الاثنين، 14 نوفمبر، 2011

اتحاد، و اتحاد 1

قبل البدء:
فى حياة الإنسانية تدور الحياة على السنن التى خلقها الله (عز وجل) بلا رادٍ ولا مانع، و تسير دورة حياة الحضارات كواحدةٍ من تلك السنن الإلهية و التى تقضى بتغير أحوال الحضارات و الأمم، من تقدمٍ و رقىٍ أو تخلفٍ و ذلةٍ إلى الضد من ذلك، فالتخلف يصير تقدماً، و التقدم يصير تخلفا، و يكون ثبات الحال بالنسبة للحضارة من أشد الأمور استحالة، فالتغير سنة الحياة عامةً و الأوضاع الحضارية خاصة.
و يسير تتبع تلك الدورات و التمعن فيها من بقية البشر كسنةٍ أخرى من تلك السنن الإلهية، و يكون المستفيد الأول و الأخير فى تلك العملية هو المتتبع لتاريخ تلك الأمم و الحضارات؛ لأنه سيستفيد من ذلك التاريخ فى كل أحواله، فإن كانت الأمة فى حالة ازدهارٍ و رقىٍ استفاد من تمعنه فى تاريخها بمعرفة أسباب ذلك الازدهار، و كان له فى تقليد أبناء تلك الأمة خير استفادةٍ و نتيجة.
و أما إن كان حال تلك الأمة أو الحضارة التدهور و التخلف فستكون الإستفادة من تمعنه معرفته لأسباب التخلف و الانتكاس، و بالتالي تكون لديه الفرصة لتفادى تلك الأسباب، فيكون بإمكانه المحافظة على ازدهار حضارته و رقيها كما هما.
و من كل هذا نرى أن تتبع الأمثلة الواقعية للأمم الأخرى من حولنا من أهم الأمور فى مسيرة البعث والنهضة لأمتنا، و من أكثر الأمور حيويةً و أهميةً لها، و فى هذا العصر هناك بعض الأمم التى حققت نجاحاتٍ رائعة فى مسيرة النهضة و الرقى، و سيراً على منهاج التقصي و التتبع العاقل لحياة الحضارات فسنأخذ مثالاً نعرضه باختصارٍ لأن ظروفه تختلف عن ظروف أمتنا، و لكن نورده ها هنا لإثبات أن العزيمة الصادقة كافيةٌ لأن تحقق للأمم أهدافها ومساعيها مهما كانت العقبات.
و المثال الذي سنعرضه هو للإتحاد الأوروبى الذى تكون منذ سنواتٍ قليلةٍ فى عصرنا هذا.

