الاثنين، 12 ديسمبر، 2011

صحيح الحضارة جـ4

تشابه الحضارات و البشر

و كذلك يشتمل التأريخ على محاولة الإنسان تفهم كيفية التطور فى حياة الحضارات و خط سير ذلك التطور، أى معرفة ما نسميه قصة حياة الحضارات، و الحضارة فى حد ذاتها تشبه الإنسان أشد الشبه، سواءٌ على مستوى دورة الحياة و الأحداث التى تتعرض لها و تتأثر بها، أو حتى على مستوى التكوين.
فالإنسان يتكون على الصعيد المادى من أعضاءٍ قائمةٍ بذاتها، يقوم كل واحدٍ منها بدورٍ يختلف كل الإختلاف عن الأدوار التى تؤديها باقى الأعضاء، و حينما تجتمع مجموعةٌ منها فى ترابطٍ وظيفى ما فإنها تكون جهازاً من الأجهزة العضوية كالجهاز الدورى و التنفسى، و غيرهما من أجهزة الجسد البشرى.
و اتصال هذه الأجهزة ببعضها البعض هو اتصالٌ تكاملىٌ فى المقام الأول (و الأوحد)؛ حيث لا يمكن لأحدها أن يتواكل على الآخرين فى أداء المهمة التى يفترض أن يؤديها هو، و هكذا فإن تخلف أى جهازٍ من هذه الأجهزة عن أداء دوره بالشكل الأمثل يعوق باقى الأجهزة عن العمل بصورةٍ جيدة، إما بصورةٍ مباشرةٍ: حيث يكون فى أول السلسلة العضوية فى العمل أو منتصفها، أو حتى بشكلٍ غير مباشرٍ بحيث: يكون فى آخر السلسلة، و لكن توقفه أو تراخيه عن أداء عمله بالشكل المطلوب يؤدى إلى فسادٍ فى البيئة المحيطة بالأعضاء، فتتضرر متأثرةً بذلك التخلف أو التراخى بدرجةٍ تتوقف على مدى حيوية دور ذلك الجهاز فى الجسد.
و الأعضاء الجسدية البشرية رغم اختلاف وظائفها و آلياتها و تكويناتها فإنها فى الأساس الأول مبنيةٌ من ذات المكون الأوَّلى، و تشترك جميع الأعضاء فى تلك الوحدة البنائية الأصغر مهما كان تخصصها و عملها، و تلك الوحدة الأصغر هى الخلية الحيوانية.
حيث أنها هى نفسها فى الأمعاء الدقيقة، و القلب، و الكبد، و الكلى، و غيرها من أعضاء الجسد، و لكن الفارق الوحيد هو أن تجمع الخلايا إذا ما أخذ شكل الكبد و أدى عملها: صار كبداً، و إذا أخذ شكل القلب و قام بتولى المهام المفترض للقلب القيام بها: صار قلباً، و هو ما يطلق عليه فى المجتمعات و الأفكار البشرية (التخصص).
و من هنا ننطلق فى بيان أوجه الشبه بين الحضارة و الإنسان، فالحضارة تتكون فى بنائها الأوََّلى من أفراد البشر المتشابهين شكلاً و بنية، بينما يختلف تخصص كل فئةٍ من البشر عن تخصصات الآخرين تماماً كما تختلف خلايا عضوٍ من أعضاء الجسد مع خلايا عضوٍ آخر فى البنية و الوظيفة.
فنجد فى المجتمعات البشرية الحرفيين، و المفكرين، و القادة، و الأدباء، و العلماء، و التقنيين، و غيرها من الفئات كما نجد فى الجسد الواحد أعضاءاُ عدة، و حينما تتجمع عدة فئاتٍ سوياً لكى تتكامل فيما بينها (بشكلٍ أكبر من تكاملها مع باقى الفئات) نرى أن الوضع صار مشابهاً لآلية الأجهزة فى الجسد البشرى.
فالأدباء، و المفكرون، و القادة الساسة لهم مهامٌ متقاربةٌ لكن من وجهات نظرٍ و بآلياتٍ مختلفة، لذلك فإن تعاملهم مع بعضهم البعض يكون أكثر حراكاً و نشاطاً من تعاونهم مع بقية الفئات، و كذا الحال مع العلماء و التقنيين، و كذا الحال مع جماعات الحرفيين.
فإذا ما تعطلت وظيفة أحد هذه الفئات عن أداء عملها: فإن باقى الفئات تتأثر، و حينما تتعطل مجموعةٌ من الفئات المترابطة عن أداء دورها فإن التأثر يكون أكبر (و إن كان أولاً و آخراً يتوقف على مدى أهمية و حيوية ذلك الدور الذى تقوم به تلك الفئات فى الأمة أو الحضارة).

يُتبع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.