الأربعاء، 9 نوفمبر، 2011

الزمن الجميل و و لاد الـ....

قصة قصيرة.



 " نمرة واحد لو سمحت "


هز الفتى الحلاق رأسه و ابتسامةٌ لطيفةٌ تزين شفتيه، و شرع فى العمل من دون كلامٍ على الإطلاق ! و إنها و ربى لأول مرةٍ لى أقابل فيها حلاقاً لا يملأ الدنيا بحديثه و تحليلاته العسكرية و الفنية و الفكرية، إلى آخر ما تنجبه قريحته الولود.

" يا سلام على أيام زمان، هو فيه زيها.. كان كل واحد عارف مقامه كويس و مفيش حد يتعدى حدوده "

استرعت كلمات الرجل الذى كان يجلس على الأريكة خلفى انتباهى، على حين أكمل هو حديثه إلى الرجل الآخر الذى أنصت له تماماً.

" كان الباشا من دول خيره مغرق الدنيا كلها، اللى كان بيبنى مدارس و مستشفيات و اللى كان بيرعى أيتام و مسنين و اللى و اللى .."

و تنهد و قال فى حسرةٍ واضحة :

" فين هما دلوقتى الناس الكمل دول؟.. "

رد الرجل المجاور له على الأريكة و هو يمط شفتيه متألماً :

" راحت أيامهم خلاص، الأيام دى أيام اللى مش لاقى ياكل و مع كدا يتسيد عليك علشان معاه شهادة عالية "

و بصق على الأرض فى بغضٍ واضحٍ ليكمل :

" كان زمان الفلاح بيزرع و يقلع و يموت فى بلدهم، دلوقتى تلقاهم فى كل حتة مرميين كل اللى فالحين فيه إن الواحد فيهم يملا المنشة الصبح بدرى عيش جاهز بدل ما يخبزوا لنفسهم "

بدا لى واضحاً أن شيئاً ما خطأٌ فى الأمور؛ إذ أن السيدين الوقورين على ما يبدوا يعيشان فى زمنٍ غير الزمن، و رغم ذلك واصلت الاستماع إليهم و أنا أحاول مخلصاً أن أفهم عن أى الأزمنة يتحدثون.


" بلاش السوالف من فضلك "

" حاضر "


مسح الأول قرعته بمنديله من العرق الغزيرالذى غطاها، و قال بقرفٍ و هو يدس المنديل فى جيبه:

" و لا ولاد الـ..... اللى كانوا مستخبيين فى جحورهم زمان و دلوقتى مش لا قيين حد يلمهم "

ضم الآخر قبضته و هزها بعنفٍ معقباً :

" زمان كان فيه كرباج يعلمهم الأدب و لما كان الباشا من دول ينادى يا عثمان كانت كل جرابيع البلد تستخبى فى جحورها و هى بتترعش "

ثم خفض يده و هو يهز رأسه يمنةً و يسرةً من فرط اللوعة :

" بس تقول إيه هى كدا الدنيا بت ......... لازم تقلب كل شوية "

نظرت أنا إلى الفتى الحلاق لكى أفهم من تعبيرات وجهه عم يتحدث هؤلاء، إلا أننى فوجئت به لا يلقى إليهم بالاً و يبدو مستغرقاً تماماً فى قص شعرى باحترافيةٍ واضحة.


" ياريت تخلى الشعر كله مستوى واحد لو سمحت "

" حاضر "


عدت بناظرى إلى الرجلين و أنا أرهف سمعى أكثر، فرأيت الرجلين يدخنان سيجارتين بنهمٍ واضحٍ بدا و كأنه تنفيسٌ عما بداخلهما تجاه الدنيا بنت الـ....

" بالمناسبة شفت الواد طاهر اليومين دول؟..."

" لا و الله ما شفتوش بقالى أسبوع "

و شد نفساً عميقاً و قال و هو ينظر إلى طرف سيجارته المشتعل، ثم يدير ناظريه إلى صاحبه:

" يا عم سيبك منه، لو معاك مصلحة متعتمدش عليه دا واد خرع قوى و ما بيسدش فى شغلانة "

" ماكنش دا كلامك يعنى لما سألك عليه الواد عبده من يومين "

ضحك حتى ظهرت لى أسنانه الصفراء الكريهة بوضوح، ثم قال من بين سعاله الضاحك:

" أصل الواد عبده دا ابن حرام و يستاهل إنه يقع فى واحد زى طاهر علشان يطلع عليه كل ذنوبه فى الدنيا "

شاركه الآخر الضحك، ثم قال و هو يميل على صاحبه:

" ألا هو صحيح الكلام اللى بنسمعه على عيلتهم دا "

نفث ذاك دخانه و قال و ابتسامةٌ ساخرةٌ ترتسم على شفتيه:

" و هو اللى بنسمعه عليهم دا ييجى حاجة فى اللى بيحصل فعلاً يا عم "

ثم مال إلى الوراء و قال :

" دا أنا مشفتش حد يقدر يعمل حاجة من اللى هما متعودين يعملوها على طول مرتين اتنين على بعض "

و اقترب أكثر من جليسه مكملاً:

" يا ابنى دى أقل حاجة بيعملوها تخليهم ميعرفوش مين ابن مين فى البيت "

تصنع الآخر التعجب، و قال و عيناه تقسمان أنه يكاد يموت شوقاً ليخوض صاحبه فى عرض الرجل:

" يا راجل متقولش كدا حرام عليك "

ضحك زميله و أجابه:

" دا انت اللى حرام عليك.. انت عايش فين يا ابنى دى كل الناس عارفة الكلام دا و أكتر منه "

ثم استدار إليه بجسده كاملاً و أردف :

" شوف بقا يا سيدى : دول كل يوم بيـ............................. و لما حد يـ........... بيـ.......، و ياريت جات على كده و بس دا الواد عادل ابن أخت طاهر كان ............... و ............ بعد الـ........................ و أحياناً.................... و كمان ......."

اتسعت عيناى و أنا أسمع ما قاله و عقلى لا يكاد يستوعبه من هوله، و نقلت عيناى إلى الفتى الحلاق فوجدته لا يعيرهم أدنى اهتمام و كأنه لم يسمع أى شئٍ مما قيل، فحاولت أنا أن أتصنع الغباء و أمثِّل أننى لم أنتبه لشيئٍ منه بدورى.

و بعد أن تصاعدت ضحكاتهما للحظات على ما قيل عن الغافل المسكين المدعو طاهر، رأيت الأول صاحب الحديث الشائن يقول وهو يتمم على حاجياته التى فى جيوبه:

" و الله الكلام معاك ما يتشبعش منه خالص بس أعمل إيه لازم أمشى دلوقتى علشان أخلص شوية مصالح "

ثم قام من على كرسيه و قال و هو يقبل صاحبه:

" تؤمرنى بأى حاجة يا باشا؟..."

" الله يكرمك يا عم متنساش ترن على بكرة هه....مع السلامة.. "

تابعت الرجل و هو يغادر بناظرى، ثم مالبثت أن تنهدت فى راحةٍ و أنا أحمد الله أن أراحنى من حديثهما ذاك، و تطلعت إلى الفتى الصامت بحبٍ ولَّده فى نفسى صمته الغريب و حديثهما اللعين.

" يلعن أبوك ابن ......شوف يا أخى كان بيتكلم على الراجل إزاى رغم إنه قدامه يعمل إنه حبيبه قوى "

قالها الجالس خلفاًً و هو ينظر إلى مما يعنى أنه يحادثنى أنا بالذات، فكدت من فرط المفاجأة أن أفر هارباً، إلا أننى تماسكت بصعوبةٍ بالغةٍ و قلت بحلقٍ جافٍ للغاية:

" هو مين دا "

" ابن الـ.....اللى كان مجعوص هنا "

و بصق على الأرض فى بغضٍ واضحٍ ليكمل:

" دا واد أعوذ بالله منه ميعرفش ربنا و....."

و قبل أن يكمل كلامه الذى طحننى من المفاجأة كنت أدير عيناى إلى الفتى الحلاق و أسأله فى ضراعةٍ متعجلة:

" مش خلاص بقى "

رفع الفتى يده و ابتسم و كأنه قد عاين هذا الموقف من قبل و يعلم ما أحس به:

" كدا تمام "

و بسرعة من يفر من الأسد كنت قد أخرجت النقود، و دسستها فى يد الفتى، و طرت إلى الشارع المزدحم بالناس، و لمحت بطرف عينى صاحبنا المتأسف على الزمن الجميل و هو يضرب كفاً بكف، ثم يبصق على الأرض فى بغضٍ واضحٍ و هو يحدث الفتى الصموت عن ولاد الـ... الذين لا يحترمون أحداً لأنهم .... بل ..... و....

هناك تعليقان (2):

  1. جامدة يا بوب , اهو اكتر ناس بكرهم هما اللى معاك يبقوا حبايبك و لما تديهم ضهرك يتكلموا اسوء الكام عليك

    ردحذف
  2. ربنا يبعدنا عنهم يا صاحبي.
    و ابقي كرر الزيارة ^_^

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.