الاتحاد الأوروبى:
إذا ما تتبع أحد عقلاء أبناء آدم من غير المسلمين تاريخ تطور الإتحاد الأوروبي حتى وصوله إلى ما هو عليه اليوم، فسوف يحس بإعجابٍ بلا حدود تجاه ذلك الجهد الدءوب الصادق الذي توج فى النهاية بإعلان انضمام معظم دول أوروبا تحت راية ذلك الاتحاد، و عن تهافت عددٍ آخر من الدول لدخوله و هو الذي صار صوت أوروبا و يدها الموحدين.
و أقول من غير المسلمين نظراً لأن المسلم فى هذا العصر سينتهج نهجا من اثنين تجاه ذلك التاريخ المشرف للاتحاد الأوروبي، أولهما أن يلقى الأمر عن باله تماماً غير عابىءٍ به شأن معظم مسلمى هذه الأيام الذين لا يأبهون لشيء و لا يهتمون بأمر، كجزءٍ من حالة التبلد واللامبالاة السائدة فى أرض الإسلام، و التى أصبحت بكل أسفٍ القاسم المشترك الأعظم بينهم.
أما ثانيهما فالإحساس بمرارة تطوق إعجابه بذلك النجاح المبهر لأممٍ صممت على الإتحاد بخطوات متمهلة ونجحت فيه، و ليس مصدر هذه المرارة إلا فشلنا - نحن أمة الإسلام - حتى اليوم فى صنع كيانٍ موحدٍ لوطننا المشرذم و المتقطع الأوصال رغم ما بيننا من روابط ضخمة ! 
و العجيب فى أمرنا أننا نمتلك من الروابط  ما هو أضخم آلاف المرات من الروابط التى جمعت بين شعوب القارة الأوروبية، فنحن أمةً واحدةً يفترض أن يسرى فى عقولها و كياناتها ذات الفكر و الهدف و المنهج، و لنا تاريخً مشتركً يمتد إلى جذور الجذور، و لنا ذات الثقافة و اللغة، بل و الأدهى أن أغلبية المتبقين ممن يسكنون ديار الإسلام و لا ينتمون إليه ينتمون إلى دين واحد آخر هو النصرانية، بما يجعل التجانس الديني في واحدةٍ من أعلي درجاته في ديار الإسلام (علي الرغم من وجود اختلافات مذهبية بين النصارى إلا أن قلة عدد تلك المذاهب و تركزها في ثلاث ملل أو أربع -أشهرها الإنجيليين و الكاثوليك و الأرثوذوكس- يقوي الضم ككتلةٍ واحدة).
أما شعوب أوروبا فليس لها تاريخٌ كتاريخنا و لغاتها المختلفة خير شاهدٍ على هذا، أما الثقافة فقل عنها و لا حرج، فإذا كانت لكل أمةٍ منهم لغةٌ تختلف عن بقية اللغات تماماً و لا تلتقي معها إلا فى جذورٍ غابرة فإن ما ترتب على ذلك (و على عوامل أخرى) هو أن لكل دولةٍ وأمةٍ منهم ثقافةً ذاتيةً تختلف عن باقي الثقافات، و علي الرغم من وجود أسسٍ مشتركة بين تلك الثقافات إلا أنها واضحة التمايز و التباين.
لكن العجيب أنهم حاولوا أن يجعلوا من اختلافاتهم اللغوية و الثقافية و الفكرية هذه مصدر ثراءٍ و قوة، نظراً لأن التنوع داخل الكيان الواحد فى الفكر والثقافة يعطى هذا الكيان قابلية لأن يعيش فترةً أكبر من الزمن، و أن تكون حياته مليئةً بالإنجازات فى مختلف دروب الحياة والفكر الإنساني.
أما نحن فقد جعلنا من اختلافاتنا الفكرية (التى يمكن أن تثرى وطننا الأعظم بفكرٍ كالشلالات لا ينقطع) مصدر تمزقٍ و عداء، و صارت لغتنا الواحدة أفضل سلاحٍ لتوجيه أشنع السباب إلى بعضنا البعض، أما الدين الواحد الذي يجمعنا و يعطينا الهدف و المنهج فلم نلبث كأي أمةٍ متخلفةٍ ذات دينٍ سماويٍ كرمها به الله (عز وجل) أن نحيناه جانباً واستبدلنا به نعراتٍ عرقيةٍ و حدوديةٍ لا تسمن و لا تغنى من جوع، وصار الحديث عنه أمام الآخرين حديث دفاعٍ عن عورة لا حديث افتخار بنعمة !
و من المفارقات الأخرى أن تاريخ اقتتالنا الداخلي الذي يخيم على الأمم الضخمة فى لحظات انكسارها و تدهور حضارتها لا يقارن بتاريخ الاقتتال الداخلي بين أمم أوروبا التى أذاقت بعضها صنوف الويل ألواناً وألوانا، و جعلت العالم كله يذوقه فى فتراتٍ أخرى كالحروب الصليبية التى قادتها جيوش أوروبا المتخلفة الفقيرة (عندئذٍ) ضد الحضارة الإسلامية الزاهرة (وقتها)، و كذلك الحربين العالميتين و تاريخ الاستعمار الأوروبي البغيض الذي طال العالم كله و دمر أمماً وشعوباً ليس لها من ذنب.
و لأننا لن نجن شيئاً من الاجترار المرير لأفكارٍ لن تهدينا للحل، فإن أفضل ما يمكننا فعله الآن فى وضع كوضعنا هذا أن نرى التجارب الناجحة التى استطاعت خلالها الأمم التى صممت على الاتحاد و التآزر أن تنجح فى مسعاها، و أن يكلل جهدها بنجاحٍ صار العالم كله يحسدهم عليه ويتمناه لنفسه.

يُتبع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.