السبت، 12 نوفمبر، 2011

عن ترجمة الفردوس المفقود

ترجمةد.محمد عناني لملحمة الشاعر الإنجليزي العملاق: جون  ملتون .

حينما وصل ذلك الكتاب إلى يدي أول مرة لم يكن يخطر ببالي أن هذا الكتاب الذي لم يثر فى نفسي سوى الإحساس ببعض الفضول شأن أي كتاب آخر يصل إلى يدي  سيؤثر فى كل هذا التأثير، وأنه سيستحوذ على إعجابي بتلك الطريقة التى أحسست بها بعد ذلك حينما جاور الكتاب بقية إخوانه القليلين من كتب مكتبتي الصغيرة (المكتبة الورقية بالطبع).

إن العجيب فى هذا الكتاب أن مقدمته بل و حواشيه قد أفاداني أكثر من متن الكتاب نفسه، فى مفارقةٍ لا يمكن هضمها بسهولة لمن لا يعلم أن هذا الكتاب ما هو إلا ترجمةٌ للجزئين الأول و الثاني من ملحمة الشاعر الإنجليزي جون ملتون، تلك الملحمة التي كتب فيها لتصوره لما حدث قديماً من عصيان إبليس اللعين لله تعالي و ما تلي هذا من أحداث بصورة شعرية صرفة، و بالطبع فهو تصورٌ يضاد تماماً العقيدة الإسلامية و لذا فلا محل للملحمة في قلبي أو عقلي، كما أنني لا أهوي الشعر غير العربي فانتفي أيضاً جانب الإعجاب بالفصاحة و القوة اللغوية للشعر نفسه.

و الحق أن المترجم د. محمد عناني قد كتب مقدمة رائعة تبين بإيجاز ووضوح السيرة الذاتية لمؤلف الملحمة الشاعر جون ملتون، بل و ما يمكننا أن نطلق عليه السيرة الذاتية للمجتمع الإنجليزي كله فى تلك الفترة العصيبة من تاريخه و التى كتب فيها ذلك الشاعر الإنجليزي العملاق ملحمته الضخمة.

بل و لم يقتصر المترجم على هذا، فتطرق في مقدمةٍ في غاية الإيجاز و الشمولية إلي شرح الفكرة الصحيحة وراء كلمة ملحمة فى الآداب التى عرفت هذا النوع من الشعر، وهو ما ستجد معه المتعة كل المتعة كلما قرأت شرح المترجم له؛ لأنه بأسلوبه السلس يقدم لك شرحاً ممتعاً غنياً.

وفى الكتاب الذي يحتل مكانةً متميزةً فى مكتبتي قدم المترجم الجزأين الأول والثاني من الملحمة الشعرية التى تحتل أحداثها مساحة إثنى عشر جزءاً، وهو ما قصد الشاعر جون ملتون منه مجاراة الملاحم الكلاسيكية القديمة فى عدد أجزائها. 
ولعل أفضل ما فعله المترجم أنه عندما ترجم هذه الملحمة لم يترجمها إلى الشعر العمودي بل ترجمها إلى ما أطلق عليه أنا (النثر الشعري)، أو ما يطلق عليه كثير من أدبائنا الشعر الحر (وهو ما أختلف معهم فيه كل الاختلاف) لكن هذا ليس مجال المناقشة فى هذه القضية.

و أنا رغم أنى فى الأعم الأغلب أعزف عن قراءة ما يسمونه قصائد الشعر الحر أو ما أسميه قطع النثر الشعري التى أجدها فى الكتب وأرفض أن أشترى دواوينها، إلا أنني أسجل إعجابي بهذه النقطة الهامة فى الترجمة، إذ أن الشعر العمودي قد يكلف الكاتب بما فوق طاقته و يجهده فى إيجاد اللفظ المناسب للمعنى و المتمشي مع القافية و هو أمرٌ جد عسير، مما يفقد تلك الترجمات الكثير من بريق الأصل و جماله هذا إن لم يذهب به كله.

