السبت، 26 نوفمبر 2011

الراجل مش بس بتويتته، الراجل بنزوله التحرير مع أسرته


حذرت من قبل من الدعاوي التي تفرق بين المتظاهرين في التحرير، و ها هي أولها تظهر علي لسان د. علاء الأسواني العالماني المحترق، حيث صرح بأن حكومة الثورة قد تشكلت من الميدان و أن د. البرادعي قد أصبح رئيساً للوزراء !
يا أولي الألباب: بأي عقلٍ ينفرد بعض من في التحرير عن الباقين، و يقولون بوزارةٍ علي رأسها د. البرادعي الذي لم ينزل الميدان إلا لمدةٍ أقل من ساعة و في حراسة، بينما هناك ليثٌ ضارٍ يدعي حازم أبو إسماعيل يقبع هناك ليل نهار ؟!
نزل د. البرادعي لأقل من ساعة للميدان فطالبوا به رئيس وزراء: و علي هذا فيجب عَلَيَّ أن أطالب بالشيخ حازم خليفة للمسلمين !
يا أهل الخير
الراجل مش بس بتويتته، الراجل بنزوله التحرير مع أسرته ^_^

الجمعة، 25 نوفمبر 2011

دعوها فإنها مفرقة.

نظراً لأن هناك كثيراً من المطالب شديدة التطرف التي تُتَداول الآن في ميدان التحرير، و تنتشر بتخطيطٍ من المجلس العسكري (كما نبه الشيخ حازم مؤخراً)، مثل إسقاط المجلس العسكري تماماً و إعطاء السلطة لمجلس رئاسي مدني، أو محاكمة المشير محمد حسين طنطاوي حالياً ! فإنني أود أن أنبه إلي ما يلي:

  • قوة ميدان التحرير الكبري تنبع من تكاتف كل من فيه و كونهم يداً واحدةً و قلباً واحداً، و مثل هذه الطلبات كفيلةٌ بشق صف الميدان إلي نصفين: المطالبين بها و غير الراضين بها، و علي رأس غير الراضين بها و الرافضين لها كل الرفض: القوي الإسلامية، و أنا شخصياً من أشد الناس رفضاً لتلك الطلبات، و ليس ذلك حباً في سواد عيني المجلس السمكري: بل تجنباً لفوضي أثق تمام الثقة أنها ستضرب مصر بمنتهي العنف بعد زوال السكرة و حلول الفكرة.
  • شرعية ميدان التحرير ذاته مستمدةٌ من تعبيره عن ضمير الأمة بأسرها، فلو أصبح الشعب شعبين: شعب مصر و شعب التحرير "الشقيق" لأصبحت فتنةً لا تبقي و لا تذر، و حينها سترون أن من سيخرج لقنص من في التحرير سيكون هو رجل الشارع العادي لا رجل الشرطة المجرم !

فأرجوكم دعوا تلك الدعوات المفرقة، و لنتوحد خلف الدعوات التي تلقي القبول من كل الأطراف، و التي تقنع رجل الشارع العادي بشرعيتها و منطقيتها و بأنها تأخذ منه الشرعية، و لا ترغمه علي السير علي هوي من يزداد اقتناعه رويداً رويداً أنهم السبب في شظف العيش المتزايد يوماً بعد يوم.

و أكرر أن الطلبات التي يجب الالتفاف حولها هي:

  • إجراء انتخابات برلمانية نزيهة في المواعيد المحددة سلفاً (و هو ما قلنا أنه خط انفجار).
  • إعادة هيكلة جهاز الشرطة و إشراف قضائي نزيه علي تحرك قوات مكافحة الشغب، و محاسبة قتلة الثوار فيه فوراً و دون إبطاء.
  • إجراء انتخابات الرئاسة قبل 30 أبريل.
  • إهدار وثيقة السلمي الحقيرة فوراً و دون أي نوع من أنواع الإبطاء.
  • تعويض المصابين (القدامي و الجدد) بما يليق بهم، و معالجتهم كما يحدث مع الحقير مبارك.
  • تعويض أهالي الشهداء كما يليق بهم.
  • صدور جدول زمني واضح يحدد متي سيحدث كل ما فات، بحيث نستطيع محاسبتهم علي التراخي إذا ما عادوا إليه
  • الإفراج عن المعتقلين السياسيين في المجزرة الأخيرة فوراً، و إعادة محاكمة كل من حوكم عسكرياً أمام محكمة مدنية عادلة.

الخميس، 24 نوفمبر 2011

إلي إخوتي من الإخوان المسلمين.

رسالةٌ جديدةٌ أوجهها إلي إخوتي في الله تعالي من الإخوان المسلمين:
و الله لو كنت في جماعة الإخوان و حدث ما حدث في مصر و رأيت القرارات التي اتخذها رؤوسها: فما أظن إلا أنني سأخرج من الجماعة و أنزل الميدان، و ليس الأمر تنظيراً بارداً مني؛ فحينما خرج بيان الدعوة السلفية الذي خالفته الرأي أوضحتها قويةً عاليةً أن هذا البيان لا يمثلني، و أني أري النزول و مساعدة البؤساء في الميدان، فالله تعالي أمر بذلك بقوله:
(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ){سورة: الحجرات}
فلا عذر لمتخلفٍ إذا استطاع النزول، و لو خفتَ (أخي المنضم للإخوان) علي كيان الجماعة: فاخرج منه، و الحق بركب إخوانك في الله من السلفيين، ففي النهاية أنت مأمورٌ بالنصرة قدر الاستطاعة، و خلع الحزبية هنا واجبٌ كل الوجوب.
و كما قال أستاذنا الجامعي د. محمود صابر فإن العدو الذي تخشي أن يجرك إلي معركةٍ يضيعُ فيها الوطنُ قادرٌ علي أن يجرك إلي ألف معركةٍ أخري، و حقاً أقولها لإخوتي في الله من الإخوان (و معظم أصدقائي منهم): إذا تأخر نزولكم أكثر من هذا فستتحملون أمام الله تعالي وزر إضعاف التيار الإسلامي في الشارع، فنحن الآن لا نمثل أنفسنا فقط، بل نمثل المشروع الإسلامي ذاته.

و أقولها ثانيةً و ثالثةً و رابعة: 
إذا كان عدم نزولكم خوفاً علي كيان الجماعة فاخرجوا منه، فأنتم مأمورون بالنصرة، و أي تخلفٍ سيظل وزره في أعناقكم حتي يوم الدين، و تباً للتحزب و من يناصره إذا كان الثمن التخلف عن حقن دمٍ حرٍ في الشهر الحرام !.
اللهم هل بلغت: اللهم فاشهد.

