الأربعاء، 9 نوفمبر، 2011

عربة أجرة.

قصة قصيرة.
 
رمقت الزحام الشديد للعربات باختلاف أنواعها في ذلك الشارع القاهري بشغفٍ حقيقي، كانت نشوة الليل البارد تملأ مشاعري و تثريها بالنشاط الذي يدفعك للحركة لمجرد الحركة و كأنها في حد ذاتها هدفٌ يُسعى إليه.
و بعد الشروع عدة مراتٍ في عبور الطريق إلى الناحية الأخرى ثم النكوص على العقبين، مرقت بسرعةٍ عبر تلك الفجوة التي لاحت لي في ذلك الطابور الطويل بلا نهايةٍ من العربات، ثم أشرت مراتٍ متعاقبةٍ لكل سيارة أجرة قادمةٍ نحوى بلا جدوى، حتى توقفت إحدى السيارات في النهاية.
" مستشفى الحياة ؟"
فكر السائق بعض الشيء بعد أن سمع تساؤلي، و بدا لي أنه سيهز رأسه رافضاً ثم يمضى لحال سبيله، إلا أنه أشار لي بالولوج إلى السيارة فولجتها و أنا أتنهد بارتياح، و لثوان عدة ساد الصمت السيارة التي سارت بسرعةٍ متمهلةٍ في الطرق المزدحمة، و كدت أغرق في بحر التأمل المعهود لكل ما تمر به العربة لولا ذلك النفير المزعج المتواصل الذي أطلقته السيارة التي تسير خلفنا مباشرة.
" وكأنني أرغب في السير هكذا أو أنني أحبه فعلاً !"
هكذا غمغم سائق السيارة و هو يعدل من وضعية المرآة المعلقة في السيارة، ثم يعاود التطلع إلى الطريق من جديد، فرددت أنا على سبيل تزجية الوقت بالحديث حتى أصل إلى وجهتي:
" لا عليك، الناس يحسون بالاختناق من هذا الزحام المبالغ فيه فيتصرفون بعصبيةٍ و دون وعى "
هز السائق رأسه رافضاً و هو ينحرف بالسيارة ناحية اليمين، قائلاً في هدوء:
" على الإطلاق، كل ما هنالك أن الناس لا يرضون بأي شيءٍ و بأيٍ حال، فمن يسير على قدميه لا يعجبه السير مترجلاً، و من يركب السيارة لا تعجبه ماركة سيارته، و من يركب أحدث السيارات لا يعجبه ثمن سيارته و هكذا."
ثم أكمل و هو ينحرف يساراً:
" وكل هذا لأنهم لا يرضون بقسمة الله وقضائه "
قلت و قد أعجبني في الرجل إيمانه الشديد:
" و لكن مع هذا يجب أن نلتمس لهم بعض العذر في عصبيتهم على الأقل؛ فمن يواجه حياةً كتلك التي نعيشها في هذا الزمن لابد و أن يتحول إلى كتلةٍ من الأعصاب المحترقة "
هز رأسه ثانيةً بذات الهدوء الرافض:
" صدقني حينما أخبرك أن الحياة ليست معقدةً إلى هذه الدرجة، تخيل معي لو أنك استيقظت صباحاً مبتهج النفس آملاً لكي تعيش يوماً جيداً، و قد قررت أن تخفف عمن حولك على قدر استطاعتك و قد قرروا هم أن يخففوا عنك قدر استطاعتهم ، تخيل ماذا سيحدث.
بالطبع سوف تجد أن الحياة أفضل آلاف المرات عما هي عليه حالياً مهما كانت الأمور الخارجية تسير إلى الأسوأ، بالتأكيد سوف نعانى بعض الشيء و لكنها المعاناة البسيطة التي تجعل المستهتر يقدر قيمة الأشياء من حوله."
صمتُّ ثوانٍ أفكر في كلامه فوجدته على حقٍ في كل ما قال، غير أنه استمر بعد ذلك في كلامه فأنصتُّ له جيداً:
" لو أن صاحب السلعة التي تستحق أن تباع بعشرة جنيهات و التي ارتفع ثمنها إلى عشرين جنيهاً اتقى الله في الناس وباعها باثنتي عشر جنيهاً، و لو أن صاحب الخدمة التي تستحق أن تقدم مقابل خمس جنيهات و التي يفرض الوضع الحالي على الراغب فيها أن يدفع مقابلها عشر جنيهات قدمها مقابل سبع جنيهات لهان الأمر كثيراً و لما صارت الأمور إلى هذا الوضع المزري."
بدت لي كلماته مقنعةً للغاية و أردت أن أواصل الحديث معه، إلا أنني لمحت المستشفى تبدو من بعيد، و ما هي إلا لحظاتٍ حتى كنت قد ترجلت من العربة التي توقفت أمام المستشفى تماماً.
" كم تطلب يا سيدي؟."
" ما تدفعه أياً كان مقبولٌ منك ."
ابتسمت في حياءٍ و أنا أقول:
" معذرةً و لكنني لا أدرى ما هي الأجرة بالضبط، لذا أرجوك أن تخبرني بها "
و هنا و للمحةٍ بسيطةٍ رأيت تلك النظرة التي لن أنساها أبداً، و التي اختفت ليقول بعدها السائق بكل بساطة:
" عشر جنيهات تكفى "
و لثوانٍ لم أصدق؛ أبعد كل هذه المحاضرة وكل ذلك الإيمان والوقار يحدث هذا ؟!..، لقد كانت أقصى أجرةٍ تُدفع في توصيلةٍ كهذه خمسة جنيهات (هذا إذا ما كان السائق ذا رأسٍ صلبٍ لا يقبل المجادلة) لكن السائق المؤمن القنوع طلب الضعف بكل هدوء أعصاب !.
و بيدٍ مرتجفةٍ أخرجت العشرة جنيهات و مددتها له ليأخذها بنفس البساطة، و تابعت العربة بنظري و هى تبتعد عنى، ثم بدأ الهدوء يعود إلى رويداً رويداً، و لم تمض دقائقٌ قليلةٌ حتى أطلقت ضحكةً طويلةً للغاية وسط دهشة واستنكار من حولي.

هناك 3 تعليقات:

  1. للأسف القصة مستوحاةٌ من واقعةٍ حقيقيةٍ حدثت لي ^_^

    ردحذف
  2. ههههههههههه حسبي الله ونعم الوكيل ...بس حضرتك مش ممكن تكون الوصله تستاهل 15 جنيه وهو قال 10 ؟؟؟ ههههههههه الله المستعان.

    ردحذف
  3. للأسف الناس التانية أكدوا لي إنه أخد ضعف حقه أو أكتر ^_^
    يلا ربنا يسامحه ^_^

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.