أما النثر الشعري فيتيح للمترجم أن يضع اللفظ المناسب فى مكانه الملائم له والذي يحتاجه بالذات دون سواه من بقية المترادفات أو قريبات المعنى، بدون تحرج أو التفاف، فتخرج الترجمة حاملة من بهاء الأصل و جاذبيته ما يتناسب مع مقدرة كل مترجم وبراعته، و المترجم فى هذا الكتاب قد استطاع بكل اقتدار بحسب ظني نقل أكثرية بهاء الملحمة الأصل، هذا مع الأخذ فى الحسبان أن للأصل بهاءً لا يقارن و لا يضاهى مهما كانت براعة المترجم و مهما كان تمكنه من أدواته و موهبته.

و نحن إذا ما جمعنا آراءنا فى المقدمة بشمولها الثرى، و الترجمة وأسلوبها الموفق فسنجد أننا أمام ترجمةٍ تستحق أن تحتل مكانةً متميزةً بين أصناف الوجبة الثقافية التى تغذى عقولنا و تنمى حسنا الأدبي المرهف.

المؤلف: جون ملتون 
(عن مقدمة الكتاب بتصرف)

ولد عام 1608م فى لندن، لأب حرمه والده من الميراث لتمرده على المذهب الكاثوليكي الذي يدين به الجد و هو ما اضطره إلى العمل لكسب الرزق ، واستقر على احتراف الموسيقى و تأليف الأغاني، و التى لاقت نجاحاً جماهيرياً لا بأس به.

و قد أولع الصغير جون ملتون بالآلات الموسيقية التى كانت بدارهم و التى هيأت المناخ الفني اللازم لتفتح مواهبه، كما أن والده كان قد نذره للأدب منذ صغره (على حد قول جون ملتون نفسهو فى الثانية عشرة دخل مدرسة "سانت بول" و بدأ مرحلة تعلم اللغات الأوروبية و أهمها بالنسبة لدارسي الأدب اللغة الإيطالية لغة عصر النهضة.

و عندما بلغ السادسة عشرة من عمره التحق بكلية "كرايست كولدج" فى كمبريدج، لكن الدراسة هناك لم تكن تلائمه بأي حال من الأحوال، إذ كانت تدور حول قدرة الطالب عن الدفاع عن القضية التى يطلب منه أستاذه الدفاع عنها متلاعباً بالأفكار والحجج مهما كانت آراؤه الشخصية، و هو ما لم يناسب جون و الذي اشتبك مع أساتذته منازعا أكثر من مرة حول هذا المنهج، لذا كان مكروها رغم  تفوقه فى الكتابة باللاتينية والإنجليزية و هو ما شهد به الجميع.

ثم انقطع للدراسة بعض الوقت حينما عاش مع والده فى قرية صغيرة بالريف هي قرية ( هورتون ) فى مقاطعة (بكنجهامشاير) ووضع لنفسه خطة عمل و درس تتضمن تاريخ العالم منذ البداية اعتمادا على ما كتبه الثقات فى هذا الموضوع.

و كان ينزع إلى التكامل فى اكتساب المعرفة، وقد استطاع إلى حدٍ كبيرٍ أن يحقق ذلك بعد ست سنوات قضاها فى قرية ( هوتورن )، فقد كتب قصيدة " الليجرو " وقصيدة " المفكر " ومسرحية " كوموس "وقصيدة رثاء لصديقه إدوارد كنج هي قصيدة " ليسيداس "، وبعدها وافق والده على إرساله فى رحلة إلى إيطاليا مارا بفرنسا وكان ذلك عام 1638م.

 و فى فرنسا قابل (هوجو جرونتيوس)  أحد كبار رجال القانون وتناقش معه فى أصول تطوير القانون الدولي ، لكن الأمور لم تكن تسير على ما يرام فى فرنسا فتركها إلى إيطاليا ، وهناك زار أهم مدن عصر النهضة ومنها فلورنسا ، حيث قابل جاليليو الذىكان قد فقد بصره وتحددت إقامته ، كما التقى برجال الجامعة وأهل العلم والأدب ...

ثم اتجه إلى نابولي ومنها إلى روما ، فلورنسا ، البندقية ، فيرونا ثم فى النهاية وصل إلى ميلانو والتى سمع فيها عن نشوب الحرب بين انجلترا واسكتلنده لمحاولة الملك شارل الأول فرض النظام الأسقفي الأنجليكانى على الكنيسة الاسكتلندية التى كانت تابعة للمذهب المشيخى فقرر أن يكون قريبا من تلك الأحداث الجسام وقرر العودة....