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2011

تباً للانبطاح.

بينما تفور البلاد و تغلي، و يموت زهرة شباب مصر و يفقد الآخرون أعينهم، و تخنق الغازات الشديدة القوة أنفاس البقية في صدورهم: يقوم من ليس في الميدان بإجراء حسابات أخري تماماً !.
فبعضهم يقول (و هم من الإخوان): أن كل هذا مدبرٌ له لتنزل جماعة الإخوان إلي الميدان و من ثم يتكرر معها السيناريو القديم،
و بعضهم (و معظمهم من العامة غير المحسوبين علي تيارات معينة) يقول أن ما يحدث هو خطأٌ من المعتصمين الذين يزيدون حال البلاد سوءاً علي سوء،
و آخرون (و هم بكل أسف من السلفيين) يقولون أنها فتنةٌ لا بد من اعتزالها و عدم الخوض فيها بأي شكل من الأشكال.
فأما فريق الإخوان الذين يقولون الرأي الأول فلهم أقول: كم هو رخيصٌ دم غير الإخوان عندكم ! أي حماقةٍ تلك التي تجعلك لا تسعف من يموت من إخوتك في الله بدعوي أنها خطةٌ لاستدراجك للقضاء عليك !
و الله ما أراها إلا العصبية الحزبية التي طالما حذرنا منها قبل ثورة يناير، و التي كنا نخوض السجالات بسببها مع أصدقائنا في جماعة الإخوان، فتباً للحزبية التي تجعل المرء قادراً علي إهدار دم إخوانه في الدين كيلا تخسر جماعته كيانها.
أما الفريق الثاني من القائلين أن كل هذا بسبب أن هناك من اعتصم علي غير ما كانت الأغلبية قد قررته، فلهؤلاء أقول: و لماذا تصرفت السلطات مع هؤلاء القلة بكل تلك الوحشية؟! و لماذا أكملوا وحشيتهم مع الجحافل التي زحفت علي الميدان فيما بعد؟! و حتي إن أخطأ أولئك المعتصمون: فهل أصبح عقاب اعتصام القلة هو الإعدام ؟!
و أما الفريق الثالث الذي يتصور أن الأمر فتنةٌ لا بد من اعتزالها فأقول لهم: تباً لعقلية الإرجاء حينما تتفشي في أهل السنة، ألم يقل الله تعالي:
(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ){سورة: الحجرات}،
فما بالنا نراكم حتي لا تحاولون الإصلاح و إيقاف المذبحة التي تجري ؟!
و يستشهدون بحديث رسول الله صلوات الله و سلامه عليه الذي يقول فيه:
(سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ فيها مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ){كتاب الفتن من صحيح الإمام البخاري}
رغم أن أهل السنة يعلمون جيداً أن هذا الحديث خاصٌ بالفتن التي لا نعلم فيها من المخطئ و من المصيب، أي الحرب الأهلية في مصطلحاتنا الحديثة !
و لكن الذي لا يمكنه التفريق بين كتب السنة و كتب الإرجاء يمكنه أن يقتنع بألف رأيٍ و رأيٍ ما أنزل الله بأحدها سلطانا، و الذي لا يفقه إلا أقوال فلانٍ أو علانٍ و يلقي كلام الله تعالي و كلام رسوله صلوات الله و سلامه عليه وراء ظهره لا يمكنه أن ينصر حقاً أو يجاهد باطلا.
نهايةً: و بعد الخطاب الهزلي للمشير محمد حسين طنطاوي، أود قول ما يلي:
  1. الانتخابات البرلمانية كانت ستتم في موعدها علي كل حال، و لم يكن في يد المجلس أصلاً العبث بموعدها؛ لأنها كما قال الشيخ حازم: ليست خطاً أحمر، بل هي خط انفجار.
  2. إقالة عصام شرف و وزارته كعدمه؛ فما دامت كل السلطات في يد العسكر فكل الوزارات سواء، حتي لو كان رئيس الوزراء هو الشيخ حازم و كان وزراؤه هم شباب الثورة.
  3. إجراء انتخابات الرئاسة قبل 30/6 مجرد مُسَكنٍ لإسكات الجماهير الهائجة، و إلا فما الذي يضيرهم في جعل الانتخابات الرئاسية في آخر أبريل ؟!
و لكن الموضوع يصبح واضحاً تمام الوضوح حينما نضع نصب أعيننا الأمور التالية:
  1. ليس هناك أي حديث عن محاكمة الشرطة السفاحة التي فعلت ما فعلت بالمتظاهرين العزل !
  2. ليس هناك أي حديث عن وثيقة السلمي اللعينة التي أدت إلي كل هذا !
  3. ليس هناك أي حديث عن سلطات مجلس الشعب القادم، و هو أمرٌ مرتبط تماماً بوثيقة السلمي !
  4. تم إقرار قانون هزلي للفساد السياسي بعد فوات الأوان، رغم أنه كان ممكناً بجرة قلم إصدارُ قانونٍ أكثر قوةً قبل اشتعال الأحداث !
إن الأمور واضحةٌ تماماً لكل من له عينان تريان: المجلس العسكري يريد أن يلتف علي المطالب مثلما حاول مبارك من قبل، و لكنه لم يعِ أن الأمور قد تطورت و أن هذه الخدع لن تنطلي علينا أبداً بإذن الله تعالي.
إن ما نريده هو بكل بساطة:
  1. إجراء انتخابات برلمانية نزيهة في المواعيد المحددة سلفاً (و هو ما قلنا أنه خط انفجار).
  2. إعادة هيكلة جهاز الشرطة و محاسبة قتلة الثوار فيه.
  3. إجراء انتخابات الرئاسة قبل 30 أبريل.
  4. إهدار وثيقة السلمي الحقيرة فوراً و دون أي نوع من أنواع الإبطاء.
  5. الاعتذار الرسمي للشعب عما حدث.
  6. تعويض المصابين (القدامي و الجدد) بما يليق بهم، و معالجتهم كما يحدث مع الحقير مبارك.
  7. تعويض أهالي الشهداء كما يليق بهم.
  8. صدور جدول زمني واضح يحدد متي سيحدث كل ما فات، بحيث نستطيع محاسبتهم علي التراخي إذا ما عادوا إليه.


