السبت، 28 أبريل، 2012

علوم الأصول و أصول العلوم

منذ صغري (و حينما بدأت اهتمامي بالمجال العلمي) لاحظت شيئاً هاماً للغاية، كان ذلك الأمر هو أنني أهتم أكثر ما أهتم بالعلوم التي تعتبر هي الأصول و القواعد الأساسية في المجالات العلمية التي تنتمي لها.
يعني علي سبيل المثال: حينما أخذت في تحصيل العلوم الشرعية وجدت نفسي أنساق رويداً رويداً إلي تعلم أصول الفقه و أصول الحديث، بينما ينهمك جل من حولي في تحصيل فروع الفقه حسب مذهبٍ معين (أو علي اختيارات صاحب الكتاب المدروس) !
و حينما  أخذت في تحصيل العلوم البرمجية وجدتني أنجذب ناحية علوم تصميم لغات البرمجة (أو نظرية لغات البرمجة PLT- programming language theory) المترجمات compilers و المفسرات interpreters و أنظمة التشغيل operating systems، بينما جل من حولي انشغلوا بالشبكات networks و قواعد البيانات databases و تصميم مواقع الشبكة web pages !
و حين كنت خارج دائرة البرمجيات: كنت منشغلاً بالرياضيات و مولعاً بها إلي أقصي الحدود، و لي في هذا المجال ما أحب أن أفصح عنه بعد فترةٍ حينما أصل في مشروعي البرمجي (البرمجة بإبداع) إلي نقطةٍ متقدمةٍ بإذن الله تعالي.
و علي هذا فقِسْ في باقي نواحي الحياة.
و بالطبع فقد جعلني هذا أبدو شاذ الفكر أمام كل من حولي، فلا أحد يشاركني في تلك الاهتمامات علي الإطلاق، و زاد الطين بلةً أنني دائماً (و بدون قصدٍ و تعمد) ما أقتنع بما لا يهواه الآخرون و يرونه عين الخطأ !
فلو نظرنا مثلاً إلي علوم الشرع: فسنجد أنني ما إن تعمقت في أصول الفقه بعض الشيء حتي تشبعت اقتناعاً بمنهج أهل الظاهر ! بينما إخوتي و أحبتي في الله من السلفيين أقرب لمدرسة الإمام بن تيمية رحمة الله عليه في المذهب الحنبلي. و قد جعلني هذا أشعر بكثيرٍ من الغربة بينهم رغم أنهم الأقرب إلي تفكيري و منهجي !
و لو نظرنا إلي العلوم البرمجية  فسنجد أنني أخالف جل الناس في نظرتهم للغات البرمجة الحالية و في تصور ما يجب أن تكون عليه في المستقبل، و تعدي الأمر لغات البرمجة إلي تصوري لأنظمة التشغيل، و للعتاد الصلب ذاته، بل و لفكرة الحوسبة نفسها !
و أهم النقاط التي أريد أن أركز عليها هو أنني لا أتعمد المخالفة لمجرد المخالفة، و الله علي ذلك شهيد. و لكني لا أغير قناعاتي إلا بأدلةٍ و براهين تقنعني، و بينما يناقشني من حولي في الفروع و يكثرون من التفريعات عليها أجد أنهم يغفلون أصولاً تجعل تلك الفروع باطلةً بالكامل و لا يمكن البناء عليها.