وعندما عاد استأجر لنفسه منزلا مستقلا وعمل بالتدريس ، وكان كثيرا ما يدعوا إلى المذهب الرواقي فى دروسه ، وهو ضبط النفس والتحرر من الإنفعالات المتطرفة وتحكيم العقل دون إفراط أو تفريط واتخاذ الإعتدال سبيلا فى كل شئ ...

وحينما بدأت حرب المنشورات بين المتناحرين حول جون اشترك هو الآخر فيها بنصيبه بداية من عام 1641م وكان أول كتيب له بعنوان " سبب حكم الكنيسة " ، وهكذا ساهم ملتون فى هذه المعركة الفكرية التى تحولت فيما بعد إلى معارك حربية طاحنة تشكلت فيها جيوش للبرلمان وجيوش ملكية ودارت رحاها على مدى سنوات طويلة ...

ثم تزوج ملتون من فتاة تدعى " مارى باول " والتى كانت أسرتها تناصر الملكية لذا لم تدم حياتهما فى البداية معا إلا شهرا ، أخذ بعدها فى الدفاع عن مبدأ الطلاق وهو ما فتح عليه أبوابا من الجحيم لم تسد إلا لعلاقته الجيدة بالبرلمان ..

وقد كان ملتون يشعر بسعادة غامرة لأمله فى حياة ملؤها الحرية و الخير والعدل نتيجة للحرب التى قامت بين الملك والبرلمان ، وقد أعرب عن أمله هذا فى كتيب له أصدره عام 1641م بعنوان " الإصلاح الديني ونظام الكنيسة فى بريطانيا " ، والجدير بالذكر أن هذا الأمل هو الذي أوحى إليه بفكرة الفردوس المفقود وكأن أمله فى الحياة الجديدة قد انعكس على الأمل فى استعادة الفردوس الذي ذهب فأنعشه وأعاده إلى الوجود.. لكن الملحمة صدرت بعد عودة الملكية فكانت ذات صبغة مأساوية ...

وقد فقد ملتون بصره تماما نتيجة لجهده الشديد فى الدفاع عن الجمهورية البريطانية ضد أعدائها ، وقد فقد نور إحدى عينيه عام 1649م ، ثم فقده تماما عام 1651م ، وبعد ذلك توفيت زوجته مارى تاركة له من البنات ثلاثة ، ونتيجة لكل ذلك قل نشاطه السياسي وقد أحس أنه قد أدى ما عليه فى الدفاع عن النظام الجمهوري ، ويمكننا أن نقول بصفة عامة أنه قد توقف عن كتابة النشرات العنيفة بعد عام 1655م..

وفى عام 1656م تزوج ثانية من امرأة كانت خير عون له فى حياته إلى أن توفيت عام 1658م أثناء الولادة كما توفى المولود أيضا ، وكان ذلك هو ذات العام الذي توفى فيه أوليفر كروميل الرئيس المهاب الذي انحدرت بعده أحوال الجمهورية إلى الفوضى فكانت المعاناة التى مر بها الشاعر العظيم شديدة لا يستطيع قلم وصفها ...

ولكي تكتمل فصول المأساة أصدر ملتون كتيبا عنوانه " الطريق الممهد السهل لإنشاء جمهورية حرة " عشية عودة النظام الملكي لبريطانيا ، ولن الشاعر لم يستسلم للأمر تماما فأعاد إصدار الكتاب فى طبعة ثانية يحذر فيها البرلمان من أن الملك لن يفي بوعوده التى قطعها على نفسه ...فثار عليه أنصار الملكية ليودع السجن ويظل به ثلاثة أشهر حتى خرج بالوساطة أواخر عام 1660م ( 15 ديسمبر ) ، وانقطع بعد ذلك للكتابة تماما...

وبعد عامين تزوج من ( إليزابث منشل ) التى تحملته مع بناته اللائى كن ينفذن معها طلباته وإن كانت أكبر من إمكانياتهن ، ومنها أنهن كن يقرأن له بلغات لا يجدنها ، وفى عام الطاعون ( 1665م ) انتقل إلى بيت أحد أصدقائه من أتباع مذهب الكويكرز فى الريف الإنجليزى حيث أكمل ملحمته ونشرها عام 1667م .. ومع بلوغه سن الستين ازداد نشاطه الأدبى فكتب عودة الفردوس المفقود وشمشون الجبار ونشرهما عام 1670م ...ثم وافته منيته فى نوفمبر عام 1674م هو يناهز السادسة والستين ..