و ثانيةً أقولها: تباً للانبطاح.


الاثنين، 21 نوفمبر 2011

توضيح موقف.

بعد الأحداث المؤسفة التي مرت بها مصر (و لا زالت تمر بها)،  أعلن بكل أسفٍ أنه:
1- لا يعبر عني سياسياً إلا الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل، و الدعوة السلفية بالإسكندرية لا تعبر عني سياسياً علي الإطلاق منذ الآن فصاعداً، و بخاصةٍ بعد البيان الأخير الذي يدمي القلب حزناً بما فيه من غيابٍ عن الوعي بالموقف الراهن.
2- أنا باقٍ علي المنهج السلفي: عليه أحيا و عليه أموت و عليه أبعث إن شاء الله تعالي؛ لأنه روح الإسلام الحقة و منهج أصحاب النبي الخاتم رضوان الله عليهم، و لا شأن لهذا بالموقف السياسي.
3- سيظل صوتي الانتخابي لحزب النور بإذن الله تعالي، ثم لحزب الحرية و العدالة.

و أعلن أني أحب مشايخي في الله تعالي كل الحب، و سأبقي كذلك بإذنه عز و جل، و لكن الموقف لا يحتمل المحاباة.

الأربعاء، 16 نوفمبر 2011

احتواء السلفيين .. واستلاب العقول ..!! بقلم : أحمد مولانا عضو المكتب السياسي للجبهة السلفية

انبعث المنهج السلفي بقوة في النصف الثاني من القرن العشرين ليحرر العقول والنفوس من أسر التقليد المذهبي القائم على اتباع الأراء الفقهية المرسلة الغير مبنية على أدلة شرعية صحيحة ، وليخلصها من منهج الاتباع الصوفي القائم على نظرية "شيخ الطريقة والمريدين" الذين يتبعون الشيخ وينفذون أوامره دون النظر لمدى موافقتها أو مخالفتها للأدلة الشرعية .
وأدى هذا المنهج السلفي المبارك إلى إحياء الاتباع السني المبني على الدليل الشرعي ، مما أثمر نهضة فكرية وعلمية وعقلية ونفسية في صفوف أبناء الحركة الإسلامية توجت بظهور الصحوة الإسلامية المعاصرة كلاعب أساسي يؤدي دوراً هاماً وبارزا ً في تبني قضايا الأمة والدفاع عنها.
ولكن سرعان ما انتبهت الجاهلية لهذا المنهج الإحيائي وسعت لإحتوائه وحرفه عن مساره بواسطة سياسة تقوم على عدة محاور من أبرزها " إحتواء الفكر عن طريق السيطرة على الرموز" ليتم تغيير المنهج بشكل قمي تنازلي بدءاً من الرموز وانتهاءاً بالأفراد حيث تم :
•شن حملات أمنية ودعائية تشويهية مكثفة ضد الرموز المؤثرة لتغييبها عن صدارة المشهد الدعوي، حيث منعها الأمن من إلقاء الدروس والخطب ،وسيطر على مساجدها ، وصادر اصدارتها المكتوبة والمسموعة ، ومنعها من الظهور في الفضائيات فاختفت من الساحة أسماء مشائخ كمحمد عبدالمقصود ونشأت أحمد وفوزي السعيد ومحمد المقدم وهشام عقدة ورفاعي سرور ، بينما سمح بالتواجد القوي لشخصيات أخرى بعضها محترم ولكنه يتبنى قضايا لا تؤثر على مجريات الأحداث وديمومة الظلم ، و البعض الاخر يتبنى اطروحات تكرس لهيمنة الباطل وتضفي الشرعية على وجوده ، وتثبط الناس عن إزالته وتغييره.
•الترويج لمعايير جديدة يتم من خلالها تقييم الرموز ، فظهرت معايير الشهرة الإعلامية واللغة الخطابية كبدائل لمعايير العمل بالعلم والصدع بالحق وتبني قضايا الأمة ، وصار مجرد الظهور المتكرر في البرامج الفضائية والكلام الفصيح المصحوب بابتسامات متواصلة أو بكاء مصطنع عوامل كافية لنيل الرمزية المطلوبة بالرغم من هشاشة المضمون وهامشية الطرح.
•ومن أخطر الخطط التي نفذت استبدال أطروحة " اتباع الدليل" بأطروحة" تقديس المشائخ" ، ونفذت هذه الخطة بأسلوب ماكر وبسيط يقوم على فكرة أن الذي يعرف الأدلة الشرعية هو الشيخ ، لذا يجب أن نتبع الشيخ لأننا لن نعرف الأدلة أكثر منه ، ولما وُضعت من قبل معايير مصطنعة يقُوم من خلالها الرموز والمشائخ ، تقفز على المعايير المعروفة و المذكورة في كتب أصول الفقه، وتتخذ الشهرة الإعلامية مرتكزاً لها ، صار قطاع واسع من المشائخ المشهورين إعلاميا والمسموح بتواجدهم أمنياً هم مصدر التلقي الذي يتعرف منه الأفراد على دينهم وينزلون على أرائهم في النوازل والمستجدات ، وبهذه الحيلة تمت السيطرة على أقوى ركائز الفكر السلفي المتمثلة في أطروحة " اتباع الدليل" ، وتمت العودة لمربع أسوأ من المربع القديم الذي كانت تقدس فيه أراء أئمة من أهل العلم المتقدمين المشهود لهم بالتقوى، وليُصار لتقديس أراء أحياء لا تؤمن عليهم الفتنة إن لم تكن أقوال وتصرفات بعضهم في ذاتها فتنة، وليتم استلاب ومصادرة عقول قطاعات واسعة من الأفراد بواسطة أطروحات فاسدة ،مما انتج اتباع يواجهون أصحاب أي مشاريع إصلاحية تغييرية بعدد من الأسئلة المنمطة تم زرعها في النفوس والعقول بطريقة لا شعورية ممنهجة ومن أبرزها :

من زكاك من المشائخ المشهورين؟

و هذا السؤال يتجاوز أصل شرعي هام، وهو "قبول الحق من أي كان " حتى لو كان قائله هو الشيطان نفسه ، لأن الحق قيمته ذاتية تنبع منه نفسه لا من قائليه ، دل على ذلك أحاديث عديدة ومواقف متنوعة من حياة الخلفاء الراشدين:

- فقد روى الإمام البخاري في صحيحه قصة أبي هريرة مع إبليس، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأبي هريرة : ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلماتٍ ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: وما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم) "البقرة:255" وقال لي( ابليس): لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطانٌ حتى تصبح -وكانوا أحرص شيءٍ على الخير- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، أتعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة ؟ قال: لا. قال: ذاك الشيطان).


- وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحق من حبر يهودي : فعن قتيلة بنت صيفي الجهينية قالت: أتى حبر من أحبار اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، نعم القوم أنتم، لولا أنكم تشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله وما ذاك ؟! " قال : تقولون إذا حلفتم والكعبة. قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال : " إنه قد قال، فمن حلف فليحلف برب الكعبة " قال : يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله نداً ، قال صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله ، وما ذاك ؟! قال تقولون ما شاء الله وشئت . قالت فأمهل رسول الله صلى الله شيئاً ثم قال : " إنه قد قال، فمن قال : ما شاء الله فليفصل بينهما ثم شئت ) رواه النسائي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 213 ".



‎- وقبل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الحق من امرأة عارضته في مسألة تحديد المهور وهو في خطبته على ملأ من الناس، فقال: "اصابت امرأة واخطأ عمر " ... ولم يسألها رضي الله عنه : من أنت ؟ من زكاك من أهل العلم؟.

- و تأمل قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لحارث بن حوط حينما سأله : أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ : يا حارث! إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله".

لذا تجب مناقشة الأطروحة ذاتها والفكرة نفسها ،لا أن يتم تجاهلها لحين التعرف على قائلها وخلفياته، مع التأكيد على عدم إهمال هذه الخلفيات لقوله صلى الله عليه وسلم " صدقك وهو كذوب".



ما هي حصيلتك العلمية؟

و هذا السؤال يتجاهل أيضاً مسألة علمية هامة وهى " تجزؤ العلم" فلا يلزم للتكلم في مسألة سوى العلم بها ، وبما يتعلق بها من مسائل ، لا العلم بغيرها من المسائل، حيث يقول العلامة ابن القيم في "اعلام الموقعين
":
"الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره، أو في باب من أبوابه، كمن استفرغ وسعه في نوع من العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج، أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره، وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها.


من أنا حتى استطيع فهم الدليل أو التعامل معه مباشرة ؟

قائل هذاالسؤال لا يستطيع حسب كلامه فهم الدليل ، لذا يُعد مقلداً ، والمقلد لا يجوز له نقل الفتوى لغيره بل عليه العمل بها في نفسه فقط، فعلى سبيل المثال إذا أفتاه الشيخ فلان بعدم جواز المظاهرات عليه ألا يشارك فيها بنفسه لا أن يدعو الناس لعدم المشاركة ، لأنه بذلك يتعدى حدوده كمقلد ، ،يقول ابن القيم في "أعلام الموقعين" (لا يجوز للمقلد ان يفتي في دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى انه قول من قلده دينه هذا إجماع من السلف كلهم )، ولا يجوز له من باب أولى التشنيع على أصحاب الاجتهادات المخالفة من أهل العلم لأنه ليس نداً لهم ليناقشهم أو ينتقص منهم

.

تداعيات هيمنة أطروحة " تقديس المشائخ":
أنتجت هذه الأطروحة قطاعات سلفية لا تتحرك لنصرة قضايا الأمة إلا إذا قال لهم الشيخ المشهور فلان أو علان بالرغم من وضوح الأدلة الشرعية في هذه القضايا ، فغابت الألوف عن المشاركة في الأحداث المفصلية والهامة مثل :
•ثورة يناير التي قامت لاسقاط طاغية يحكم بالحديد والنار، ويكتوي الإسلاميون بظلمه أكثر من غيرهم
•قضية مقتل سيد بلال ومن قبله قضية مقتل خالد سعيد، ولنتأمل كيف حملت الأجيال المصرية الشبابية قضية خالد سعيد واخرجتها للعلن ،وجعلته رمزاً للمظلومين، بينما غيب بعض الاسلاميين قضية سيد بلال وعملوا على دفنها مع جثمانه ليطويه ويطويها النسيان.
•قضايا المختطفات من المسلمات الجدد مثل كاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين، والتي تمثل في ذاتها قضايا إنسانية ذات فصول مأساوية ، فضلاً عن أبعادها الشرعية التي تستدعي للذاكرة مفاهيم الولاء والبراء ونصرة المظلوم.
•نصرة المظلومين من المعتقلين ، والمطالبة بمقاضاة ضباط التعذيب ومنتهكي حقوق البشر.
بل وصل الأمر إلى الجمع بين المتناقضات دون أن يثير ذلك تساؤلات في أذهان الأفراد : حيث تحول بعض المشهورين من القول ببدعية المظاهرات جملة وتفصيلاً إلى التحريض على المشاركة في مظاهرات للدفاع عن أحد المشائخ الفضلاء من أصحاب المواقف القوية الذابة عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يطرحوا تأصيلا جديدا ينقض التأصيل السابق لحرمة المظاهرات وبدعيتها ، و فجأة تحول مبارك بعد سقوطه من ولي أمر شرعي لا يجوز الخروج عليه إلى فرعون العصر.

ختاماً :

إن قطاعات واسعة من التيار السلفي تحتاج لاستثمار فترة الحرية الحالية لإجراء مراجعات حرة في ظروف صحية لا تخضع لضغوط أمنية أو مجتمعية لتصحيح منظومة المصالح والمفاسد المعوجة التي انتجت مواقف مشينة و مخزية ، ولتعيد لأطروحة " اتباع الدليل" رونقها ،ولتهدم مرة أخرى أطروحة " تقديس المشائخ"، ولتعمل على بناء شخصيات سلفية حرة تتفاعل مع قضايا الأمة وتستشعر آلامها وتحمل أمالها وتسعى لنهضتها لتؤدي دورها المطلوب في قيادة البشرية لبر الأمان. 


منقولٌ للأهمية الشديدة.