و أعود إلي  الحديث عن علوم الأصول لأنبه إلي أن من ميزة التخصص فيها: أن أي إنجازٍ تحرزه ينعكس علي  كل من يستخدم تلك الأصول، و لو ضربنا لذلك مثالاً بتطوير خوارزمٍ algorithm جديد لفعل شيءٍ ما بحيث يتطلب ذاكرةً أقل و جهداً أقل من المعالج processor فسنري أن هذا سيؤدي إلي استفادة كل من يستخدم ذلك الخوارزم بشكلٍ مباشر، و كل من يستخدم المكتبات التي تستخدم هذا الخوارزم بشكل غير مباشر، و هكذا.
و لو أنك زدت سرعة بعض العمليات المكلفة من حيث الذاكرة أو استهلاك المعالج في بيئة الـJRE الخاصة بالجافا لوجدت أن الملايين سيستفيدون منها دون أن يحسوا بذلك من الأصل !
لذلك فأريد أن أختم هذه التدوينة بدعوة الكل للاهتمام بـ(أصول العلوم) أو (علوم الأصول)؛ فمن دونها يتخبط الإنسان في ظلمات التقليد الأعمى، و لا يدري أبِنَاؤه راسخٌ في الأرض أم علي شَفَا جُرُفٍ هَارٍ. و بهما يمتلك الإنسان القدرة علي تغيير الكثير و التأثير في عمل الأكثرين حتي بدون قصده أو علمهم.

هناك 8 تعليقات:

  1. إلهذا وضعت إلى جانب اسمك (الظاهري)،بصراحة أنا اعطي نقاطا سلبية على هذا، إما أنك تمدحك نفسك، طبعا غير صحيح، أوانك تنشيء جماعة تؤدي إلى التفرقة، أو تعرف منهجا أو صفة لن تتخلى عنها، و هذا غير مقبول، لربما اكتشفت شيئا يجعلك تميل إلى نموذج آخر، ماذا تفعل تكون متقلبا أم تتزمت للرأي الأول؟
    لا تصف نفسك، اجعل الآخرين يعرفون صفاتك من خلال معاملاتهم معك، لا اجدها مقبول أن اصف نفسي إلى جانب اسمي (الصريح، المجد، الذكي، الأحمق إلخ)

    ثانيا لا تعتمد على أي منهج فكري في الدين، كما قال الإمام مالك إذا صح الحديث فاضربوا كلامي بعرض الحائط، إن الصحة متفاوتة بين الجميع، لكل هفواته الخاصة و تخبيصاته،
    بالنسبة لي أنا لا اعتمد أي منهج أو مذهب، و هذا يجعل من بعض الآخرين يخرجني من الملة للأسف، و لكنني اعتمد منهج الرسول عليه الصلاة و السلام.

    ردحذف
  2. أتفهم موقفك جداً، و لكن هناك أمران دفعاني لوضع اسم المنهج الذي أنتهجه في اسمي، أولهما أن الظاهرية منهج و ليست مذهب، و التسمي بالمنهج غير مذموم كالتمذهب الجاف، و ما مسميات (أهل الحديث) و (أهل السنة) و (أهل الأثر) و (أهل الجماعة) إلا أمثلة علي هذا.
    ثانياً هناك كثيرٌ من الظروف التي تجعلني حينما أصرح بمنهجي أتفادي الكثير من وجع الرأس، و لو كان بإمكانك أن تضطلع علي كواليس المشهد السياسي الخاص بالتيارات الإسلامية في مصر و رأيت آرائي لعلمت أنني أتفادي كثيراً من الجلبة حولي بمجرد وصف المنهج الذي أنتهجه في التفكير. فبهذا لا أضطر في شرح الأصول التي بنيت عليها قناعاتي من البداية، بل يدرك الطرف الآخر أنني قلت كذا لأنني مقتنع بكذا و كذا، فيناقشني (إن قرر النقاش) في الأصول ثم في الفروع.

    أما عن التخلي عن المسمي فممكنٌ جداًً، فالأساس عندي هو المنهج، و لكن التخلي عن منهج الظاهرية محال، ليس لأنني متمذهبٌ متعصب، بل لأن الظاهرية هي نفس ما قلته أنت حينما وصفت طريقة تفكيرك: إذا صح الحديث فهو مذهبي، و أهل الظاهر ينكرون معارضة القرآن أو السنة بظنٍ أو آراء رجال، و لا يزيدون علي النص القرآني أو النبوي مطلقاً. و هكذا فهو المنهج الأصفي و الأنقي و الاكثر تجميعاً. و لو أنك تتبعت أسماء أئمة اهل الظاهر لرأيت العلماء ينسبون لهم من هو مثل احمد بن حنبل رحمة الله عليه ذلك لأن منهجه قائمٌ علي التقيد بالكتاب و السنة و الأثر !
    بل و زاد أعداء أهل السنة علي ذلك أن نسبوا السلفية (أو كما يصفونها بالوهابية) بأنها ظاهرية جامدة ! فالمنهج الظاهري حقاً هو أول الفكر و آخر العمل لمن أنصف.

