الأحد، 27 مايو، 2012

المُدَارَسَة، و جذب ذيل القط

المُدَارَسَة، و جذب ذيل القط

هناك أسلوبٌ لا يخيب لتعميق الفهم و تبادل الخبرات و الفوائد و هو أسلوب النقاش العلمي الودي، أو ما يسميه علماء الشريعة الإسلامية (المُدَارَسَة)، و أريد هنا أن أنبه إلي أهمية هذا المبدأ و كيفية الاستفادة القصوي منه.
بدايةً أنا أُطلق علي المُدارسة اسم (جذب ذيل القط) ^_^ ؛  و ذلك لأن القط بطبعه كائنٌ أقرب للاسترخاء و الاستلقاء، بينما لو داعبته (ربما بجذب ذيله) و حَمَّسته لِلَّعب لوجدته من أنشط الكائنات و أشدها حيوية !
و المبرمج عندي أشبه ما يكون بهذا: حيث ربما تري مبرمجاً أقرب ما يكون للخمول و الاسترخاء و البعد عن التعب العقلي، و لكن حينما تُجرب جذب ذيله و إثارة حماسه تجد أنه انتبه و أتي من الأفكار بأجملها !
و يمكننا أن نري هذا علي سبيل المثال في المُنتديات و المُدونات، فربما يكون أحد المبرمجين الصغار غير متحمسٍ للنظر للبرمجة علي أنها: عالمٌ متفردٌ يستحق الاهتمام بقوة، بل ينظر لها علي أنها مهنةٌ كغيرها من المهن الأخري. و لكن لو رأي مدونةً هنا أو هناك أو ارتاد منتديً و خاض المناقشات و التحديات العلمية فربما يتحول الأمر عنده إلي نوعٍ من "اللعب" و "المتعة".
و لأني أدركت هذا منذ فترةٍ فقد كنت أطوف في أحيانٍ كثيرةٍ علي الشبكة بحثاً عن المواقع التي يمكنني فيها أن أجد من يجذب ذيلي أو أتبادل معه الخبرات العلمية (علي الأقل آخذ منه خبراته P: )، و لأن المنتديات تتميز بالصخب و الزحام الشديدين (و أنا أمقت كليهما)، و ربما نوعٍٍ من أنواع إحباط الآخرين أو النفاق العلمي: فقد قررت أن أكتفي بالمدونات التقنية. و في تدويناتٍ سابقةٍ كنت قد أدرجت روابط مدوناتٍ أجد أنها في غاية الإفادة (ربما لتقارب الفكر بيني و بين أصحابها الكرام).
و الحق أن الثقافة الإسلامية تزخر بالتطبيقات العملية لمبدأ المدارسة، بل إن هذا هو الأصل في الثقافة الإسلامية. و لو نظرنا إلي حلقات العلم التي كان علماؤنا يعقدونها في المساجد و في دورهم و في الأسواق لوجدناها تطبق هذا الأمر عملياً.
صحيحٌ أن هناك عصورٌ ساد فيها كَسْرُ القلم و جَلْدُ الظهر و امتحان العقيدة (كما في الفتن التي أثارها المعتزلة و من تأثر بهم من الخلفاء و منها فتنة الإمام بن حنبل، و كذا الفتن التي أثارها الأشاعرة و منها فتنة الإمام بن تيمية)، إلا أن هذا ليس إلا نقطةً في بحرٍ من الماء الفُرات.

إلا أن للمدارسة آدابها و قواعدها التي لا بد منها لكي لا يتحول الأمر إلي غير المرجو منه، و منها:
  • ابتغاء الفهم و الوصول إلي الصواب و الإذعان للدليل، أي استحضار نية التعلم لا المغالبة؛ فلو أصبح الامر صراعاً علي هوية المصيب و هوية المخطئ: فسيكون كل المُتَدّارِسين خاسرين أبلغ الخسارة.
    و لو كان منهج أيٍ من الاطراف نبذ الدليل إذا كان يؤدي لتغليب صحة القول الآخر: فإن هذا يُحوِّل المُدارسة إلي مشاحنةٍ و مشاغبة، و الحصيلة النهائية الوحيدة من ورائها هي ضياع الوقت و الجهد (و علي الأغلب العلاقات الشخصية بين المتشاحنين).
  • الاتفاق المسبق علي مواضيع النقاش و نقاطه و ترتيبها بين المُتدارسين لكي يستطيع كلٌ منهم الاستعداد بشكلٍ جيدٍ للمناقشة، فيزيد الحق جلاءاً و الفائدة حجماً.
  • الاحترام المتبادل بين المتناقشين، فالحق أن مُدارسة العلم لا تكون في أوج قوتها و فائدتها إلا بين المتحابين ذوي العلاقة المتينة الصافية.
  • اختيار الوقت المناسب للمناقشة، و في نظري فالأوقات الأفضل هي: بعد صلاة الفجر (إن كانت هناك إمكانيةٌ لذلك) أو بعد صلاة العشاء (و هو الوقت الأكثر مناسبةً للأغلبية العظمي).

