الأربعاء، 9 نوفمبر، 2011

كره الأرض.

قصة قصيرة.

على الرغم من كل محاولاتنا لإقناعه بما توصلنا إليه من نتائجٍ لم يقتنع زميلنا في الفريق العلمي، كل ما فعله أنه حول وجهه عنا إلى نافذة سفينة الفضاء التي تقلنا خارج سطح الكوكب، وتطلع إلى سطح الأخير قائلاً:
صدقوني، لا يمكن أن توجد حياةٌ على سطح هذا الكوكب أو في أعماقه مهما كان شكلها.
و تطلع إلينا ثانيةً معقباً:
لا يمكن لمكانٍ مثل هذا أن يضم شيئاً رائعاً كالحياة، لا يمكن.
تبادلنا النظرات التي تشبع بعضها بالحيرة، على حين تشبع البعض الآخر منها بالغيظ، كان سلوك زميلنا الحالي يتناقض تماماً مع سلوكه القديم الذي تعودنا عليه طوال مكثنا معاً، و كأن تحولاً تاماً قد ألم به !.
كنا قد اقتنعنا أخيراً بأن هناك شيئاً ما غريباً يدور في عقل زميلنا العنيد، و كذلك اقتنعنا بأن ذلك الشئ لا يمس الأسس العلمية و الأسباب المنطقية من قريبٍ أو بعيد، و الأهم أننا اقتنعنا بأن جهدنا طوال الوقت في محاولة شرح الأمر له و إقناعه بما حصلنا عليه (وهو من ضمننا في هذا) من معلوماتٍ علميةٍ قد ذهبت أدراج الريح !.
و هكذا قال زميلٌ آخرٌ في سخريةٍ مغتاظةٍ و هو يبتعد عنا:
معك حقٌ يا زميل، إن هذا الكوكب قبيحٌ بما يكفى لجعل الحياة ترفض طلبه بالارتباط بها مهما كانت إمكانياته المادية.
لكن الزميل الرافض لم يعلق على ذلك القول و اكتفى بالتنهد بعمقٍ و هو يجلس قرب النافذة مشيحاً بوجهه بعيداً عن الكوكب و عنا، فتبادلنا النظرات مرةً أخرى وتفرقنا غير مستوعبين لكل الحقيقة.
و طوال الأيام الثلاثة التي تلت هذا الموقف كنا نتحاشى قدر الإمكان الحديث عن هذا الموضوع من قريبٍ أو بعيد، لقد اكتفينا بإرسال كافة تقاريرنا إلى المركز الرئيس على كوكب الأرض ليتخذوا القرار النهائي بالنسبة للخطوة التالية و ظللنا نمارس أعمالاً أخرى طوال تلك الفترة.
لكن ذلك الزميل المعاند كان هناك دائماً، بجانب أي نافذةٍ من نوافذ السفينة يرمق الكوكب و على وجهه لمحةٌ من الكره لا تخفى على أحد، كان يؤدى أعماله كلها ثم يقضى باقي أوقاته في ذلك التأمل العميق بلا معنىً واضح.
و العجيب أننا لاحظنا ازدياد عدد البراكين النشطة على سطح ذلك الكوكب زيادةً واضحة، و الأعجب أننا لاحظنا أنها تقذف بحممها المنصهرة بشكلٍ أعنف و أكبر في تلك الأوقات التي يجلس فيها ذلك الزميل جلسته المتأملة هذه !، و كأن الكوكب يبادله تأملاً بتأمل و كرهاً بكره !.
ثم كانت المفاجأة حينما أتى الرد من المركز الرئيس على الأرض على تقريرنا بصدمةٍ لم نتوقعها، لقد درس علماء المركز كل التقارير و البيانات عن الكوكب و توصلوا إلى استحالة تواجد أي نوعٍ من أنواع الحياة عليه، و فى حين أهملنا نحن بعض التفاصيل التي رأينا أنها غير ذات أثرٍ يذكر ركزوا هم عليها و أدركوا من خلالها استحالة الحياة على الكوكب.
و بابتسامةٍ شاردةٍ قابل زميلنا نظراتنا الحيرى وتساؤلاتنا المكتومة، فكيف تأتى له معرفة ذلك و هو الذي لم يكن يمتلك دليلاً علمياً على قوله؟!، بل إنه حتى لم يستدل بتلك التفاصيل العلمية التي تؤيد رأيه واكتفى بردودٍ عاديةٍ عن انطباعه الشخصي !.
ثم سرعان ما قررنا نفض الأمر عن رؤوسنا تماماً وتشاغلنا بالانطلاق إلى المرحلة التالية من رحلتنا متوسطة الأجل، للبحث عن حياةٍ في مجموعة من الكواكب الصخرية القريبة من موقعنا الفضائي حينها، و سرعان ما عاد زميلنا إلى طبيعته العادية و لم يتحدث حتى الآن عما حدث،  و لم يعد حتى يجلس تلك الجلسة المعتادة قرب النافذة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.