الأربعاء، 21 سبتمبر، 2011

الشعب و المجلس العسكري (أومرتا) واحدة !


منذ بداية تعرفي علي الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل أعجبت به و بفكره كل الإعجاب، وبهرتني قوة تفكيره السياسي و الديني معاً، و لا عجب في ذلك إذا نظرنا إلي أنني أتشرف أنا و الشيخ بالإنتماء إلي ذات المنهج و التيار الفكري (التيار السلفي)، بالإضافة إلي أن الشيخ له خبرته السياسية التي لا يشق لها غبار منذ أن كان في الرابعة عشر من عمره، بما تلقاه من والده نائب البرلمان و من خبرته الخاصة عبر العمل الميداني لمدة ثلاثين سنة علي الأقل. لكن علي الرغم من كل ذلك إلا أنني انزعجت كثيراً من موقفه المعارض بشدة لمواقف المجلس العسكري في كثير من الخطوات التي خطاها ذلك الأخير، و كنت أتعجب من نبرته الشديدة و حدته عند الحديث عنه، و هو الذي أوصله في ذات مرة إلي وصف من فيه بالذئاب أو الثعالب في خطبة من خطبه في مسجد أسد بن الفرات (علي ما أتذكر) !
أقول: أنني كنت أتعجب من ذلك الموقف و تلك الحدة الشديدة، و لكن الأيام التي مضت منذ أن تولي المجلس العسكري قيادة البلاد باتت تؤكد للجميع رويداً رويداً أن البيضة المسلوقة قد سال لعاب رجال المجلس عليها، و مالت نفوسهم إلي تقليد ضباط 52 في أكلها هنيئة مريئة عليهم، و كنت في كل مرة أري فيها دليلاً جديداً علي صحة هذه النظرة أكذب نفسي و أقول لعل و عسي، و أتلمس الحجج.

و كان هذا يمزقني فكرياً جداً: لأنني عاهدت نفسي ألا أخدعها و ألا أسير إلا تحت نور البرهان و الدليل الواضح، فلا أعارض لأجل المعارضة، و لا أتعصب إلا لدين الله تعالي، و لا لجماعة إلا جماعة أصحاب الرسول صلي الله عليه و سلم، و كانت محاولات التدليس علي نفسي تجعلني كمن يتقلب علي الجمر: لافتقادي البرهان علي نقاء نية أولئك و وجوب إحسان الظن بهم.

و ما إن قررت أن أنفض عن نفسي حالة التدليس هذه حتي وجدت أحاديث أهل الخبرة التاريخية عن التكرار المريب لما حدث في ثورة 1952 بالضبط، و كأن ثورة 25 يناير صورة كاربونية لما حدث بالأمس، و المقال صاحب النصيب الأكبر من لفت انتباهي هو مقال للأستاذ (فراج اسماعيل) بعنوان (ربنا يستر) يمكن قراءته علي هذا الرابط:
http://rewayat2.com/vb/showthread.php?p=953155#post953155

حيث نوه إلي أن الأحداث التي تلت الثورتين متشابهة إلي حد مخيف بالفعل، و من أوجه التشابه:

  • الجماعات الفاعلة و المؤثرة سياسياً كانت الجماعات الإسلامية (الإخوان قديماً و حديثاً الإخوان و السلفيون و باقي التيارات الإسلامية) مع قلة عالمانية تسيطر علي الإعلام و الصحافة في القديم و الحديث.
  • مليونيات الجمع التي يستخدمها الشعب لإيصال صوته هادراً مدوياً للحكام من العسكر !
  • الأقلية "النخبة" كانت تري الشعب غير مؤهل للديموقراطية، و أن الأفضل تأجيل الانتخابات و تعيين مجلس رئاسة يهيئ الشعب للانتخابات !
  • إعادة قانون الطوارئ للعمل بسبب مظاهرات (في السابق اعترف عبد الناصر أنها تكلفت ألفي جنيه (تساوي الملايين بمقاييس عصرنا هذا)، و في الحاضر هي مظاهرات 9-9 غير الواعية للظروف و التي أيضاً أدت ذات الدور معنا) !
  • الصراع الذي لا ينتهي بين العالمانيين و الإسلاميين علي شكل الدولة و هويتها و ما يجب أن تصير إليه، و ذات الأفكار و المجادلات البيزنطية العقيمة للتيار العالماني حول "المايوهات" و "الخمور" و موقف التيار الإسلامي منها !
  • حتي التعبيرات علي غرار (الفلول) و (الثورة المضادة) تشترك فيها الأيام القديمة و هذه الأيام ! بينما شعار الوحدة بين الجيش و الشعب كان (الجيش و الشعب جبهة واحدة) قديماً و (الجيش و الشعب ايد واحدة) حديثاً !!!
  • و حتي الوثائق كان لها نصيب أكبر من التشابه، بداية من عناوين الصحف، وصولاً إلي الوثائق الرسمية !