و ختاماً أذكر المرويات التالية للدلالة علي حب طلب العلم و مُدارسته (و لا أعرف صحتها من ضعفها):
روى المعافى بن زكريا -رحمه الله- عن بعض الثقات أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري -رحمه الله- قبل موته بساعة، و ذكر له الدعاء عن جعفر بن محمد  فاستدعى محبرةً و صحيفةً فكتبه، 
فقيل له: "أفي هذا الحال ؟"
فقال: "ينبغــــي للإنسان ألا يــــدع اقتبــــاس الـعـلم حتـــى الممـــات"
(تاريخ دمشق و مختصر نصيحة أهل الحديث).
و روي أن إبراهيم بن الجراح الكوفي -رحمه الله- قال :"مرض أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، فأتيته أعوده فوجدته مغمىً عليه، فلمــــا أفــــاق قــــال لــــي: "يا إبرهيم، مــــا تقــــول فــــي مسألــــة ؟"
قلت: في مثل هذا الحال ؟ 

قال: "و لا بــــأس بذلك؛ ندرس لعــــله ينجو به نــــاج."
(مناقب أبي حنيفة، للمكي).

الأحد، 20 مايو، 2012

اقتراب موعد إطلاق مشروع البرمجة بإبداع ^_^

من المتوقع بإذن الله تعالي أن يتم الإعلان عن انطلاق مشروع البرمجة بإبداع بعد أسابيعٍ قليلة، و بهذه المناسبة فقد صنعتُ مدونةً خاصةً بالمشروع لتكون الموقع الرسمي له حالياً (حتي يتيسر حجز نطاقٍ خاصٍ بإذن الله عز و جل فيما بعد).
و قد وضعتُ رابطاً لذلك الموقع في هذه المدونة بالأعلي (كما في الصورة الجانبية).
الجدير بالذكر ها هنا أن مشروع البرمجة بإبداع قد بدأ منذ أكثر من عامٍ و نصف (أي مع بداية تخرجي من كلية الهندسة)، و قد استفرغت فيه وقتاً و جهداً عظيمين بفضل الله تعالي، و أدعوه عز و جل أن يكتمل الأمر علي النحو الذي يرضيه.

الاثنين، 14 مايو، 2012

عن التدوين

ما هو التدوين بالنسبة لي ؟
أولاً: هو المُتَنَفَّس الأول (و حالياً الوحيد) لأفكاري و طموحاتي؛ فما دمت لست بالكاتب الصحفي، و لا بالمؤلف أو المحلل السياسي الذي تنشر كتاباته في الصحف و المجلات، و يُستضاف في وسائل الإعلام المرئية و المقروءة ليدلي بتصريحاته و آرائه: فليس أمامي إلا التدوين لأنقل به أفكاري من مجرد شحناتٍ كهربائيةٍ في تلافيف مخي إلي بقية الناس من حولي (و إن كان عددهم قليلاً).
كما أنه صمام أمانٍ قويٍ لي؛ فأنا ليس أكثر مرارةً في حلقي من منعي من إبداء آرائي بدون وجه حق، و الصورة الذهنية التي تمثل تلك الرقابة في عقلي هي: التقييد الكامل الذي يؤلم و يُدمي و يمنع من الصراخ !
ثانياً: التدوين نقلٌ رائعٌ للخبرات، و لو أحسن القاريء اختيار المدونات التي يتابعها فسيكون قد أحسن الاختيار لنفسه من بين مصادر التغذية العقلية المتاحة، و ربما تكون الخبرات التي تنتقل له بمجرد قراءة التدوينات المختلفة أكثر قيمةً و فائدةً من قراءة الكثير من الكتب التي يتحدث مؤلفوها عن ذات الأمور و لكن بشكلٍ نظريٍٍ بارد.
ثالثاً: التدوين حافزٌ جيدٌ للاضطلاع والتحصيل العلمي؛ حيث يحاول صاحب المدونة البحث عن المواضيع التي يمكنه الكتابة عنها و يمكنها أن تشد القراء و تجعلهم يحبون القراءة له ويستمتعون بها، و بمرور الوقت يكتشف صاحب المدونة أنه قرأ الكثير و الكثير و فهمه لهذا السبب، و في النهاية سيكتشف أنه كان من أكثر الناس استفادةً من عملية التدوين نفسها.
رابعاً: التدوين سجلٌ قد يبقي فترةً طويلةً للغاية، بمعني أنه يعطيك أنت نفسك الفرصة لمراقبة تطورك الذهني (إن كنت مدوناً نشطاً)، و الفرصة للحكم علي كيفية معالجتك للأمور و الحكم عليها، و ربما تغيربعض قناعاتك بمجرد النظر إلي آرائك القديمة و الحديثة و المقارنة بينهما !


عَمَّا أحب التدوين ؟
أحب التدوين (كما هو واضحٌ عملياً في هذه المدونة) عن كل ما أحب الحديث عنه، و هو يشمل فيما يشمل: السياسة و العلوم و الأدب و ربما بعض الفكر الديني. إلا أنني لا أكتب إلا ما أعتقده حقاً و ألتزم بالدليل و البرهان قدر الاستطاعة (و أسأل الله تعالي التوفيق في هذا).


