الأربعاء، 16 نوفمبر، 2011

اتحاد، و اتحاد 2

الغريب فى أمر الاتحاد الأوروبي أن أول دعوى لقيامه و التى كان صاحبها السياسي الفرنسي "جان مونيه" كانت فى عام 1951، فى وقتٍ لم تكن أوروبا فيه قد لملمت كافة جراحها من الحربين العالميتين اللتين مزقتا أمم العالم الكبرى شر ممزق، و أذاقت صغارها ويلاتٍ و ويلات، لكن الدعوة لاقت صداها لأنها لم تكن دعوةً إلى اتحاد فجائي ليس له أساسٌ أو تمهيد (كما حدث مع الوحدة المصرية-السورية).
و كانت الدعوة فى البداية إلى توحيد الدول الأوروبية الديموقراطية فى المجالين الافتصادي والسياسي، فتم إبرام معاهدة باريس عام 1951 بين عدد من الدول الأوروبية هي بلجيكا و فرنسا و إيطاليا و لوكسمبورج و هولندا و ألمانيا الغربية (أيام تقسيم ألمانيا إلى شرقيةٍ و غربية)، و كانت المعاهدة تنص على إنشاء مجموعة الفحم و الصلب الأوروبية و التى كانت نموذجاً للتعاون فى إنتاج و تجارة الفحم و الصلب و خام الحديد و الحديد الخردة، و كان نتاج هذا أن أزيلت جميع الحواجز التجارية بين البلدان الستة فى هذه المنتجات، و تم السماح للعاملين فى الفحم و كذلك الصلب بالعمل فى أية دولةٍ منها دون قيود اعتبارا من عام .1952
و قد أدت هذه المجموعة إلى إرساء قواعد أولى المؤسسات الحكومية الدولية فى أوروبا، و قامت كل دولةٍ من الست المشتركة فيها بنقل صلاحياتٍ مهمةٍ إليها، ونظراً لأن ذلك التعاون المشترك بين هذه الدول قد أدى إلى نجاحٍ مطمئنٍ فقد تم توسيع التعاون القائم بينها بإبرام اتفاقيات روما عام 1957، مما أدى إلى إنشاء المجموعة الأوروبية للطاقة الذرية والمجموعة الاقتصادية الأوروبية.
و بازدياد ذلك التعاون اندمجت المجموعات الثلاث السابقة لتكون "المجموعة الأوروبية" أو "الجماعة الأوروبية" فى العام 1967 لتشكل النواة الحقيقة للاتحاد، و عندما حل صيف منتصف عام 1968 تضاعف حجم التجارة بين هذه الدول و ارتفع مستوى معيشة سكانها نظراً لقرارها إلغاء التعريفات الجمركية فيما بينها، ثم خلال فترة السبعينيات نجحت تلك البلاد فى تحديد أسعار صرف عملاتها و التوفيق بينها حتى استطاعت فى النهاية إنشاء النظام النقدي الأوروبي عام 1979.
و نظراً لذلك النجاح الافتصادي الضخم الذي حققته هذه الدول الست فى المجموعة الأوروبية فقد انضمت الدول الأوروبية إلى المجموعة تباعاً لتحصل لنفسها على نصيبٍ من ذلك النجاح، فانضمت الدنمارك و أيرلندا و المملكة المتحدة (بريطانيا) فى عام 1973، ثم انضمت اليونان فى عام 1981، و البرتغال و إسبانيا عام 1986.
أما السوق الأوروبية المشتركة فقد كان حظها سيئاً بعض الشيء؛ إذ لم تكتمل شرعيتها إلا عام 1987 حينما وقعت الاثنتا عشر دولة التى كونت المجموعة (حتى ذلك الوقت) على مشروع " قانون أوروبا الموحد "، و الذي نص على إلغاء كافة القيود الجمركية و معظم الحواجز الأخرى و التى تمنع أو تعوق حرية انتقال السلع و الخدمات و رأس المال و العمل بين دول المجموعة، و بدأ تنفيذ هذا القانون فى أول يناير عام 1993.
و كانت الخطوة الكبرى و المرحلة الأهم فى حياة الاتحاد الأوروبي توقيع الدول الإثني عشر على معاهدة "ماستريخت" فى هولندا فى الحادي عشر من ديسمبر عام 1991، و قد تم التوقيع على معاهدة قيام الاتحاد الأوروبي و معاهدة قيام الاتحاد الافتصادي و النقدي و اللتان أصبحتا ساريتا المفعول بدايةً من أول يناير 1993، و قد وقعت السويد و فنلندا و النمسا على المعاهدة فى عام 1995، و تعد أهم ما نصت عليه المعاهدةُ: الوحدةُ الاقتصادية و المالية بين دول المجموعة، بحيث تكون لها عملةٌ موحدةٌ هي اليورو (و التى صارت ذات قوةٍ كبيرةٍ فى كافة أو معظم أسواق العالم، و اسم العملة مأخوذ من المقطع الأول من اسم أوروبا باللغات الأوروبية).
و يقوم الاتحاد الأوروبي على عدة هيئاتٍ رئاسية، هي: مجلس الوزراء الذي يعقد اجتماعاته فى بروكسل ببلجيكا، و هو لا يقترح إصدار تشريعات أو قوانين بل يوافق عليها أو يرفضها بأغلبية 62 من 87 و التى تقدم إليه كاقتراحات من الدول الأعضاء، أما مجلس أوروبا "القمة" فيستخدم لوصف اجتماعات رؤساء الدول و رؤساء اللجنة، و اللجنة الأوروبية هي الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي و الإدارية كذلك، و غاية هدفها متابعة تنفيذ قرارات المجلس الوزاري، أما البرلمان الأوروبي فهو هيئةٌ استشاريةٌ فى المقام الأول، و ينحصر عمله فى مناقشة القرارات و المقترحات و تقديم المشورة إلى اللجنة والمجلس.
و إلى جانب هذه الأجهزة الرئاسية توجد محكمة العدل الأوروبية و هي المحكمة العليا للاتحاد، و هيئة مراجعي الحسابات، و اللجنة الاقتصادية و الاجتماعية، و لجنة الممثلين الدائمين للدول الأعضاء، و لجنة الأقاليم، و بنك الاستثمار الأوروبي *.