و إني أطلب منكم تذكر اللحظات التالية معي:
  • التظاهرات و المليونيات و الشهداء و الجرحي، ثم سقوط النظام.
  • تولي المجلس العسكري الحكم وسط التهليل و الفرحة الغامرة و شعارات "الجيش و الشعب إيد واحدة".
  • الحديث عن فترة انتقالية و انتخابات قريبة.
  • استفتاء و إعلان دستوري مطمئنان (علي الأقل للأغلبية التي صوتت بنعم في الاستفتاء).
  • الحرب الإعلامية بين العالمانيين و الإسلاميين.
  • هوجة الدستور أولاً كالتفاف علي نتيجة الاستفتاء.
  • الصراع حول هوية الدولة و المناظرات الكثيرة بين العالمانيين و الإسلاميين.
  • تحول أنصار الدستور أولاً إلي اختراع المواد الفوق دستورية.
  • مليونية الإسلاميين "جمعة الهوية".
  • مظاهرات العباسية و تكشير بعض قيادات الجيش عن أنيابهم و غباء بعض الحركات السياسية و حماقتها في اتخاذ القرار و فهم الظروف المحيطة.
  • قتل جنود إسرائيليين لـ6 جنود مصريين علي الحدود بين مصر و فلسطين المحتلة، و الشعب يطالب بقرارات رجولية أمام الهمجية الصهيونية.
  • المجلس العسكري يشجب، و يدين، و يندد، و يطالب بالتحقيق في الحادث !!!!!!!!!!!
  • مظاهرات 9-9 التي امتنعت الجماعات الإسلامية عن حضورها و حظرت الدعوة السلفية من مغبة النزول فيها بسبب التجربة المؤلمة السابقة في محاولة الاشتراك في التظاهر مع العالمانيين و بسبب عدم ملاءمة الظروف.
  • استغلال الفلول و البلطجية و غيرهم لمظاهرات 9-9 و الاشتباك مع الأمن و اقتحام السفارة الإسرائيلية و تضييع حق الجنود المصريين و عدم قدرة أحد علي محاولة المطالبة بالقصاص لهم من قتلهم من اليهود.
  • إعلان إعادة العمل بقانون الطوارئ بسبب أحداث العنف التي كانت السلطات تقدر علي منعها من الأصل و لم تفعل لغرض في نفسها !!!
  • القوي الوطنية عن بكرة أبيها ترفض العمل بقانون الطوارئ، و تستنكر إعادته مرة أخري للحياة، و اجتماعات بين القوي الوطنية المختلفة للتوافق علي رفض قانون الطوارئ، و اجتماع سبعة من المترشحين للرئاسة لذات السبب مع أسباب توفيقية أخري.
  • المستشار طارق البشري يقول أن إعادة قانون الطوارئ غير قانوني لأنه لم يعد باستفتاء كما ينص الإعلان الدستوري. حيث قال في حوار لـ" قناة الجزيرة مباشر مصر" أن المادة 59 من الإعلان الدستوري نصت على أنه في جميع الأحوال لا يجوز أن تمتد حالة الطوارئ أكثر من 6 شهور إلا بعد استفتاء شعبي.
    وأضاف
    أنه تم إعلان نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية يوم 20 مارس الماضي، وكانت حالة الطوارئ قائمة، فإنه أمس الأول 19 سبتمبر انقضت فترة الشهور الستة، وانتهت معها الطوارئ.
  • اللواء عادل المرسى رئيس هيئة القضاء العسكرى يصدر بياناً يؤكّد فيه أن حالة الطوارئ سارية حتى 31/5/2012 بحكم الدستور حيث قال فى بيانه: (المجلس العسكرى لم يصدر قراراً بإعلان أو مد حالة الطوارئ، فحالة الطوارئ معلنة بالقرار الجمهورى رقم 560 لسنة 1981، وتم مدها بمقتضى القرار الجمهورى رقم 126 لسنة 2010، الذى نص فى المادة الأولى منه على مد حالة الطوارئ المعلنة بالقرار الجمهورى رقم 560 لسنة 1981، لمدة سنتين اعتبارا من أول يونيه 2010 وحتى 31/5/2012، وأصبح له قوة القانون بموافقة مجلس الشعب عليه، والذى مازال سارياً حتى انتهاء المدة المحددة لانتهاء حالة الطوارئ فى 31/5/2012.رأينا هذا يستند على المادة 62 من الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011، التى تنص على أن كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدور هذا الإعلان الدستورى يبقى صحيحاً ونافذاً، ومع ذلك يجوز إلغاؤها أو تعديلها وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة فى هذا الإعلان)
و أعود للأستاذ اسماعيل فراج الذي لم يجد في النهاية إلا التساؤل المرير:
أليست الطبعتان متوافقتين تماما ما عدا التنقيح والاضافات القليلة؟.. أما النهاية فربنا يستر.