اتحاد، و اتحاد 2

الغريب فى أمر الاتحاد الأوروبي أن أول دعوى لقيامه و التى كان صاحبها السياسي الفرنسي "جان مونيه" كانت فى عام 1951، فى وقتٍ لم تكن أوروبا فيه قد لملمت كافة جراحها من الحربين العالميتين اللتين مزقتا أمم العالم الكبرى شر ممزق، و أذاقت صغارها ويلاتٍ و ويلات، لكن الدعوة لاقت صداها لأنها لم تكن دعوةً إلى اتحاد فجائي ليس له أساسٌ أو تمهيد (كما حدث مع الوحدة المصرية-السورية).
و كانت الدعوة فى البداية إلى توحيد الدول الأوروبية الديموقراطية فى المجالين الافتصادي والسياسي، فتم إبرام معاهدة باريس عام 1951 بين عدد من الدول الأوروبية هي بلجيكا و فرنسا و إيطاليا و لوكسمبورج و هولندا و ألمانيا الغربية (أيام تقسيم ألمانيا إلى شرقيةٍ و غربية)، و كانت المعاهدة تنص على إنشاء مجموعة الفحم و الصلب الأوروبية و التى كانت نموذجاً للتعاون فى إنتاج و تجارة الفحم و الصلب و خام الحديد و الحديد الخردة، و كان نتاج هذا أن أزيلت جميع الحواجز التجارية بين البلدان الستة فى هذه المنتجات، و تم السماح للعاملين فى الفحم و كذلك الصلب بالعمل فى أية دولةٍ منها دون قيود اعتبارا من عام .1952
و قد أدت هذه المجموعة إلى إرساء قواعد أولى المؤسسات الحكومية الدولية فى أوروبا، و قامت كل دولةٍ من الست المشتركة فيها بنقل صلاحياتٍ مهمةٍ إليها، ونظراً لأن ذلك التعاون المشترك بين هذه الدول قد أدى إلى نجاحٍ مطمئنٍ فقد تم توسيع التعاون القائم بينها بإبرام اتفاقيات روما عام 1957، مما أدى إلى إنشاء المجموعة الأوروبية للطاقة الذرية والمجموعة الاقتصادية الأوروبية.
و بازدياد ذلك التعاون اندمجت المجموعات الثلاث السابقة لتكون "المجموعة الأوروبية" أو "الجماعة الأوروبية" فى العام 1967 لتشكل النواة الحقيقة للاتحاد، و عندما حل صيف منتصف عام 1968 تضاعف حجم التجارة بين هذه الدول و ارتفع مستوى معيشة سكانها نظراً لقرارها إلغاء التعريفات الجمركية فيما بينها، ثم خلال فترة السبعينيات نجحت تلك البلاد فى تحديد أسعار صرف عملاتها و التوفيق بينها حتى استطاعت فى النهاية إنشاء النظام النقدي الأوروبي عام 1979.
و نظراً لذلك النجاح الافتصادي الضخم الذي حققته هذه الدول الست فى المجموعة الأوروبية فقد انضمت الدول الأوروبية إلى المجموعة تباعاً لتحصل لنفسها على نصيبٍ من ذلك النجاح، فانضمت الدنمارك و أيرلندا و المملكة المتحدة (بريطانيا) فى عام 1973، ثم انضمت اليونان فى عام 1981، و البرتغال و إسبانيا عام 1986.
أما السوق الأوروبية المشتركة فقد كان حظها سيئاً بعض الشيء؛ إذ لم تكتمل شرعيتها إلا عام 1987 حينما وقعت الاثنتا عشر دولة التى كونت المجموعة (حتى ذلك الوقت) على مشروع " قانون أوروبا الموحد "، و الذي نص على إلغاء كافة القيود الجمركية و معظم الحواجز الأخرى و التى تمنع أو تعوق حرية انتقال السلع و الخدمات و رأس المال و العمل بين دول المجموعة، و بدأ تنفيذ هذا القانون فى أول يناير عام 1993.
و كانت الخطوة الكبرى و المرحلة الأهم فى حياة الاتحاد الأوروبي توقيع الدول الإثني عشر على معاهدة "ماستريخت" فى هولندا فى الحادي عشر من ديسمبر عام 1991، و قد تم التوقيع على معاهدة قيام الاتحاد الأوروبي و معاهدة قيام الاتحاد الافتصادي و النقدي و اللتان أصبحتا ساريتا المفعول بدايةً من أول يناير 1993، و قد وقعت السويد و فنلندا و النمسا على المعاهدة فى عام 1995، و تعد أهم ما نصت عليه المعاهدةُ: الوحدةُ الاقتصادية و المالية بين دول المجموعة، بحيث تكون لها عملةٌ موحدةٌ هي اليورو (و التى صارت ذات قوةٍ كبيرةٍ فى كافة أو معظم أسواق العالم، و اسم العملة مأخوذ من المقطع الأول من اسم أوروبا باللغات الأوروبية).
و يقوم الاتحاد الأوروبي على عدة هيئاتٍ رئاسية، هي: مجلس الوزراء الذي يعقد اجتماعاته فى بروكسل ببلجيكا، و هو لا يقترح إصدار تشريعات أو قوانين بل يوافق عليها أو يرفضها بأغلبية 62 من 87 و التى تقدم إليه كاقتراحات من الدول الأعضاء، أما مجلس أوروبا "القمة" فيستخدم لوصف اجتماعات رؤساء الدول و رؤساء اللجنة، و اللجنة الأوروبية هي الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي و الإدارية كذلك، و غاية هدفها متابعة تنفيذ قرارات المجلس الوزاري، أما البرلمان الأوروبي فهو هيئةٌ استشاريةٌ فى المقام الأول، و ينحصر عمله فى مناقشة القرارات و المقترحات و تقديم المشورة إلى اللجنة والمجلس.
و إلى جانب هذه الأجهزة الرئاسية توجد محكمة العدل الأوروبية و هي المحكمة العليا للاتحاد، و هيئة مراجعي الحسابات، و اللجنة الاقتصادية و الاجتماعية، و لجنة الممثلين الدائمين للدول الأعضاء، و لجنة الأقاليم، و بنك الاستثمار الأوروبي *.