تلخيص المترجم للجزء الأول :

يعرض الكتاب الأول بإيجاز فى البداية الموضوع بصفة عامة - أي عصيان الإنسان وما أدى إليه من فقد الفردوس الذي أنزل فيه - ثم يشير إلى السبب الأول لسقوطه أي الثعبان ، أو بالأحرى إبليس الذي تمثل بالثعبان ..وكان إبليس قد فسق وخرج على الله وضم إلى صفه كتائب كثيرة من الملائكة ..

فقضى أمر الله بطرده من الجنة مع رفاقه جميعا وإلقائهم فى الخضم العظيم ، وبعد التعرض لهذه الواقعة تسرع خطى القصيدة إلى منتصف الأحداث فتصور إبليس مع الملائكة من أتباعه الذين هبطوا فى الجحيم .. وأوصافها ليس باعتبارها قائمة فى مركز الأرض ( إذ يفترض أن السماء والأرض لم تخلقا بعد ، ولم تحل عليهما اللعنة بعد يقينا ) ولكن فى مكان يكتنفه الظلام الدامس حتى يمكن تسميته بالعماء وهنا يرقد إبليس وأتباعه من الملائكة على البحيرة الملتهبة ..

مصعوقين ومذهولين وبعد فترة ما يفيق كأنه عاد إليه صوابه وينادى من يرقد إلى جواره ويليه فى الرفعة والمنزلة فيتطارحان أمر سقوطهما المزري ، وبعدها يوقظ إبليس سائر كتائبه التى كانت ترقد حتى تلك اللحظة ذاهلة مثله ، وصف نهوضها وذكر أعدادها وتشكيلها القتالي ، أسماء أهم زعمائها ، وفقا للأصنام التى عرفتها فيما بعد أرض كنعان والبلدان المتاخمة لها..

ويوجه إبليس حديثه إلى هؤلاء فيواسيهم بأن الأمل قائم فى استعادة الجنة ويذكر لهم آخر الأمر أن إحدى النبوءات القديمة أو الشائعات التى تتردد فى الجنة تقول إن الله يوشك أن يخلق عالما جديدا ونوعا جديدا من المخلوقات ، إذ يذهب رأى الكثيرين من الآباء القدماء إلى أن الملائكة قد خلقوا قبل هذا العالم المرئي بوقت طويل ..وللتحقق من صدق هذه النبوءة وتحديد ما ينبغي فعله بصددها ، يحيل الموضوع إلى البحث فى مؤتمر عام ، وصف ما يفعله رفاقه هناك إذ يرتفع بناء ( بانديمونيام ) وهو قصر إبليس فجأة من الخضم وفيه يعقد سادة الجحيم مجلسا للتشاور..

تلخيص المترجم للجزء الثاني :

عندما يبدأ التشاور يناقش إبليس حكمة المخاطرة بحرب جديدة لاستعادة الجنة فينصح البعض بها ، ويوصى البعض باجتنابها ..ثم يلقى القبول اقتراح ثالث كان إبليس قد طرحه من قبل ألا وهو التحقق من مدى صحة النبوءة أو الشائعة التى ترددت فى الجنة عن حلول موعد خلق عالم آخر ونوع آخر من المخلوقات مساو للملائكة أو دونها قليلا ..

يتساجلون فيمن ينبغى إرساله للنهوض بهذا المسعى الشاق ، يتعهد زعيمهم إبليس بأن يقوم وحده بهذه الرحلة فيلقى التكريم والترحيب ، وعندما انفض المجلس تفرق الجميع فمضى كل واحد فى سبيله وشرع يقوم بما تنزع إليه نفسه ، تزجية للوقت انتظارا لعودة إبليس ..أما إبليس فإنه يذهب فى رحلته إلى أبواب الجحيم فيجدها موصدة ويتلو ذلك الحديث عن حارسها ، وعن فتح الحارس لها آخر الأمر ، وعن رؤية إبليس عند فتح الأبواب هوة عظيمة تفصل بين الجحيم والجنة ، وعن الصعوبة التى يتجشمها فى عبور تلك الهوة لا هادى له سوى العماء حاكم ذلك المكان حتى يرى العالم الجديد الذى ينشده...



1 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.