ما هي عيوب التدوين في نظري ؟
قد يجعل إدمان التدوين المرء من النوع الذي يهرف بما لا يعرف، و تصير كل مدوناته سيئاتٍ جاريةٍ يندم بسببها يوم لا ينفع مالٌ و لا بنون إلا من أتي الله بقلبٍ سليم.
كما أنها قد تخلقث العداوات البالغة بين الناس؛ فرُب كلمةٍ لا يلقي لها المُدَوِّن بالاً تهدم ما بينه و بين أقرب أصدقائه إليه. و الاستسلام للهوي و اتباعه يورد موارد الهلكة. و نسأل الله تعالي العفو و العافية.



هل توافقونني علي هذا ؟

الثلاثاء، 8 مايو، 2012

شجاعة الجهل و الطموح المتوحش.

في أحيانٍ كثيرةٍ قد يقوم الواحد منا بسهولةٍ بأفعالٍ لو عرف مقدار خطورتها أو صعوبتها في البداية لما استطاع القيام بها ! و ربما يكون أهل الخبرة فيها و المتمرسين علي أدائها قد أحجموا عن ذلك لما يعرفونه (أو جربوه) من صعوبتها و العنت الذي يلقاه حتي أهل الخبرة.
و قد تحدث د. أحمد خالد توفيق عن هذا الأمر في مقالٍ ماتعٍ له تحت عنوان (عن شجاعة الجهل)، و حكي فيه عن مواقف حدثت له ما كان ليمر بها لولا جهله بصعوبتها أو خطرها !، و أحد هذه المواقف ما يلي:


و لو حاولنا الربط بين هذا التنظير و واقع تاريخ الحوسبة computing history لوجدنا سوابقاً تاريخيةً كثيرةً لهذا الأمر، بل و ربما كانت الإنجازات الأضخم في ذلك التاريخ من النوع الذي يسري عليه قانون شجاعة الجهل !
و منها علي سبيل الأمثلة لا الحصر:
  • بدء إنتاج أجهزة apple بالتعاون ما بين ستيف جوبز و ستيف وزنياك. و لو كانوا من دارسي اتجاهات الأسواق و تدفقات و استثمارات رؤوس الأموال (إلي آخر هذه الأمور الغريبة) لما أصبحت لديهما الجرأة علي التفكير في تصنيع حاسوبهم الخاص و منافسة الشركات الضخمة مثل IBM.
  •  بدء مشروع نواة اللينوكس Linux kernel علي يد الطالب (لينوس تورفالدز)، ثم الطموح المجنون المتوحش لغزو العالم كله و أخذ مكان الويندوز و بقية تفرعات الأنظمة شبيهة اليونيكس unix- like OSs، و لو رأي (لينوس) كمية النقود التي تنفق علي تطوير تلك الأنظمة و عدد المبرمجين المخضرمين الذين يقضون حياتهم في تطويرها ربما كان سيبتاع لنفسه نسخةً من الويندوز و يريح ذهنه :)
  • بدء مشروع واجهة الـKDE علي يد الطالب الجامعي Matthias Ettrich الذي لم يعحبه حال واجهات الأنظمة شبيهة اليونيكس فأراد أن يصنع الواجهة التي يتمناها لنفسه، من حيث سهولة الاستخدام و قابلية التخصيص و الشكل الجمالي، و أظن أنا أنه قد نجح تماماً فيما يسعي إليه.
إذاً: ما الذي نستنتجه من كل هذا ؟
في نظري فإن أهم عبرةٍ يمكننا أن نستخلصها من كل ما سبق هي ما عرفه و قرره علماء الشريعة الإسلامية منذ القدم و ما لخصوه في القاعدة الأصولية: 
قد يدرك المفضول ما لا يدركه الفاضل.
يعني أن الأقل فضلاً و علماً قد يصل إلي ما لا يصل إليه الأكثر علماً و فضلاً ! أو علي الأقل قد يغفل الأكثر علماً عن بعض الأشياء بينما ينتبه إليها الأقل علماً.
و أختم بما ختم به د. أحمد خالد مقاله، حيث كتب:
 

السبت، 5 مايو، 2012

أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة !

وجوهكم أقنعةٌ بالغة المرونة
طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة
صفق إبليس لها مندهشاً، وباعكم فنونه
وقال: " إني راحلٌ، ما عاد لي دورٌ هنا
دوري أنا أنتم ستلعبونه"

ودارت الأدوار فوق أوجهٍ قاسيةٍ
تعدلها من تحتكم ليونة.
فكلما نام العدو بينكم رحتم تقرعونه،
لكنكم تجرون ألف قرعةٍ لمن ينام دونه.

وغاية الخشونة،
أن تندبوا: " قم يا صلاح الدين، قم "
حتى اشتكى مرقده من حوله العفونة.
كم مرةٍ في العام توقظونه،
كم مرةٍ على جدار الجبن تجلدونه،
أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة !

دعوا صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه؛
لأنه لو قام حقاً بينكم فسوف:  تقتلونه.

للشاعر: أحمد مطر

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.