من كل ما سبق يبدو من الواضح أن الدول الأوروبية لن تقنع بأقل من الريادة التامة للعالم، باتحادها الذي فاق نجاحه كل التصورات، و لكن الغريب بالنسبة لنا نحن المسلمين بالذات أن هذا الاتحاد الضخم لم يقم على أساس من مركزية القرار بين من اشتركوا فى إنشائه، بل على العكس كانت الدول الأوروبية تناقش كل مسألةٍ من مسائل الاتحاد جيداً فى جوٍ من الندية و المشاركة لا التسلط و القيادة المفردة من جانب دولة واحدة لبقية الدول.
و هو ما يعيد إلى أذهاننا أول الخلافات التى نتوقع قيامها إذا ما فكرنا فى إنشاء مثل هذا الاتحاد، و الذي سيكون بكل تأكيدٍ عن الدولة التى سوف تمسك فى يدها بمقاليد الأمور، و التى –كعادتنا فى هذه الأيام– سنلقى عليها بالأمر كله، و سنطلب منها القيام بكل شيء، و ربما غنينا لها "اخترناه اخترناه و احنا معاه لما شاء الله".
فمن أشد المصائب التى ابتلينا بها أنفسنا: أننا نتصارع دوماً على القيادة المنفردة و على الرئاسة المطلقة، دون النظر إلى ما وراء ذلك من مسئولياتٍ جسام، بل و دون أن نرى عيوب القيادة المنفردة، رغم ما واجهناه بسببها فيما مضى و الذي استمر معنا أثره إلى الآن.
فالحكم الشمولي الذي ما زالت معظم أوطاننا تعانى منه و من سدنته إلى الآن لا يعطى الأغلبية الساحقة ممن يعيشون تحت بنائه أي فرصةٍ لتقرير المصير الذاتي، بل يحكم عليهم بالتقولب و التشكل تبعاً لإرادة الحاكم المطلق، و هو ما لا يجارى سنة الحياة التى جرت أمورها منذ القدم على اعتبار كل إنسان حالةً متفردةً لا تتكرر، لها الحق كل الحق فى أن تختار لنفسها بحريةٍ تامة كل الاختيارات الخاصة، و أن تشارك بكل حريةٍ فى اختيار القرارات العامة (و غنيٌ عن الذكر عدمُ الحيدة عن الثابت من القوانين الربانية واجبة الاتباع).
و رغم أننا نعيش فى معظم بلادنا فى هذه الأيام فى استقلالٍ عن الأمم التى كانت تحتلنا من قبل (حتى و إن كان فى معظم أوطاننا استقلالاً شكلياً فقطإلا أننا لم نرى مثل هذه الحرية إلا فى أضيق الظروف، و فى أحيانٍ كثيرةٍ لا ننتبه إليها فى الأصل فى ظل المعاناة اليومية من أجل لقمة العيش فى أغلبية أراضينا !
و بين كل هذه الهموم التى تكبلنا لا يمكن لنا أن نتوقع قيام مثل ذلك الاتحاد بيننا، و السبيل الوحيد لذلك هو تلافى العيوب التى تعرقل نجاحنا، و كذلك أن نتحلى ببعضٍ من ضعف الذاكرة و ننسى ما بيننا من ضغائن وأحقاد، ففي مثل هذه الأيام يكون ضعف الذاكرة واجبا.
كما يجب علينا أن نعلم أن الاتحاد الذي نريده بيننا ليس مجرد لم شمل إخوةٍ فرقت الظروف بينهم لكي ينشئوا بيت عائلتهم (كما يقول القرويون) من جديد، بل هو ضرورةٌ تفرضها علينا ظروف الأمس و اليوم، و يصير من غير الموضوعية بل و من البلاهة أن نهمل كل ذلك فى سبيل انفرادٍ أحمق عن الكيان الأكبر. 
و ختاماً فإذا كنا لا نقيم لما بيننا من أخوةٍ وزناً فلست أشك أننا سنقيم لحياتنا و أرواحنا كل الوزن،  و لست أشك فى أن هذا سيدفعنا إلى إنشاء وطننا الأعظم و إن كان بدافع من المصلحة لا الحب والأخوة كما يجب.
------------------------------------------------------------
* اعتمدت في كل البيانات و الأرقام التي نقلتها علي موسوعة جميلةٍ للغاية، لكني بكل أسفٍ لم أحتفظ باسمها في تلك الأيام !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.