الجمعة، 6 يناير، 2012

مراجعةٌ ضروريةٌ لمن احتفل مع النصاري بعيدهم.

في هذه الأيام التي تُوافق بداية السنة الميلادية يقوم النصاري بالاحتفال بعيد ميلاد المسيح (عليه السلام) بوصفه إلهاً كما يفعلون في بداية كل عام (تعالي الله عز و جل عما يقولون)، و لكن الغريب أن هناك نفرٌ كبيرٌ جداً من المسلمين يقومون بمشاركتهم تلك الاحتفالات، أو علي الأقل يقومون بحضور الاحتفالات في الكنيسة و يهنئونهم بها. بل فعل هذا مسئولون علي أعلي مستوي في جماعة الإخوان المسلمين التي ترتكز في منهجها علي النهج الإسلامي ! حيث قرأت في الصفحة الرسمية لحزب الحرية و العدالة علي الفيسبوك (و هو الذراع السياسية للإخوان المسلمين في مصر) ما يلي:
الحرية والعدالة يوفد رئيسه وأمينه العام لتهنئة الأقباط بعيد الميلاد #FJParty

قرر حزب الحرية والعدالة إيفاد وفد رسمي برئاسة
الدكتور محمد مرسي "رئيس الحزب"، الدكتور محمد سعد الكتاتني "الأمين العام للحزب" للمشاركة في احتفال الكنيسة الأرثوذكسية بقداس عيد الميلاد، وتهنئة الأقباط بذكرى مولد المسيح عليه السلام.
وأكد الحزب أنه سيشارك في الاحتفال بهذه "المناسبة الجليلة" استجابة لأوامر الله ببر المسيحيين والقسط إليهم، لأنهم "الأقرب مودة للذين آمنوا"، كما أن مثل هذه المناسبات تعتبر فرصة للتأكيد على أهمية التواصل ونشر المحبة المبنية على المبادئ السليمة التى تخلق حالة من الحوار والتلاقى بين الأفكار البناءة للطرفين.
كما قررت جماعة الإخوان هي الأخرى إيفاد وفد رفيع المستوى برئاسة الدكتور محمود عزت نائب المرشد العام.
وكان شباب حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين شاركوا في تشكيل لجان شعبية لحماية الكنائس أثناء الاحتفالات برأس السنة الميلادية،
و لما أنكرت هذا بألفاظٍ توضح مدي بُغضي لفعلٍ كهذا بعيدٍ كل البعد عن عقيدة الولاء و البراء: عاتبني فاضلٌ من شباب الإخوان علي هذا، و بعد نقاشٍ مُطوَّلٍ بيننا طلب مني قراءة المقال ذي الرابط التالي:
http://www.ikhwanonline.com/new/Article.aspx?ArtID=98784&SecID=360
و الذي ذُكرت فيه أدلة إمكانية تهنئة النصاري بأعيادهم الدينية. فقرأتُ المقال المذكور آنفاً و فكرت في ما قيل فيه، ثم قرأت مقالاتٍ تحمل الرأي المضاد الذي قلتُ به سابقاً و روابطها:
http://www.salafvoice.com/article.php?a=2902
http://www.salafvoice.com/article.php?a=2048
http://www.salafvoice.com/article.php?a=5912&mode=r
و غيرها، و جلست أكتب هذا المقال لأشرح رأي العلماء الذين أقتنع برأيهم بعد التفكير في الناحيتين.
فأما رأي مبيحي التهنئة فيمكن تلخيصه في التالي:
الأمر علي البراءة الأصلية و هي التحليل؛ و ذلك لأنه لم يرد نصٌ يُحرم هذا، و ما دام الأمر كذلك فنرجع لاستصحاب أصل الإباحة، و ذكروا كذلك أن تصريح العلماء السابقين بالتحريم كان مناطه الرضا القلبي بأعيادهم و بالتالي الإقرار بالمعتقدات الشركية و هو ما يؤدي إلي الكفر عياذاً بالله عز و جل، و أنه ما دام المرء لا يُقِرُّ بتلك المعتقدات و يُهنئ غير المسلمين بألفاظٍ لا تدل علي مثل ذلك الإقرار فهنا تكون التهنئة غير محرمة، بل قالوا أنها مستحبةٌ لأنها من قبيل البر بغير المسلمين و هو ما أباحه الله تعالي في قوله الكريم:(لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الممتحنة]، و قالوا أن هذا من قبيل السياسة الشرعية التي تراعي المفاسد و المصالح.

