الجمعة، 2 ديسمبر، 2011

صحيح الحضارة جـ2

 تنبيهٌ هام:
كتبت هذه المقدمة قبل أربع سنواتٍ تقريباً، أي أن الأنظمة الفاسدة التي أسقطتها ثورات الربيع العربي كانت في أوج قوتها و فسادها، لذلك سترون كثيراً من الكلام عن الواقع المخزي للأمة و ضرورة استنفار الشباب لجهدهم و قوتهم، فأرجو التنبه لهذا.
 ----------------------------
فحينما صدمنى الواقع الذى كنت أحياه هربت منه إلى المفكرين من حولى لكى أجد عندهم الإستقرار الذى أفتقده فى فكرى و كيانى؛ على أساس أنهم من يحملون عبء التنوير الفكرى فى الأمم، و هم المنوط بهم مثل هذه الامور، فلم أجد عندهم إلا تفككاً أكبر وتمزقاً أشد !.
فمن حيث الكينونة: رأيت أن هناك نظريات شتى متضاربة فى الأكثرية منها مع بعضها البعض عن العنصر المكون للأمة و الذى قامت عليه، أما من حيث المنهج (و هو التابع للعنصر المُكَوِن) فقد كان التخبط أشد و أشد فى الأصول و الفروع، و من الطبعى و الحال هكذا أن يكون الهدف النهائى مختلفاً تماماً بين تلك الفرق على ساحة الفكر فى هذه الأمة، و تكون النتيجة الحتمية من كل هذا: هى ذلك التمزق الرهيب الذى عانيت منه فى بديات المرحلة الجامعية، و كما قلت من قبل: كان هذا قبل أن يقر قرارى على البيرق الذى يحمل الأفكار التى اقتنعت بها كل الإقتناع و التى أجد فيها الحق كل الحق.
و لأن هذه الأسئلة لا تخصنى بمفردى بل تخص كل من هو فى سنى و يسأل نفسه ذات الأسئلة التى طرحتها على ذاتى قبله (أو حتى بعده): فإننى أحاول هاهنا أن أضع محاولةً منى لإبعاد الحيرة عنا -نحن الشباب الحائر – و إرشادنا إلى الدرب الصحيح الذى يصل بنا فى نهاية المطاف إلى إجاباتٍ مقنعةٍ و شافيةٍ و مريحةٍ لكل هاته الأسئلة.
و الآن حان الوقت لكى أسألك سؤالاً سيفيدنى ويفيدك كثيراً فى تحديد أهمية هذه المقالات بالنسبة لك: كم مرة أدرت مؤشر التلفاز إلى محطةٍ رياضيةٍ أو ترفيهية حينما تستمع إلى مقدمة نشرة الأخبار على شاشة التلفاز؟.
فإذا لم ترد فاسمح لى أن أتابع (متجاهلا ًصمتك الضائق بكلماتى) سائلاً ًإياك مرةً أخرى:
كم مرة ألقيت بجريدة قومية أو حتى حزبية وجدت طريقها إلى كفك فى لحظة من الزمن، و أنت تقسم ألا تعود مرةً أخرى؟.
كم مرة ابتعدت عن زملائك و أقرانك الذين يتحدثون فيما يمس السياسة أو الحروب أو الثقافة (إلى آخر القائمة التى تكره) من قريبٍ أو بعيد؟ كم مرة ابتسمت فى سخرية لرؤيتك برنامجاً سياسياً على شاشة التلفاز، بينما تدير مؤشره إلى محطة أخرى تجد فيها ما يريح؟.
فإن لم تجب( وأنا أدرك يقيناً أنك لن تجيب) فاسمح لى أن أجيب بدلاً منك (رغم أنى أدرك أنك ربما تصرف نظرك عن الإجابة) قائلا ً:
آلاف المرات.
نعم لقد أدرتَ مؤشر التلفاز آلاف المرات، (متأففاً تارات، و ساخراً تارات) إلى محطة أغانٍٍ تافهة، أو محطةٍ رياضية لا تكبلك بالهموم، بدلاً من تلك المحطة التى لا تلقى فى أذنيك إلا بما ينغص حياتك و يكدرها.
آلاف المرات و أنت لا تلقى بالاً للجرائد المكدسة على أرصفة الطرقات، و كبار السن الذين ينظرون لمن هم فى مثل سنك باستخفاف يتهافتون عليها تهافتاً يثير غثيانك، بينما تبحث عيناك عن مجلة رياضية أو حتى مجلة فنية (رغم أنك ربما تكون غير مهتمٍ بذلك الأخير على الإطلاق) تضيع فيها وقتك الذى لاتدرى فيم تضيعه.
أعلم يقيناً أنك لن تنكر لأنك لا تلقى بالاً حتى للإنكار و الاستنكار، بل و ربما لا تعلم لم يضيع مؤلف الكتاب الذى هو شاب فى مثل سنك وقته و جهده فى كتابة مثل هذه الصفحات و نشرها للناس، و تحمل عاقبة كل هذا، بينما كان بإمكانه أن يريح عقله و نفسيته من كل العناء الذى سوف يجره جراً لسبب يخفى على عقلك تماماً، و هو السبب الذى يمكنك أن تجزم بكل اطمئنان أنه من السخافة بما يكفى لكى يقتلك ضحكاً، هذا بالطبع إذا ما أضعت وقتك فى سماعه.