و إني بدوري أتساءل: هل يمكن لنا أن نسمح بتكرار ذات السيناريو معنا؟
هل يمكننا أن نضحي بأرواح الكثيرين من المعتقلين و المعدمين ظلماً و زوراً من الجماعات الإسلامية و المعارضين السياسيين "الحقيقيين"؟
و إني لأجيب نيابة عن نفسي: كــــــــــــــلا و ألف كلا.
لن أرجع ثوراً في قطيع من البهائم، لن أعود "أغا" في حاشية موالينا العسكر، و دون هذا الموت.
و إني لأسجلها للزمن: لو عاد العسكر إلي ما كانوا عليه فهم من سيتحمل وزر العودة إلي الوضع المزري القديم، و الثورة التي ستقوم ضدهم هذه المرة لن تكون سلمية علي الإطلاق.
لكني أرجع و أقول أنني غير مقتنع بكون العسكر قد طمعوا في السلطة كما فعل أسلافهم في 52، ربما يكون بعضهم قد طمع فيها بالفعل، و لكنني أضمن أن الأكثرية لم تفعل، و ليس هذا إحساناً للظن بهم، بل بسبب ما يلي:
  1. عسكر 52 كانوا شباباً أمامهم مستقبل كبير، و الشباب دائماً ما تغويه السلطة و الجاه، علس عكس عسكر 2011 الذين هم مجموعة من الكهول، و ربما بلغ العمر ببعضهم أرذله، و ليس فيهم من أعلم أنه يمكن القول عنه أنه من فئة الشباب.
  2. عسكر 52 كانوا هم القوة الفاعلة في الثورة حينها، و كان الشعب مؤيد و مناصر لتلك الثورة فقط، بينما في 2011 كان الفاعل الوحيد هو الشعب، بينما كان العسكر مساندون فقط.
  3. في عام 52 كان يمكن استئناس الشعب المصري بمجهود أقل بكثير مما يستلزمه هذا الأمر في 2011 وما بعده، لأن الشعب وقتها كان تحت الإحتلال و معظمه من الفلاحين المستعبدين تحت يد الإقطاعيين، و خط الفقر لا وجود له من الأصل حتي نقول أن الشعب تحته ! بينما في 2011 فإن الشعب أغلبه متمرد علي الأوضاع أشد ما يكون التمرد، و قد تدربوا علي الرفض الجماهيري و التجمع علي يد مبارك و نظامه بصورة تؤهله بامتياز لركل مؤخرة كل من يريد خداعه و "الضحك علي ذقنه".
  4. لم يكن من الجماعات الدينية ذات التأثير النجميعي في عام 52 إلا الإخوان المسلمين، و بالتالي كان القضاء علي الإخوان يضرب المشروع الإسلامي في مقتل، و قد فعلها عبد الناصر بسلسلة الإعدامات التي أطاح فيها برؤوس الجماعة، و زج في السجن بمن تبقي منهم، اما الآن فبجانب الإخوان ظهر السلفيون بقوتهم الشعبية الكاسحة، و الجماعة الإسلامية التي نبذت العنف، و التبليغ و الدعوة، و أنصار السنة، و الجمعية الشرعية، و غيرها من التيارات الإسلامية التي صار من المستحيل كسر شوكتها إلا بالقضاء علي ربع الشعب المصري (حيث أن الثلاث أرباع الباقية تمثل بقية الشعب غير المتعمقة في العلوم الشرعية و ذات التدين الفطري غير المنتظم في إطار دعوي جماعي، مع الأقلية النصرانية و العالمانية).

