجالات إدارة السياسات جميعاً في الدولة الحديثة.
و له بعض الكتب المعروفة و غيرها مما لا يزال مخطوطاً لم يطبع.
و بالطبع لم يخطر ببال الرجل أن يدون كل هذه المحاضرات ليثبت بها أنه يعمل بالسياسة و منخرطٌ بها بالفعل حينما يرشح نفسه لانتخابات رئاسة الجمهورية.
و أنا عن نفسى لا أقدر الآن على البحث عن هذه المحاضرات المتناثرة على الشبكة، و لكنى أكتفى بـ:
لقاءاته التى عقدها فى: ساقية الصاوى، قناة الحكمة،
قناة الجزيرة، قناة الشباب، قناة المحور، قناة الفضائية المصرية، قناة الحياة، القناة الثالثة المصرية، و غيرها من القنوات الأخري،
ندواته المختلفة،

لقاءاته المختلفة أثناء جولته الانتخابية في المحافظات المصرية،
دروسه في مسجد أسد بن الفرات،
و خطبه في التحرير و لقاءاته الأخرى،
فمن هذه اللقاءات و الخطب يمكنك أن ترى شخصيةً تسير على منهجٍ محددٍ يوافقنى فكراً و عقيدة.

كما أن حازم له مشروعه النهضوى الذى يعده منذ ما يقرب من ثلاثين سنة و يشمل أغلب مناحى الدولة، و يقول هو أنه من العجب أنه كان يهتم بالتقصى و دراسة مشاريع النهضة و كل ما يسمع عنه من مشاريعٍ قوميةٍ و يجلس مع أهل الاختصاص يحاورهم و يأخذ من كلامهم، لذلك تجده مثلاً قد درس موازنة اثيويبيا حينما أثير موضوع أزمة مياه النيل و نصيب مصر منها، و لاحظ قوة السيطرة الاسرائيلية على الاقتصاد الاثيوبى (قال أنه حوالى 50%) فى حين أن مصر ليست لها علاقات اقتصادية معها ! و هذا مجرد مثالٍ على اهتماماته الشمولية و ليس حصراً.
و هذا المشروع صَرَّح عن بعض ملامحه فى لقاءاته و دونته وراءه و نشرته بالفعل فى فترة سابقة، و لكن التفاصيل ستكون منشورة بإذن الله حينما تكون الحملة الترشيحية رسمية.

و لكن دعونا نفترض أن العوا أفضل من حازم صلاح فى الأمور القانونية و الفقهية و السياسية و الإعداد للفترة القادمة، فهناك مسألةٌ فى غاية الأهمية لا يمكن إغفالها بحالٍ من الأحوال: هى مسألة أن العوا يسير على نهج المدرسة العقلية أو اليسار الإسلامى أو العصرانية (التى يسميها بعض المشايخ: المعتزلية الجديدة و هو الحق) يعنى يقدم العقل على النص و النقل، و هذا مخالف للسلفية و الظاهرية فرعٌ منها، و بالتالى الاختلاف الحاصل اختلاف أيديولوجيات، و لا يمكن إصلاحه إلا برجوع العوا عن منهجه و أعراضه.
و هذا يؤدى إلى أن معظم كتبه سنضرب بها عرض الحائط نظراً للشذوذ الفكرى الرهيب فيها و الذى سنذكر أمثلةً له بعد قليل، و الحديث عن عدد الكتب التى ألفها سيكون عليه لا له؛ فالاستكثار من الخطأ ليس بمكسب.

و أمثلةٌ على الشذوذات الفكرية فى فكر العوا ما يلى:
1/ العوا يزعم أن الرافضة:
  •          لا يكفرون الصحابة رضوان الله عليهم !
  •          لا يزعمون أن القرآن محرف !
  •          الخمينى غير كافر !
  •          من الطبعى وجود الأحزاب الشيعية (مع عدم الرضا بانتشار التشيع، و لا أدرى كيف توجد أحزابٌ شيعيةٌ و لا ينتشر التشيع !).
فى حين يقول حازم:
  •     الاختلافات العقدية "واضحة" و لا مجال للتقريب،
  •     علاقات مصر السياسية ستكون موجودةً مع قوى العالم المختلفة و من بينها إيران، مع عدم السماح بانتشار التشيع ﻷنها "جريمة".
و العوا فى سؤالٍ وجه إليه منذ فترةٍ عن الثورة السورية المباركة ضد نظام النصيرى بشار قال أن سوريا الآن فى مرحلة فتنة وأن هناك محترمين مع بشار و محترمين ضده، و كما أن هناك "أخبار" عن علاقةٍ لحزب الله و إيران بما يحدث في سوريا فهناك أخبارٌ أيضاً بأنهما ليس لهما دخل بهذا على الإطلاق:
و قال عن مسألة سب حسن نصر "اللات" للصحابة الكرام رضوان الله عليهم أنه خطؤه وحده و هذا خلاف الأولى، و لكن هذا لا يُنقص من مكانة نصر الله، و يجب ان نترفع عن الصغائر، و هذا لا يمنعه من صداقته و التعاون معه لصالح الأمة:
http://www.youtube.com/watch?v=AExZTWp7eDQ&feature=related
و إنى لأتساءل: أى أمةٍ تلك التى يتحدث عنها العوا !
لا شك أنها أمةٌ عاهرةٌ تلك التى تترك الرافضة يسبون أصحاب النبى و زوجاته.