و أما النقاط النقاط التي أُلخص فيها قناعتي في هذا الشأن فهي كالتالي:
  1. إذا كانت المناسبة التي يحتفل بها غير المسلم مناسبةً غير دينيةٍ مثل الزواج فلا مشكلة في التهنئة، بل هي من قَبيل البِر الذي أوضح الله عز و جل أنه يحبه في قوله سبحانه و تعالي:(لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الممتحنة]. و لا خلاف في هذا الأمر بين العلماء من الفريقين علي ما أعلم.
  2. إذا كانت الاحتفال دينياً فلا يجوز بأي حالٍ من الأحوال حضور قداساتهم و دخول كنائسهم؛ فاحتفالاتهم و ترانيمهم ما هي إلا سُبابٌ لله عز و جل بقولهم أن له صاحبةً و ولداً أو غيرها من الاعتقادات الباطلة.
    قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي، كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ) (رواه البخاري).
    و من المحال ألا يكون هناك مثل تلك الأشياء فيها لأنها أعيادٌ دينيةٌ كما قلنا فإذا نزعنا منها هذه الأمور فكيف تكون دينية ! و من واجب المسلم هنا الغيرة علي دين الله تعالي و عدم حضور احتفال يُسبُّ فيه عز و جل لا تهنئة المحتفلين به !
    ثم إن نهي الصحابة عن هذا الأمر واضحٌ وضوح الشمس في كبد السماء؛ فقد قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه:(لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم)[رواه البيهقي في السنن الكبرى (9/234) وعبد الرزاق في المصنف (1/411)، وعنه رضي الله عنه قال: (اجتنبوا أعداء الله في عيدهم) [السنن الكبرى (9/234)]
  3. التهنئة حتي مع عدم حضور الاحتفالات الدينية ممنوعة؛ و ذلك لأنها من قبيل التشبه بهم في تخصيص هذا اليوم بتهنئة بعضهم البعض بمناسبةٍ معينة، فلو انتفي جانب التشبه في الاحتفال (أي امتنع المسلم عن الاحتفال كما يفعل النصاري) فمثله وجوب عدم التهنئة لأنه ليس يوم عيدٍ للمسلم، و ليس الأمر من أمور العادات كالزواج و غيرها حتي يصير مَشاعاً، بل هو من قبيل المناسبات الدينية التي لا يجوز للمسلم أن يُحدث فيها جديداً أو يُغير فيها قديماً، فلو أمر الله تعالي بأن يتشبه المسلمون بأهل الكتاب في أمورهم لكان من الواجب التهنئة بالأعياد الدينية، و لكنه لما كان من الواجب عدم التشبه بهم فإنه يصير من أوجب المحرمات و أكثرها ثبوتاً اعتزالهم في أعيادهم و ممارسة الحياة العادية للمسلم في مثل تلك الأيام بدون أي فارق.
    و الدليل علي أن هذا تشبهٌ بهم أنه: لو قاموا بتغيير تاريخ الاحتفال فسيقوم المُهنئ المسلم بتغيير تاريخ تهنئته تبعاً لهذا كما يفعلون، مما يعني أنه يتبع تغييراتهم و تحديداتهم و هذا من التشبه في العادات، و لكنها هنا تتصل بالدين فصارت تشبهاً دينياً مُحرماً.
    و قد قال الله تعالي:﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾[المائدة]، فحتي الأعياد الصحيحة لا نشاركهم فيها و لا نخصها بالتهنئة إلا إذا أقر بها الله تعالي أو الرسول صلوات الله و سلامه عليه. و كما قيل في مقالٍ في موقع صوت السلف:
    (وقد كان اليهود مع المسلمين بالمدينة سنين؛ فهل هنأهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولو في حديث واحد؟! ولو مرة واحدة هنأهم فيها بعيد من أعيادهم؟!، ولقد كان النصارى في الشام ومصر مع المسلمين بعد فتحهما؛ فهلا أوجدونا أثرًا واحدًا صحيحًا عن أحد من الصحابة أو التابعين في تهنئتهم بأعيادهم؟!).
    مع أن الصحابة رضوان الله عليهم نقلوا لنا حتي كيفية قضاء الحاجة علي السنة، فكيف لم ينقلوا لنا توضيح النبي صلوات الله و سلامه عليه أن هذا الأمر من العادات التي لا ترتبط بالدين، رغم تعرضهم لهذا الموقف كثيراً جداً !
    و الخلاصة في قول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (فليس للمسلم أن يتشبه بهم لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا في عباداتهم؛ لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل، الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة و عيسى بن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل (عليهما الصلاة والسلام) حيين لم يكن لهما شرعٌ متبع، بل لو كانا موجودين بل و كل الأنبياء لما ساغ لواحدٍ منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة، فإذا كان الله تعالى قد مَنَّ علينا بأن جعلنا من أتباع محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فكيف يليق بنا أن نتشبه بقومٍ قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا و ضلوا عن سواء السبيل، قد بدلوا دينهم وحرَّفوه و أوَّلوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أوَّلاً، ثم هو بعد ذلك كله منسوخٌ، والتمسك بالمنسوخ حرامٌ لا يقبل الله منه قليلاً و لا كثيرا، ولا فرق بينه وبين الذي لم يُشَرَّع بالكلية، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم)[البداية والنهاية]