    ردحذف
  3. "و لكن التخلي عن منهج الظاهرية محال"
    هممم، ربما علي أن أنتظر فترة من الزمن لاثبت عدم صحة كلامك، لا اعتقد انني سأعيش إلى هذه الفترة :P

    بمجرد وضع التسمية اصبحت فرقة سواء سميت منهج أم مذهب أم طائفة أم جماعة.

    في العنوان "و هي تأكيدٌ عمليٌ علي أن المسلم العادي يجب أن يكون كتلةً من العلم الشرعي و الحياتي و الأدبي"

    على مهلك، هذه فورة الشباب على ما اعتقد، دعنا نكتشف ذلك بأنفسنا و خفف من التفاصيل في مقالاتك.

    أما عن المنهج الظاهري، فلا اعتقد أني من محبيه (حسب ظني) للمثال التالي

    2969 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ
    حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ

    الحديث للمثال لا للمناقشة
    هنا قال الرسول عليه الصلاة و السلام "الرجل" إذاً ظاهر الحديث يخص الرجال لا النساء، يعني لا ينطبق الحديث على النساء، حسب اعتقادي (فهمي) هذا هو المنهج الظاهري.؟

    ردحذف
  4. متعك الله بالعمر الطويل في طاعته عز و جل.
    و ماذا في فورة الشباب ؟، دعني أستمتع بها قبل الزواج علي الأقل ^_^

    الظاهر ليس ما يعنيه اللفظ دائماً؛ فقد يُصرف المعني عن الظاهر اللغوي إلي معني آخر إذا استخدمه أهل اللغة في ذلك، أو دل دليلٌ شرعيٌ علي تغير المعني (مثل لفظة الحج بمعناها اللغوي و معناها الشرعي).
    أنا أفضل أن تقرأ عن منهج الظاهرية من علمائه الأجلاء، و خذ هذا الرابط كمثال:
    http://www.zahereyah.com/vb/

    ردحذف
  5. أخ، يرفض القياس؟
    لا لايعجبني :P

    ردحذف
  6. هههههههههههههههههه
    فماذا عن رفض الاستحسان، و المصالح المرسلة، و سد الذرائع و غيرها ^_^
    ربمايحلو لك أن تدخل لتناقشهم بصفتك محباً للقياس (سيكون ممتعاً رؤية ردود الأفعال) ^_^

    ردحذف
  7. لا احب المنتديات، بيتكاثروا عليك، لا يوجد عدالة في النقاش.
    لا اعرف البقية، أذكر سد الذرائع و التي تستخدم بافراط و لا احبها، لست متعمقا بهذه الأمور، لكني أعتمد في الأمور المالية على نفسي في الاستنتاج و لا اعتمد أي مذهب أو شيخ أو منهج، أما بقية الأمور فأرجع إلى اهل العلم، بشرط أن يأتي بالأدلة الثابتة.
    اعتمادي على نفسي يسبب لي مشاكل مع الآخرين نظرا لفقري الشديد في هذه المسائل، و لكن ما حك جلدك مثل ظفرك (الامور المالية نظرا لعملي في هذا المجال كمحاسبة و كبرمجة).

    ردحذف
  8. حقاً و صدقاً، لذا أنشأت المدونة حتي لا أناقش إلا من لا يحب هرج المنتديات و أكون أكثر حريةً في شرح أفكاري.
    أحب فكرة الاعتماد علي النفس بشدة، و لكني أربطها بقوة بالتفقه العميق و أجعل هذا كله وصفاً من أوصاف المسلم العادي. لا تنس نظرتي للمسلم علي أنه "يجب أن يكون كتلةً من العلم الشرعي و الحياتي و الأدبي" ^_^

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.