الخميس، 1 ديسمبر، 2011

صحيح الحضارة جـ1

حينما كنت طفلاً صغيراً: لم يكن لى -كعادة الأطفال الصغار- همٌ سوى اللعب و المرح، و لم يكن يشغلنى من الأمور الهامة شئٌ من الأشياء، اللهم إلا الدراسة التى كنت أهيم بها هياماً، و كان جل همى فى تلك الفترة هو جلب المتعة لنفسى بكل الوسائل التى تتاح لى، و كان اللعب -كما هو لأى طفلٍ- المطلب الأكبر و الأهم.
و لكن الأمور بدأت تأخذ منحنىً آخر عندما التحقت بالمرحلة الإعدادية، التى كان التوقف التدريجى فيها عن مخالطة أقرانى أبرز الأمور التى حدثت لى أثناءها، وهو الأمر الذى أتى رويداً رويداً حتى انقطعت عن اللهو معهم تماماً، و تفرغت لإلتهام كل ما يقع تحت يدى من كتب و روايات و قصص من أغلب الأنواع إن لم يكن كلها، مواصلاُ بذلك إشباع ذلك النهم للمعرفة بداخلى و الذى لم أعطه حقه فى المرحلة السابقة فاستبد بى فى المرحلة التى تليها تماماً. 
على أن الواضح أن ذلك النهم لم يكن له من هدفٌ سوى القراءة فى حد ذاتها، ثم تليها المعرفة فى المرتبة الثانية، فقد كان من فرط حبى للكتب (أى كتب) أن رائحتها عندى كانت عطراً يحمل لى أجمل الوعود بأحلى الأوقات التى يصفو فيها الذهن و يتمتع بفيوضٍ من المعارف و العلوم، و هو الإحساس الذى أسعى إليه حتى الآن مع كل كتابٍ أقرؤه؛ حتى يمكننى أن أحصل ما فيه من علمٍ بدون إحساسٍ بالتعب أو الملل (و هما العدو الأكبر لكل من يقرأ كتاباً فى هذه الأيام).
ثم أتت المرحلة الثانوية التى وضعت فى قلبى أن المعرفة تعادل المتعة أهميةً فى عملية القراءة، وأن كلاهما يجب أن يكون هدفاً لها، و من ثَم كانت قراءاتى تذهب بى إلى أماكن شغلت ذهنى بالتفكير فيها من قبل، أو أماكن أجد أنه سيكون من الممتع لى أن أرتادها و أن أقتطف من أزهارها ما يمتعنى و يدفع فى عروقى النشوة التى أحبها، و هكذا مزجت بين الهدفين فى معظم الوقت خاصةً و أننى فى تلك السن لم أكن أعبأ فى قليل أو كثير بالتعب البدنى و الإرهاق الذهنى، بل كنت أتمنى أن أكون متيقظاً دائماً من فرط حسرتى على الوقت الذى يضيع أثناء النوم !. 
لكن العامل المشترك بين المراحل السابقة كلها أننى لم أكن أشغل بالى بالأسئلة الضخمة عن الذات، و الكينونة، و الانتماء، و الهدف من الحياة، و منهج المسير فى العالم، و تحديد الأولويات فى ذلك المسير، إلى آخر هذه القائمة التى يمكن لأى أديبٍ أن يرصها بمهارةٍ و إتقان، و هو الأمر الذى هيأنى للمرحلة القادمة التى كان من اللازم لها أن تصفعنى بعنف لكى أبدأ رحلة البحث عن الذات و الهدف و المنهج. 
فالمرحلة الأخيرة (و التي تبدأ بالمرحلة الجامعية حتي ما بعد التخرج) كانت المرحلة التى بدأت فيها تلك الأسئلة العويصة بطرح نفسها طرحاً شديداً عنيفاً على عقلى، فعندما بدأت التقدم نحو سن العشرين بدأت أرى الكثير مما كان خافياً عنى من قبل، إما لعدم معرفتى به أصلاً، أو لتجاهلى إياه تماماً وعدم اعتنائى به كجزء من حالة اللامبالاة التى تسود مجتمعنا و توشك أن تصبح العامل المشترك الأعظم بين سكانه، أو حتى كمظهرٍ من مظاهر انفصالى عن العالم الخارجى و انعزالى عنه و التى كان من أبرز أسبابها إنهماكى فى الدراسة و القراءة الحرة إلى أبعد الحدود.ففى هذه السن الحرجة حينما يوشك الفتى الصغير على اعتبار نفسه رجلاً حقيقياً له الحق فى التشبث بآرائه حتى الموت، كان من اللازم أن أتلقى الضربات على رأسى مرةً تلو المرة و أنا أرى المعتقدات التى كنت أؤمن بها تماماً تهتز أمامى و تنهار فى ثوان، و هى تشدنى معها شدأ فى انهيارها نحو هوة عميقة من الإحساس بالضياع، أو بالإرتباك و التشتت فى أفضل الأحيان.
لذا كان من اللازم على أن أبحث و أن أرى لكى أستطيع أن أعلم كل شئ، و أن أحسم هذه الأمور التى تدور كالأعاصير فى رأسى الذى لم يكن مهيئاً أبداً لولوج تلك المرحلة بدون أى استعداد مسبق.