و مادام الأمر كذلك فمن المستحيل في نظري أن يحلم العسكر بالسيطرة علي مقاليد الأمور علي الإطلاق، و لكن السؤال: ماداموا ليسوا بطامعين في الحكم فلم تطل كل تلك المؤشرات المريبة برأسها من جحورها؟ و لم ذلك التباطؤ المريب للغاية في تنفيذ طلبات الشعب؟ و لم الاستجابة إلي الطلبات التي تصنع البلبلة فقط، مثل: تأجيل الانتخابات و المواد الفوق دستورية؟ مع عرقلة كل الأمور التي تصب في خانة تنفيذ مطالب الشعب المجمع عليها؟
و جواب كل تلك الأسئلة هو سؤال أطرحه علي الجميع:
هل كان رجال المجلس العسكري بمنأي عن الفساد المالي و السياسي في عصر النظام البائد؟ ألم يكونوا جزءاً لا يتجزأ منه؟ ألم يكونوا رجال مبارك في الجيش الذين يؤكدون علي المبايعة قبل كل استفتاء و في كل مناسبة يحضرها المخلوع للجيش؟ ألم تزكم رائحة فساد المسؤولين في الجيش الأنوف و تناقلتها الألسنة كلها من نهب للمزارع التي تحت سلطتهم و وساطات و غيرها؟
إن الجواب الوحيد عن كل تلك الأسئلة هو إثبات كون كثير منهم علي الأقل كان جزءاً من منظومة فساد النظام السابق، لذلك يمكننا بكل بساطة أن نصل إلي ما وصلت إليه كجواب لما طرح من أسئلة عن قرارات المجلس العسكري الغريبة و أفعاله المريبة، فبكل بساطة يمكننا أن نقرر أن عدداً غير قليل من رجال المجلس العسكري ينسقون أوراقهم و يهربون أموالهم أو يخبئونها تحسباً للأيام القادمة، و كل تلك المماطلة ليست إلا لضبط الأوراق و تعديل المواقف بحيث لا يمكن بعد ذلك البرهنة علي أن فيهم من يستحق أن يجاور العادلي في طرة أو علي طاولة عشماوي (الذي أدعو الله تعالي أن تكون نهاية العادلي علي يده).
و كما أن فترة قصيرة من الانفلات أتيحت للشرطة تم خلالها التخلص بالفرم و الإحراق من مستندات أمن الدولة و التغطية علي كثير من مجازرهم، فإن فترة أطول بعض الشئ يمكنها التغطية علي مصائب كثير من رجال المجلس العسكري الموقر !
و هنا يطل التساؤل الذي أخشي أن أسأله لنفسي: ماذا يمكننا أن نفعل الآن؟، و الجواب العقلاني الوحيد الذي وصلت إليه هو أن نصبح برضانا أطرافاًَ في مؤامرة (أومرتا)، و (أومرتا) هي لفظة تطلق في صقلية و إيطاليا علي حالة تعمد الصمت علي أفعال المافيا، فلو كنت إيطالياً و رأيت رجل مافيا يقتل جارك فلا يمكنك أن تنطق بكلمة، و حينما يستجوبك المحققون لا يمكنك أن تجب سوي بـ: لا أعلم.
و أظن أنه ليس أمامنا إلا التظاهر بأننا لا نعلم أنهم يرتبون أمورهم جيداً، و ليس أمامنا إلا أن نسير علي المسار المحدد مسبقاً: تظاهرات و اعتراضات شعبية علي قانون الطوارئ تضيع فترة لا بأس بها من الوقت، و بعدها يلغون قانون الطوارئ فنتظاهر بالهدوء، و حينما تتم الانتخابات البرلمانية و يكتب الدستور الذي يمكننا من الكشف عن تمويل الجيش و مصاريفه أمام مجلس الشعب سوف يقبلون بهذا و هالة الملائكة فوق رؤوسهم، و حينما نراجع الدفاتر القديمة سوف نجدها نقية بيضاء من غير سوء، و حينها يجب أن نتظاهر أننا نصدق هذا، و يجب أن نتجرع الغيظ و نصمت كما تقول الـ(أومرتا).
أظن (و أنا ذو الخبرة الضئيلة) أن هذا هو المسار الوحيد الذي يمكننا أن نسير فيه، و لو أردنا تغييره فسنكون أمام خيار أمر و ألعن، فالأمر الآن: إما حمام من الدماء و فتنة لا تخمد إلا بعد أمد طويل، و إما الرضا بإفلات رجال المجلس من المحاسبة فيما بعد. و أنا أري أن الخيار الثاني رغم مرارته أحلي و أفضل.

و كلمتي الأخيرة إلي من يهمه الأمر من العسكر: رتبوا أوراقكم بسرعة، و غطوا فضائحكم بأسرع ما تستطيعون، فمصر لا تحتمل الانتظار أكثر من هذا.

ليست هناك تعليقات:

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.