أعلم هذا و أعلم غيره، أعلم أنك مثلى تعيش فى وطن لا يحكمه إلا أصحاب الألف وجه و هؤلاء كما تعلم أجدر الناس بألا يكونوا عند الله وجهاء، أعلم جيداً أنك حاولت فى صغرك آلاف المرات أن تقول الكثير و أن تفهم الأكثر و أن تغير مالا يعجبك فيما حولك، و أعلم أنك بعد كل هذا لم تجد أى نتيجةٍ سوى السخرية و نظرات الاستخفاف و التهكم، بل إنك فى كثيرٍ من الاحيان لم تجد حتى هذه السخرية و تلك النظرات فى عيون من حولك، و لم تقابل إلا نظراتٍ عمياء و أعيناً ميتةً كأعين السمك.
أدرك أنك حاولت فزعاً مبعثر النفس البحث عن شخص يضىء لك طريقك فى ظلام لا ترى فيه كف يدك، ظناً منك أنك ببعض التعب أو كثيره ستجد هذا الشخص فيمن حولك ...وأدرك أكثر أنك لم تجد هذا الشخص أو حتى شبيهاً له ولم تقابل إلا سخريةً أكثر أو تجاهلاً أعظم.
وأعلم أنك قد كرهت كل هذا كرهاً تغلغل داخلك إلى حد وصلت معه إلى مرحلة كرهك لنفسك ذاتها، وبعد أن وصلت إلى هذه المرحلة صار من السهل على أن أتوقع أنك ستفعل كل ما يذيقك لذة عاجلة حتى وإن كانت نهايته مريعة غير عابىء بتلك النهاية بل و الأنكى أنك قد تكون ساعياً لها.
و وسط بركة مجتمعك الذى تكره، و داخلك الذى لا تطيق: أصبحت حياتك جحيماً لا يهدأ و بركانا لا يريد أن يخمد، و أصبحت أكبر أمانيك ألا يزعج أحد المتنطعين راحة يأسك و كرهك. لذا فاسمح لى بعد أن وصلت بك إلى حافة الإنفجار أن أطيح بما تبقى من صوابك سائلاً إياك السؤال الذى لا تمقت أكثر منه:
 و ماذا بعد؟.
ماذا بعد الاستسلام و ضياع الأمل و انكسار الحلم؟.
ماذا بعد التشتت و موت العزيمة و الإرادة؟.
أمزيداٌ من بوار النفس تريد؟، أم هى استكانةٌ خرقاء لنفسٍٍ مدمرة؟.
بعد كل هذا سأترك لك الكلام كى تقول ما تريد، و لن يزيد الباقي من قولي هنا عن نصيحتين مختصرتين، أظنهما ستضعانك على بداية الطريق كما فعلتا معي (فأنا كما قلت من قبل: مثلك تماما، أعانى مما تعانى منه، و يؤثر فى ما يؤثر فيك).
أولاها أن تجعل المعرفة هدفك الأول مهما كان الثمن؛ فيجب عليك أن تعرف و أن تُعَوِدَ نفسك على مرارة المعرفة، و ثانيها أن تحاول معنا صنع منهاجٍ لنفسك تسير عليه، و هدفاً تسعى إليه غير عابىء بما حولك قانعاً إن لزم الأمر بشرف المحاولة.
و أعود إلى هذا الكتاب مرةً أخرى لأقول أن هذه المحاولة ليست محض محاولةٍ لاكتشاف الكينونة و الهدف و المنهج فقط، بل هى أيضاً أمانةٌ حملتها على عاتقى منذ أن أدركت أن شباب الأمة هم أول المسئولين عنها، و هم أول من يستطيع تغيير مسيرتها و دفة الأمور بها، فأدركت فى الوقت الذى كلل فيه جهدى بالنجاح أن الوقت قد حان لكى أبرز هذا النجاح و نتيجته لكل من هم فى مثل حالتى و يحلمون بذات حلمى.
و بذلك يكون عمادَنا فى هذه الرحلة الشاقة: العقلُ و الأمل، فليس من الممكن لنا أن نواجه أخطار رحلةٍ قد تؤدى بنا إلى نتائج لا نتوقعها بدون فرض وصاية العقل عليها فرضاً يسمح لنا بالقيام بها بروح شجاعة حقيقية تناسبها كل المناسبة.

يُتبع.

هناك تعليقان (2):

  1. مافيش لايك فى البتاع ده :)

    ردحذف
  2. يا مرحباً يا مرحبا، أخيراً شرفتني بالتعليق ^_^
    مش لازم لايك: كفاية بس مرورك علي المدونة، و أرجو إنك تكرر الزيارة تاني ^_^

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.