لكن ما يصدع القلب أننا نعلم أن الإخوان قد أرسلوا وفداً يحضر القداس داخل الكنيسة فعلياً !، بل وصفوا هذه المناسبة الشركية بأنها (المناسبة الجليلة) و هذا من المخالفة لدين الله تعالي عياناً بياناً؛ لأنهم يعتمدون علي كلام النصاري في توقيت ميلاد عيسي عليه السلام، و المسلمون يعلمون أن كل ما عند النصاري محرفٌ تماماً !
بل و الأكثر من هذا أن الإخوان يستشهدون بقول الله تعالي (لتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) علي أن النصاري يحبوننا ! مع أن بقية الآية تقول أن هذه الفئة هي التي تدخل الإسلام بعد هذا:(وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ @ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ @ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ @ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ). أما الفئة الأخري التي تعبد المسيح عليه السلام مع الله تعالي فهم مشركون بالله ينطبق عليهم قوله تعالي:(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ) و كذلك الآية (
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) و لا جدال.

نهايةً: أدعو إخواننا في جماعة الإخوان المسلمين للتفكير ملياً قبل فعل هذه الأمور التي تشق الصف الإسلامي، فليست أمورٌ كهذه بالهًيِّنة مطلقاً؛ لأنها تطعن عقائدنا في الصميم، و لا يُتصور بعد هذا أن نُغطي أعيننا و نصمت لحفظ وحدة الصف، بل سنكون أول من يقلب ظهر المِجَن و نعلنها صريحةً أن هذا من التلون المرفوض.
و نسأل الله تعالي العفو و العافية.

هناك 6 تعليقات:

  1. بالمناسبة فقد أنشأت صفحةً رسميةً للمدونة علي الفيسبوك:
    http://www.facebook.com/pages/أفكار/105559026231501
    أرجو أن تُسجلوا إعجابكم بها like و تشاركوها share.

    ردحذف
  2. أنا لا استعمل الفيسبوك للأسف.
    المشايخ في سوريا حرمّوا الدخول على الفيسبوك، كبار المشايخ.

    ردحذف
  3. !!!
    و ما الذي جناه ذلك المسكين ^_^

    ردحذف
  4. ماالذي جناه، برأيهم هو السبب في هذه الفتن التي تحدث في العالم العربي و الاسلامي.
    و بما أننا نأخذ بكلام المشايخ فيجب أن نطيعهم و لا ندخل إلى الفيسبوك لأنه حرام.

    ردحذف
  5. هو وسيلةٌ تتأثر بطريقة الاستعمال.
    علي كل حال لكل بلدٍ ظروفه و خصائصه، و الفتوي قد تتغير بتغير الظروف.

    ردحذف
  6. نعم، هذا ما قصدته، لم أكن أخرج عن الموضوع، هي فتاوى تتغير بتغير الظروف، كذلك الأمر في تهنئة النصارى بأعيادهم هو من باب القسط و البر برأيي.

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.