و ساعدتنى هنا طبيعتى التى تدفعنى للقراءة دفعاً (كأننى ولدت لكى أقرأ) على الإستمرار، و ساعدنى ذلك الإستمرار فى تحديد أهم تساؤلاتى و أهم الامور التى يجب البحث فيها و حسمها، و كذا ساعدنى على البحث عن إجابةٍ لها فى كل اتجاه أرى أنه يمت لها بصلة من قريب أو بعيداً.
و كان أهم الأسئلة التى طافت برأسى على الإطلاق: ذلك التساؤل عن هويتى و انتمائى، و عن طبيعة مهمتى فى هذه الحياة و الهدف من ورائها بالنسبة لى. و أعترف أن التخبط كان سيد الموقف عندى فى فترةٍ من حياتى، بل إن شئت الدقة فى أغلبية حياتى حتى فترةٍ متأخرة جداً، و لم أعرف الإستقرار إلا أخيراً حينما استطعت الإجابة على كثيرٍ من الأسئلة التى كانت تؤرقنى و تحيل حياتى إلى علامة استفهامٍ كبيرةٍ لا يقوى عقلى على حملها، بإجاباتٍ أرضت ذلك العقل الذى رأى من الآراء الكثير والكثير، و طاف بكل اتجاهٍ بحثاً عن الحقيقة (و الحقيقة فقط).و مما ساعد على التمزق و القلق المبالغ فيه لدى فى الفترة السابقة للإستقرار: تلك التعددية البلهاء و التمزق الأخرق التى نراها حتى الآن سيدةً للموقف على الساحة فى كل المجالات، حتى فى ذلك المجال البدهى منها و هو العلم بالكينونة و المعرفة للذات.فحينما صدمنى الواقع الذى كنت أحياه: هربت منه إلى المفكرين من حولى لكى أجد عندهم الإستقرار الذى أفتقده فى فكرى و كيانى؛ على أساس أنهم من يحملون عبء التنوير الفكرى فى الأمم، و هم المنوط بهم مثل هذه الامور، فلم أجد عندهم إلا تفككاً أكبر وتمزقاً أشد !.


يُتبع.

هناك تعليقان (2):

  1. هل مازالت الحيرة موجوده لديك ام انك وصلت للاستقرار اخيراً ؟
    وهـل كنت مقتصراً علي قراءة نوع من الكتب كالدينية مثلاً أثناء فترة البحث عن الاستقرار الفگري أم استعنت بكتب أخري ؟

    اعانك الله يا م / وائل

    ردحذف
  2. مرحباً بك يا بسام في مدونتي ^_^
    بفضل الله تعالي زالت الحيرة عني إلي حدٍ كبير جداً، و لم يتبق منها إلي ما يدفعني إلي تحصيل العلم الشرعي بتوسع.
    أما الكتب التي قرأتها فقد كانت عن أفكار و مناهج مختلفة: ما بين كتبٍ عالمانية و كتب لعلماء أهل السنة للدفاع عن الدين و غيرها.
    و كما كنت آمل بالضبط: أكرمني الله تعالي بأن رست سفينتي علي بر الأمان الفكري بالدليل و البرهان، و هذا ما كنت أعلمه منذ البداية؛ فالله تعالي لا يترك من يريد الحق تائهاً أبدا، فله الحمد و الشكر كما يليق بكرمه و منه.
    و بالمناسبة: فهذه المقالة جزءٌ من مقدمة كتاب كنت قد بدأته منذ سنين و أنهيت بالفعل عدة فصولٍ منه، و أتمني علي الله تعالي أن أتمه في أقرب فرصةٍ ممكنه، و اسم الكتاب (صحيحُ الحضارة).

    دمت بخير و لا تحرمني من الزيارات ^_^.

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.