من كل ما سبق يبدو من الواضح أن الدول الأوروبية لن تقنع بأقل من الريادة التامة للعالم، باتحادها الذي فاق نجاحه كل التصورات، و لكن الغريب بالنسبة لنا نحن المسلمين بالذات أن هذا الاتحاد الضخم لم يقم على أساس من مركزية القرار بين من اشتركوا فى إنشائه، بل على العكس كانت الدول الأوروبية تناقش كل مسألةٍ من مسائل الاتحاد جيداً فى جوٍ من الندية و المشاركة لا التسلط و القيادة المفردة من جانب دولة واحدة لبقية الدول.
و هو ما يعيد إلى أذهاننا أول الخلافات التى نتوقع قيامها إذا ما فكرنا فى إنشاء مثل هذا الاتحاد، و الذي سيكون بكل تأكيدٍ عن الدولة التى سوف تمسك فى يدها بمقاليد الأمور، و التى –كعادتنا فى هذه الأيام– سنلقى عليها بالأمر كله، و سنطلب منها القيام بكل شيء، و ربما غنينا لها "اخترناه اخترناه و احنا معاه لما شاء الله".
فمن أشد المصائب التى ابتلينا بها أنفسنا: أننا نتصارع دوماً على القيادة المنفردة و على الرئاسة المطلقة، دون النظر إلى ما وراء ذلك من مسئولياتٍ جسام، بل و دون أن نرى عيوب القيادة المنفردة، رغم ما واجهناه بسببها فيما مضى و الذي استمر معنا أثره إلى الآن.
فالحكم الشمولي الذي ما زالت معظم أوطاننا تعانى منه و من سدنته إلى الآن لا يعطى الأغلبية الساحقة ممن يعيشون تحت بنائه أي فرصةٍ لتقرير المصير الذاتي، بل يحكم عليهم بالتقولب و التشكل تبعاً لإرادة الحاكم المطلق، و هو ما لا يجارى سنة الحياة التى جرت أمورها منذ القدم على اعتبار كل إنسان حالةً متفردةً لا تتكرر، لها الحق كل الحق فى أن تختار لنفسها بحريةٍ تامة كل الاختيارات الخاصة، و أن تشارك بكل حريةٍ فى اختيار القرارات العامة (و غنيٌ عن الذكر عدمُ الحيدة عن الثابت من القوانين الربانية واجبة الاتباع).
و رغم أننا نعيش فى معظم بلادنا فى هذه الأيام فى استقلالٍ عن الأمم التى كانت تحتلنا من قبل (حتى و إن كان فى معظم أوطاننا استقلالاً شكلياً فقطإلا أننا لم نرى مثل هذه الحرية إلا فى أضيق الظروف، و فى أحيانٍ كثيرةٍ لا ننتبه إليها فى الأصل فى ظل المعاناة اليومية من أجل لقمة العيش فى أغلبية أراضينا !
و بين كل هذه الهموم التى تكبلنا لا يمكن لنا أن نتوقع قيام مثل ذلك الاتحاد بيننا، و السبيل الوحيد لذلك هو تلافى العيوب التى تعرقل نجاحنا، و كذلك أن نتحلى ببعضٍ من ضعف الذاكرة و ننسى ما بيننا من ضغائن وأحقاد، ففي مثل هذه الأيام يكون ضعف الذاكرة واجبا.
كما يجب علينا أن نعلم أن الاتحاد الذي نريده بيننا ليس مجرد لم شمل إخوةٍ فرقت الظروف بينهم لكي ينشئوا بيت عائلتهم (كما يقول القرويون) من جديد، بل هو ضرورةٌ تفرضها علينا ظروف الأمس و اليوم، و يصير من غير الموضوعية بل و من البلاهة أن نهمل كل ذلك فى سبيل انفرادٍ أحمق عن الكيان الأكبر. 
و ختاماً فإذا كنا لا نقيم لما بيننا من أخوةٍ وزناً فلست أشك أننا سنقيم لحياتنا و أرواحنا كل الوزن،  و لست أشك فى أن هذا سيدفعنا إلى إنشاء وطننا الأعظم و إن كان بدافع من المصلحة لا الحب والأخوة كما يجب.
------------------------------------------------------------
* اعتمدت في كل البيانات و الأرقام التي نقلتها علي موسوعة جميلةٍ للغاية، لكني بكل أسفٍ لم أحتفظ باسمها في تلك الأيام !

الاثنين، 14 نوفمبر 2011

اتحاد، و اتحاد 1

قبل البدء:
فى حياة الإنسانية تدور الحياة على السنن التى خلقها الله (عز وجل) بلا رادٍ ولا مانع، و تسير دورة حياة الحضارات كواحدةٍ من تلك السنن الإلهية و التى تقضى بتغير أحوال الحضارات و الأمم، من تقدمٍ و رقىٍ أو تخلفٍ و ذلةٍ إلى الضد من ذلك، فالتخلف يصير تقدماً، و التقدم يصير تخلفا، و يكون ثبات الحال بالنسبة للحضارة من أشد الأمور استحالة، فالتغير سنة الحياة عامةً و الأوضاع الحضارية خاصة.
و يسير تتبع تلك الدورات و التمعن فيها من بقية البشر كسنةٍ أخرى من تلك السنن الإلهية، و يكون المستفيد الأول و الأخير فى تلك العملية هو المتتبع لتاريخ تلك الأمم و الحضارات؛ لأنه سيستفيد من ذلك التاريخ فى كل أحواله، فإن كانت الأمة فى حالة ازدهارٍ و رقىٍ استفاد من تمعنه فى تاريخها بمعرفة أسباب ذلك الازدهار، و كان له فى تقليد أبناء تلك الأمة خير استفادةٍ و نتيجة.
و أما إن كان حال تلك الأمة أو الحضارة التدهور و التخلف فستكون الإستفادة من تمعنه معرفته لأسباب التخلف و الانتكاس، و بالتالي تكون لديه الفرصة لتفادى تلك الأسباب، فيكون بإمكانه المحافظة على ازدهار حضارته و رقيها كما هما.
و من كل هذا نرى أن تتبع الأمثلة الواقعية للأمم الأخرى من حولنا من أهم الأمور فى مسيرة البعث والنهضة لأمتنا، و من أكثر الأمور حيويةً و أهميةً لها، و فى هذا العصر هناك بعض الأمم التى حققت نجاحاتٍ رائعة فى مسيرة النهضة و الرقى، و سيراً على منهاج التقصي و التتبع العاقل لحياة الحضارات فسنأخذ مثالاً نعرضه باختصارٍ لأن ظروفه تختلف عن ظروف أمتنا، و لكن نورده ها هنا لإثبات أن العزيمة الصادقة كافيةٌ لأن تحقق للأمم أهدافها ومساعيها مهما كانت العقبات.
و المثال الذي سنعرضه هو للإتحاد الأوروبى الذى تكون منذ سنواتٍ قليلةٍ فى عصرنا هذا.

