الجمعة، 9 ديسمبر، 2011

صحيح الحضارة جـ3

 مرت على الأرض منذ أن خلق الله (عز وجل) أول البشر آدم (عليه السلام) آلافٌ من الحضارات البشرية التى لا نعلم منها إلا أقل القليل، و عمرت الأرض آلافٌ من الشعوب و الأمم التى ملأت أرجاءها فى شرقها و غربها، و شمالها و جنوبها، بالعلم و الحضارة و التطور، ثم انحدرت و تدهورت أحوال تلك الحضارات، و انقلبت مدنيتها خراباً و استحال تطورها فناءا، و ذلك بغض النظر عن طول عمرها و كأن الحضارات لا تقوم إلا لكي تنهار و تندثر.
و لم تعرف الأرض فى تاريخها كله حضارةً قامت بين عشيةٍ و ضحاها، و ازدهرت و عمرت بدون بداياتٍ و مقدمات. كما لم تعرف حضارةً انهارت بين يومٍ وليلةٍ بدون علاماتِ تدهورٍ تلوح فى الأفق، بل كانت الحضارات كلها تمر بعدة مراحلٍ و أطوارٍ فى قيامها و سقوطها، تماماً كما ينمو الإنسان عبر مراحلٍ متنوعةٍ و مختلفة، بدايةً من طفولتها الأولى حتى تصل إلى أوج قوتها و فتوتها، و بعدها مرحلة النهاية و التدهور و موت هذه الحضارة.
و لو شئنا أن نذكر عدد الحضارات التى مرت على الأرض لما استطعنا، و لكنا لو أردنا أن نذكر أهم الحضارات التى أثرت فى تاريخ البشرية لاستطعنا أن نفعل دون بذل مجهودٍ يذكر مقارنةً بذلك الذي كنا سنبذله فى المرة الأولى.
و السر فى ذلك أن معرفتا لا تزال قاصرةً كل القصور عن معرفة تفصيلٍ واحدٍ دقيقٍ للخطوط العامة لتاريخ البشر على الأرض (اللهم إلا فى أحيانٍ قليلةٍ تؤكد القاعدة و لا تنفيها)، فعلى الرغم من آلاف المراجع التى تكتظ بها مكتبات الأرض فى كل أنحائها، و الكشوفات الأثرية، و الجهود الجبارة التى يبذلها البشر فى كل أنحاء المعمورة، فإن ما استطعنا العلم بوجوده فى زمن ما من تلك الحضارات لا يقارن بما لا نعرفه منها، علاوةً على أن ما نعرفه عن تلك المعلومة لدينا لا يساوى إلا نذراً غير ضخمٍ في السيرة الذاتية (إن صح التعبير) لتلك الحضارات.
و الأدلة علي ذلك كثيرة، فالدليل على جهلنا بمعظم الحضارات التى مرت على أرضنا أننا لا نستطيع حتى الآن أن نحدد كينونة حضارة (أتلانتس) من حيث كونها حقيقةً أم خيال، و ذلك على الرغم من أن كثيراً من العلماء قد أفنوا حياتهم فى سبيل ذلك، و قضوا معظم عمرهم يبحثون عن أدلةٍ تدعم أو تنفى وجودها أو يؤلفون الأسفار التى تتناول هذا الموضوع، لكنهم فى النهاية و رغم كل ما فعلوه لم يستطيعوا تأكيد الأمر تماماً أو حتى نفيه بشكلٍ قاطع، بل تخبطوا بشكلٍ واضحٍ أدى فى النهاية إلى أن يصبح الأمر كله مثيراً للسخرية، و صار الحديث عنه مماثلاً لحديث جداتنا عن كل ما هو غامضٍ و مثير، و لا يلقى منا فى أفضل الظروف إلا التحمس لسماع ما يسلى من الحكايا الخرافية !
و أين العلم بحضارة قوم عادٍ إذا لم يخبرنا الله عز و جل بها في كتبه و علي لسان رسله؟!
و قل المثل عن كثيرٍ من الأمور التي لم نكن نعلمها لولا إخبار الله تعالي لنا بها علي لسان رسله عليهم السلام؟!
أما عن عدم معرفتنا لمعظم الأشياء عن تلك الحضارات المعلوم وجودها بالنسبة لنا فلنا أن نتحدث و لا حرج، فحتى الآن لا يمكننا أن نقرر أو نحسم سر الأهرامات التى بناها الفراعنة فى مصر، وسر كل ذلك الغموض الذي يلفها بردائه بالإضافة إلى كل تلك العلاقات الرياضية العجيبة التى تتعلق بها، فإذا ما تركنا الأهرامات لحالها فسنجد سر التحنيط أمامنا !
و هكذا يصير من الواضح أن علم التأريخ عندنا ما زال فى مرحلةٍ متواضعةٍ نوعاً ما من التطور عند التعلق بالحضارات القديمة، و مرحلةٍ شديدة التواضع عند التعلق بالحضارات المغرقة في القِدَم، رغم كل ما وصل إليه من تقدمٍ فيما يتعلق بالأمور الحديثة، و هو الأمر الذى لا يحمل تبعاته علماءه الذين أعترف أنهم ضيعوا أعمارهم لإشادة صرحه و لم يألوا فى سبيل ذلك جهداً، و يصير كذلك من الواضح أن تأريخنا ما يزال فى مرحلة جمع المعلومات الأساسية التى تكفل له التطور و الازدهار فى المراحل القادمة، و أن أقصى ما وصل إليه لا يتعدى معرفة وجود بعض الحضارات و معرفة بعض المعلومات عنها، و الأهم من ذلك كله معرفة قصة حياة الحضارات، و هي من أهم الأمور التى يبحث فيها علم التأريخ.
فليس التأريخ مجرد سردٍ للأحداث القديمة و عرضها بكل أمانةٍ و دقةٍ فقط، بل إنه يشمل إلى جانب هذا تحليل تلك المواقف و الأحداث و محاولة الحكم عليها بالصواب والخطأ لاستخلاص العبر و الدروس منها؛ فى محاولةٍ لتفادى الأخطاء التاريخية التى وقعت فيها بعض الأمم و الشعوب و أدت بها إلى كثيرٍ من المتاعب، و كذا للسير على خطى الأمم الأخرى التى استطاعت الوصول إلى مستوىً مُرضٍ من العلم والحضارة و الرقى، فلأن الإنسان لا يقوى بمفرده على استخلاص كل حكم الحياة و كل دروسها كان لزاماً عليه أن يرى مصير الأمم التى مرت على الأرض من قبل، و أن يدرس تجربتها فى الحياة ليستفيد من خبراتها، تماماً كما نستفيد من خبرات أجدادنا و ما مروا به من تجارب عبر سني عمرهم و التى استطاعوا من خلالها أن يفهموا الحياة أكثر و أكثر.

يُتبع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.