الأحد، 13 نوفمبر، 2011

و أنا ألهث.

قصة قصيرة
ألهث و أنا أحمل الحقيبة من فوق الميكروباص،

ألهث و أنا أبحث عن عربة " كبوت " تحملنى إلى القرية،

ثم ألهث و أنا أضع الحقيبة فى العربة بعد أن وجدتها بسرعة، و هو أمرٌ جد نادر فى هذا الوقت من الأسبوع.

أتجاهل النظرات الضائقة التى غمرني بها كل من كان بالعربة، و الذين أنهكهم الحر الشديد كما أنهكنى، بالإضافة إلى الزحام المبالغ فيه و الذي صار علامةً من علامات مركزنا يوم الخميس. بالتأكيد هو سوء حظى الذي جعلني أنهى امتحاناتى فى الكلية فى هذا اليوم وجعلني أسلم عهدتي فى المدينة الجامعية فيه أيضا، و لكن ما باليد حيلة، و قد كان هذا قدري و مالا بد من أن ألاقيه.

بقى مكانان شاغران و تكتمل العربة لتنطلق فى رحلتها الطويلة بعض الشىء، فقريتي تبعد عن مركزها حوالي نصف الساعة و هو أمرٌ معتادٌ فى الصعيد ذي المسافات و الأبعاد المبالغ فيها.

الوجوه السمراء و الخمرية و البيضاء من حولي تتلفت يميناً و يساراً كأنها تبحث عن مخرج أو حل لما هم فيه من حرٍ لعين، فى ذات الوقت الذي تمسح فيه أيديهم العرق الغزير الذي غمرهم من أعلى رؤوسهم إلى أخمص قدمهم.

و أمسح أنا العرق الذي غمرني و أنا أتساءل فى ضيقٍ عن نتيجة العام المنصرم و عما ستؤول إليه؟، ثم أكاد أجن من الغيظ و أنا أهتف داخلي فى ذلك الخاطر الخانق أن يخرس و إلا أذقته الويل ألوانا وأشكالا.

ألهث و أنا أتأمل الوجوه المحيطة بي،

ألهث و أنا أتعجب من الزحام الغبي الذي يلفنا كألف رداء من صوف،

ثم ألهث و أنا أتذكر أيام الكلية و ما فيها،

عامين كاملين قضيتهما ألعن هذه الدراسة التى دخلتها على غير رضاً منى و دون حب على أمل أن أحبها و أميل إليها، و على هذا الأمل قضيت عامين مجاهداً كرهي لها حتى استطعت فى النهاية أن أكون من أكثر من فيها تميزا، و لكن ذلك لم يشفع عندي أبدا و لم يستطع أن يغير من كرهي لهذه الدراسة شيئا، بل على العكس فقد جعلني هم المذاكرة و نصبها أكرهها أكثر وأكثر.

أتذكر أيامى مع أصحابى فى المدينة الجامعية و الكلية فأبتسم برغم كل شيء؛ فقد كانت أيامى معهم لا تنسى، و المواقف التى مررنا بها ترسم نفسها رسماً بسرعةٍ على صفحة عقلي فلا يمكنني إلا أن المح منها أشياء سريعة مختلطة، و لكنها تكفى لإراحتى بعض الشىء.

ثم اكتملت العربة حينما ولجتها تلك المرأة العجوز و معها تلك الفتاة الحسناء، وبدون شعورٍ منى وجدت نفسي أحاول خفيةً تعديل تصفيفة شعري و أنا أسترق النظر إلى تلك الفتاة، و مرةً أخري ألعن ما أفعله و أكف عنه و أنا أحاول تثبيت نظري إلى الأمام تاركاً الفتاة فى مؤخرة العربة فى حالها.

تسعة عشر عاماً هو عمري، و ألف عام هو عمر عقلي، ذلك العقل الذي حمل مع باقي أقرانه هموماً فوق طاقته واحتماله فلم يجد أمامه إلا اللامبالاة حلا، ونفض الأمور عنه ملاذا، لكن الأمور لا تسير دوماً على نفس المنوال و لابد من ضربةٍ ثقيلةٍ تعيد إلى العقل همومه يوما.

ألهث و أنا أتذكر ما كتبته من قصص قصيرة،

ألهث و أنا أتذكر مشاجرتي مع أبي و أمي حينما رفضا دخولي الكلية التى أحب،

ثم ألهث و أنا أتذكر تمزيق أبي للدفتر الذى كتبت فيه كل ما ألفته من قصص،

يومها لم أكن أملك نسخة أخري من تلك القصص ففقدتها هكذا إلى الأبد، ويومها لم يدر أبي أنه لم يمزق الدفتر فقط بل مزق معه كل مشاعري نحوه، الحب والاطمئنان بل و حتى الكره! صار عندي كأى شخصٍ أتعرفه لأول مرةٍ دون أن أحمل نحوه أى مشاعر أو أحاسيس.

ويوم فقدت تلك القصص التى أثنى عليها كل من قرأها من أساتذة وموجهي اللغة العربية، و تنبؤوا لى بسببها بمستقبل باهر فى الكتابة الأدبية فقدت معها كل مشاعري تجاه هذا العالم، فليحترق الكون بما فيه عقابا له على ما فعله بي و لتشتعل النار فيه و لن أبالى يوما.

لكنني سرعان ما أضبط نفسي و أنا اشعر بالغضب لما حدث فى بلد كذا أو فى أرض كذا و أقسم مغتاظاً ألا أعود، ولكنني أعود وأعود...

و كلما عدت زاد همي و زاد، و كلما ابتعدت ازداد تمزقي و ازداد.

و بطرف عيني لمحت الفتاة تحاول هي الأخرى أن تبعد نظرها عنى بالنظر إلى الطريق من سلم العربة، و أنا أثق أنها هي الأخرى تلعن فى نفسها تحديقها فى منذ أن ركبت العربة حتى عادت إلى نفسها.

و بطرف عيني أيضاً لمحت الأم العجوز و هى تسترخي بعض الشيىء محاولةً الحصول على بعض الراحة من لفها و دورانها على كل بائعي السوق و بائعاته، بينما تطمئن بقدمها إلى وجود كيس المشتريات تحت قدميها المنهكتين.

ألهث و أنا أغمض عيناى عازلا نفسي عمن حولي،

ألهث و أنا أتنفس بعمقٍ محاولاً نسيان كل شيء،

ثم ألهث و أنا أهتف فى داخلي أن الإجازة قد بدأت،

و أبتسم فى سخرية و مرارة و أنا أسأل نفسي عن الفرق بين الإجازة و الدراسة، حقاً أستريح فى الإجازة من الدراسة و الحفظ و النكد المبالغ فيه، إلا أن الإجازة رغم راحتها فلن تعطيني الاستمتاع الذي أريده بوقتي فهي ملل فى ملل، ثم أرحت رأسي مقراً أن الملل مهما كان مقداره فلن يوازى أبداً أو يضاهى التعب الذي نلاقيه فى المذاكرة.

وما هى إلا ثوانٍ حتى كنت لتعبى قد غفوت،

و لكننى حتى و أنا غافٍ كنت ألهث،

و ألهث.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.