الاتحاد الأوروبى:
إذا ما تتبع أحد عقلاء أبناء آدم من غير المسلمين تاريخ تطور الإتحاد الأوروبي حتى وصوله إلى ما هو عليه اليوم، فسوف يحس بإعجابٍ بلا حدود تجاه ذلك الجهد الدءوب الصادق الذي توج فى النهاية بإعلان انضمام معظم دول أوروبا تحت راية ذلك الاتحاد، و عن تهافت عددٍ آخر من الدول لدخوله و هو الذي صار صوت أوروبا و يدها الموحدين.
و أقول من غير المسلمين نظراً لأن المسلم فى هذا العصر سينتهج نهجا من اثنين تجاه ذلك التاريخ المشرف للاتحاد الأوروبي، أولهما أن يلقى الأمر عن باله تماماً غير عابىءٍ به شأن معظم مسلمى هذه الأيام الذين لا يأبهون لشيء و لا يهتمون بأمر، كجزءٍ من حالة التبلد واللامبالاة السائدة فى أرض الإسلام، و التى أصبحت بكل أسفٍ القاسم المشترك الأعظم بينهم.
أما ثانيهما فالإحساس بمرارة تطوق إعجابه بذلك النجاح المبهر لأممٍ صممت على الإتحاد بخطوات متمهلة ونجحت فيه، و ليس مصدر هذه المرارة إلا فشلنا - نحن أمة الإسلام - حتى اليوم فى صنع كيانٍ موحدٍ لوطننا المشرذم و المتقطع الأوصال رغم ما بيننا من روابط ضخمة ! 
و العجيب فى أمرنا أننا نمتلك من الروابط  ما هو أضخم آلاف المرات من الروابط التى جمعت بين شعوب القارة الأوروبية، فنحن أمةً واحدةً يفترض أن يسرى فى عقولها و كياناتها ذات الفكر و الهدف و المنهج، و لنا تاريخً مشتركً يمتد إلى جذور الجذور، و لنا ذات الثقافة و اللغة، بل و الأدهى أن أغلبية المتبقين ممن يسكنون ديار الإسلام و لا ينتمون إليه ينتمون إلى دين واحد آخر هو النصرانية، بما يجعل التجانس الديني في واحدةٍ من أعلي درجاته في ديار الإسلام (علي الرغم من وجود اختلافات مذهبية بين النصارى إلا أن قلة عدد تلك المذاهب و تركزها في ثلاث ملل أو أربع -أشهرها الإنجيليين و الكاثوليك و الأرثوذوكس- يقوي الضم ككتلةٍ واحدة).
أما شعوب أوروبا فليس لها تاريخٌ كتاريخنا و لغاتها المختلفة خير شاهدٍ على هذا، أما الثقافة فقل عنها و لا حرج، فإذا كانت لكل أمةٍ منهم لغةٌ تختلف عن بقية اللغات تماماً و لا تلتقي معها إلا فى جذورٍ غابرة فإن ما ترتب على ذلك (و على عوامل أخرى) هو أن لكل دولةٍ وأمةٍ منهم ثقافةً ذاتيةً تختلف عن باقي الثقافات، و علي الرغم من وجود أسسٍ مشتركة بين تلك الثقافات إلا أنها واضحة التمايز و التباين.
لكن العجيب أنهم حاولوا أن يجعلوا من اختلافاتهم اللغوية و الثقافية و الفكرية هذه مصدر ثراءٍ و قوة، نظراً لأن التنوع داخل الكيان الواحد فى الفكر والثقافة يعطى هذا الكيان قابلية لأن يعيش فترةً أكبر من الزمن، و أن تكون حياته مليئةً بالإنجازات فى مختلف دروب الحياة والفكر الإنساني.
أما نحن فقد جعلنا من اختلافاتنا الفكرية (التى يمكن أن تثرى وطننا الأعظم بفكرٍ كالشلالات لا ينقطع) مصدر تمزقٍ و عداء، و صارت لغتنا الواحدة أفضل سلاحٍ لتوجيه أشنع السباب إلى بعضنا البعض، أما الدين الواحد الذي يجمعنا و يعطينا الهدف و المنهج فلم نلبث كأي أمةٍ متخلفةٍ ذات دينٍ سماويٍ كرمها به الله (عز وجل) أن نحيناه جانباً واستبدلنا به نعراتٍ عرقيةٍ و حدوديةٍ لا تسمن و لا تغنى من جوع، وصار الحديث عنه أمام الآخرين حديث دفاعٍ عن عورة لا حديث افتخار بنعمة !
و من المفارقات الأخرى أن تاريخ اقتتالنا الداخلي الذي يخيم على الأمم الضخمة فى لحظات انكسارها و تدهور حضارتها لا يقارن بتاريخ الاقتتال الداخلي بين أمم أوروبا التى أذاقت بعضها صنوف الويل ألواناً وألوانا، و جعلت العالم كله يذوقه فى فتراتٍ أخرى كالحروب الصليبية التى قادتها جيوش أوروبا المتخلفة الفقيرة (عندئذٍ) ضد الحضارة الإسلامية الزاهرة (وقتها)، و كذلك الحربين العالميتين و تاريخ الاستعمار الأوروبي البغيض الذي طال العالم كله و دمر أمماً وشعوباً ليس لها من ذنب.
و لأننا لن نجن شيئاً من الاجترار المرير لأفكارٍ لن تهدينا للحل، فإن أفضل ما يمكننا فعله الآن فى وضع كوضعنا هذا أن نرى التجارب الناجحة التى استطاعت خلالها الأمم التى صممت على الاتحاد و التآزر أن تنجح فى مسعاها، و أن يكلل جهدها بنجاحٍ صار العالم كله يحسدهم عليه ويتمناه لنفسه.

يُتبع.

الأحد، 13 نوفمبر 2011

و أنا ألهث.

قصة قصيرة
ألهث و أنا أحمل الحقيبة من فوق الميكروباص،

ألهث و أنا أبحث عن عربة " كبوت " تحملنى إلى القرية،

ثم ألهث و أنا أضع الحقيبة فى العربة بعد أن وجدتها بسرعة، و هو أمرٌ جد نادر فى هذا الوقت من الأسبوع.

أتجاهل النظرات الضائقة التى غمرني بها كل من كان بالعربة، و الذين أنهكهم الحر الشديد كما أنهكنى، بالإضافة إلى الزحام المبالغ فيه و الذي صار علامةً من علامات مركزنا يوم الخميس. بالتأكيد هو سوء حظى الذي جعلني أنهى امتحاناتى فى الكلية فى هذا اليوم وجعلني أسلم عهدتي فى المدينة الجامعية فيه أيضا، و لكن ما باليد حيلة، و قد كان هذا قدري و مالا بد من أن ألاقيه.