2/ ذهب "إلى أن العقوبة التي شرعها الإسلام لجريمة شرب الخمر هي عقوبةٌ تعزيرية، المقصود بها ردع الجاني عن العودة لارتكاب الجريمة ومنع غيره من أفراد المجتمع من ارتكابها، ومن ثم فإن هذه العقوبة يمكن أن تتغير بتغير الأحوال والظروف الفردية والاجتماعية" !. *

3/ كما ذهب إلى "أن عقوبة الردة عقوبةٌ تعزيريةٌ مفوضةٌ إلى السلطة المختصة في الدولة الإسلامية تقرر بشأنها ما تراه ملائماً من أنواع العقاب ومقاديره، ويجوز أن تكون العقوبة التي تقررها الدولة هي الإعدام" ! و عندما أثيرت قضية الحكم بالردة على "نصر حامد أبو زيد" في السنوات الأخيرة من بعض العلماء، فزع العوا لهذا و قام بتأليف كتابه "الحق في التعبير"  الذى وقف فيه كما يقول: "ضد محاكمة نصر أبو زيد، وضد طلب التفريق بينه وبين زوجته" (ص13) !. *

4/ العصرانيون –ومن ضمنهم العوا- لم يفرقوا بين إرادتي الله تعالى الكونية و الشرعية، وظنوا –لجهلهم بمذهب السلف- أن كل ما قضاه الله وأراده "كوناً" من اختلاف بني الإنسان فقد رضيه وأراده "شرعاً"؛ ولهذا فقد ارتضوه بل تفاخروا به ودعوا إليه، فتجد في كتاباتهم التمدح بوجود مختلف الطوائف والمشارب داخل الدولة الإسلامية قديمًا فرحين بهذا الأمر، مطالبين باستمراره في عصرنا، مطلقين عليه "التعددية في الإسلام"! أو نحو هذا الاسم.
جاهلين أن هذا الأمر الذي فرحوا به قد جاء الكتاب والسنة بذمه والتحذير منه، قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) وقال: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم). وقال: (ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، كل حزبٍ بما لديهم فرحون). وقال: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله). وقال: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا)، إلى غير ذلك من الآيات.
و لذلك رد العوا قوله صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". ومن أعجب شيء قوله عن هذا الحديث الصحيح بأن شيخه الدكتور محمد عمارة "قد فحص هذا الحديث ووجده حديث آحادٍ لا يؤخذ به في العقائد، ووجد أن التاريخ يكذبه" (ص28) !! واصفاً إياه بأنه من "أهل الرواية"!
فمتى كان محمد عمارة عالماً من علماء الحديث ؟! وما عهدناه إلا معتزلياً معظماً للعقل على حساب نصوص الوحي التي تشهد كتاباته –هداه الله- بالإعراض عنها، وعدم التضلع منها.*

5/ المصيبة الكبرى هى تضعيف العوا لثلاث أحاديثٍ فى صحيح مسلم و ضربه لها بالقرآن الكريم بدون أدنى نقدٍ لأسانيدها أو محاولة التوفيق بينها و بين كتاب الله تعالى، و هذا رابط الفيديو الذى قال فيه ما كاد قلبى ينخلع له:
و أرجو التركيز على الكلام الذى كتبه أحد القرآنيين فرحاً بما قاله د. العوا على الفيديو، و سترون كم خدمت الأفكار المعتزلية باقى أهل البدع فى تحريفاتهم للدين و نقضهم للسنة المطهرة و لا حول و لا قوة إلا بالله العلى العظيم.

فلو فاق العوا حازمَ فى كل شئٍ (و هو ما رددناه بالفعل) و ظل على موقفه الفكرى الشاذ هذا لصار الحق فى رفض إعطائه أصواتنا فى انتخابات رئاسة الجمهورية إلى أن يصير إلى عكسه، و لو صار إلى عكسه ﻷصبحت أعجوبة؛ فهل يغير المرء قناعاته العقدية بين يومٍ و ليلة، و أين الفحص و التدقيق و التمحيص من البداية !

و لو قلنا أنه أخطأ فى أمرٍ جللٍ كهذا فهل يصح من رجل مثله أن يقع فيه رغم اشتهار الأمر و ذيوعه عند الصغار قبل الكبار !، و أنا لا أرفض رجوعه عن خطئه (و حاشا لله أن أفعل) و لكنى أستنكر عليه منهجه الذى أدى به إلى هذا التخبط.

 باختصارٍ شديدٍ: لن أعطى من يتبنى هذه الأفكار صوتى فى الانتخابات الرئاسية القادمة بأىِّ حالٍ من الأحوال.
---------------------------------------------------------------------
* منقولٌ من:
"نظرةٌ شرعيةٌ في فكر الدكتور محمد سليم العوا

إعداد: سليمان بن صالح الخراشي.
http://www.almaqreze.net/ar/print.php?type=N&item_id=1383

هناك تعليق واحد:

  1. بالمناسبة فقد أنشأت صفحةً رسميةً للمدونة علي الفيسبوك:
    http://www.facebook.com/pages/أفكار/105559026231501
    أرجو أن تُسجلوا إعجابكم بها like و تشاركوها share.

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.