بقى مكانان شاغران و تكتمل العربة لتنطلق فى رحلتها الطويلة بعض الشىء، فقريتي تبعد عن مركزها حوالي نصف الساعة و هو أمرٌ معتادٌ فى الصعيد ذي المسافات و الأبعاد المبالغ فيها.

الوجوه السمراء و الخمرية و البيضاء من حولي تتلفت يميناً و يساراً كأنها تبحث عن مخرج أو حل لما هم فيه من حرٍ لعين، فى ذات الوقت الذي تمسح فيه أيديهم العرق الغزير الذي غمرهم من أعلى رؤوسهم إلى أخمص قدمهم.

و أمسح أنا العرق الذي غمرني و أنا أتساءل فى ضيقٍ عن نتيجة العام المنصرم و عما ستؤول إليه؟، ثم أكاد أجن من الغيظ و أنا أهتف داخلي فى ذلك الخاطر الخانق أن يخرس و إلا أذقته الويل ألوانا وأشكالا.

ألهث و أنا أتأمل الوجوه المحيطة بي،

ألهث و أنا أتعجب من الزحام الغبي الذي يلفنا كألف رداء من صوف،

ثم ألهث و أنا أتذكر أيام الكلية و ما فيها،

عامين كاملين قضيتهما ألعن هذه الدراسة التى دخلتها على غير رضاً منى و دون حب على أمل أن أحبها و أميل إليها، و على هذا الأمل قضيت عامين مجاهداً كرهي لها حتى استطعت فى النهاية أن أكون من أكثر من فيها تميزا، و لكن ذلك لم يشفع عندي أبدا و لم يستطع أن يغير من كرهي لهذه الدراسة شيئا، بل على العكس فقد جعلني هم المذاكرة و نصبها أكرهها أكثر وأكثر.

أتذكر أيامى مع أصحابى فى المدينة الجامعية و الكلية فأبتسم برغم كل شيء؛ فقد كانت أيامى معهم لا تنسى، و المواقف التى مررنا بها ترسم نفسها رسماً بسرعةٍ على صفحة عقلي فلا يمكنني إلا أن المح منها أشياء سريعة مختلطة، و لكنها تكفى لإراحتى بعض الشىء.

ثم اكتملت العربة حينما ولجتها تلك المرأة العجوز و معها تلك الفتاة الحسناء، وبدون شعورٍ منى وجدت نفسي أحاول خفيةً تعديل تصفيفة شعري و أنا أسترق النظر إلى تلك الفتاة، و مرةً أخري ألعن ما أفعله و أكف عنه و أنا أحاول تثبيت نظري إلى الأمام تاركاً الفتاة فى مؤخرة العربة فى حالها.

تسعة عشر عاماً هو عمري، و ألف عام هو عمر عقلي، ذلك العقل الذي حمل مع باقي أقرانه هموماً فوق طاقته واحتماله فلم يجد أمامه إلا اللامبالاة حلا، ونفض الأمور عنه ملاذا، لكن الأمور لا تسير دوماً على نفس المنوال و لابد من ضربةٍ ثقيلةٍ تعيد إلى العقل همومه يوما.

ألهث و أنا أتذكر ما كتبته من قصص قصيرة،

ألهث و أنا أتذكر مشاجرتي مع أبي و أمي حينما رفضا دخولي الكلية التى أحب،

ثم ألهث و أنا أتذكر تمزيق أبي للدفتر الذى كتبت فيه كل ما ألفته من قصص،

يومها لم أكن أملك نسخة أخري من تلك القصص ففقدتها هكذا إلى الأبد، ويومها لم يدر أبي أنه لم يمزق الدفتر فقط بل مزق معه كل مشاعري نحوه، الحب والاطمئنان بل و حتى الكره! صار عندي كأى شخصٍ أتعرفه لأول مرةٍ دون أن أحمل نحوه أى مشاعر أو أحاسيس.

ويوم فقدت تلك القصص التى أثنى عليها كل من قرأها من أساتذة وموجهي اللغة العربية، و تنبؤوا لى بسببها بمستقبل باهر فى الكتابة الأدبية فقدت معها كل مشاعري تجاه هذا العالم، فليحترق الكون بما فيه عقابا له على ما فعله بي و لتشتعل النار فيه و لن أبالى يوما.

لكنني سرعان ما أضبط نفسي و أنا اشعر بالغضب لما حدث فى بلد كذا أو فى أرض كذا و أقسم مغتاظاً ألا أعود، ولكنني أعود وأعود...

و كلما عدت زاد همي و زاد، و كلما ابتعدت ازداد تمزقي و ازداد.

و بطرف عيني لمحت الفتاة تحاول هي الأخرى أن تبعد نظرها عنى بالنظر إلى الطريق من سلم العربة، و أنا أثق أنها هي الأخرى تلعن فى نفسها تحديقها فى منذ أن ركبت العربة حتى عادت إلى نفسها.

و بطرف عيني أيضاً لمحت الأم العجوز و هى تسترخي بعض الشيىء محاولةً الحصول على بعض الراحة من لفها و دورانها على كل بائعي السوق و بائعاته، بينما تطمئن بقدمها إلى وجود كيس المشتريات تحت قدميها المنهكتين.

ألهث و أنا أغمض عيناى عازلا نفسي عمن حولي،

ألهث و أنا أتنفس بعمقٍ محاولاً نسيان كل شيء،

ثم ألهث و أنا أهتف فى داخلي أن الإجازة قد بدأت،

و أبتسم فى سخرية و مرارة و أنا أسأل نفسي عن الفرق بين الإجازة و الدراسة، حقاً أستريح فى الإجازة من الدراسة و الحفظ و النكد المبالغ فيه، إلا أن الإجازة رغم راحتها فلن تعطيني الاستمتاع الذي أريده بوقتي فهي ملل فى ملل، ثم أرحت رأسي مقراً أن الملل مهما كان مقداره فلن يوازى أبداً أو يضاهى التعب الذي نلاقيه فى المذاكرة.

وما هى إلا ثوانٍ حتى كنت لتعبى قد غفوت،

و لكننى حتى و أنا غافٍ كنت ألهث،

و ألهث.





تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.