الثلاثاء، 7 أغسطس، 2012

سيبويه: من للعربية مثلك اليوم ؟

سيبويه: من للعربية مثلك اليوم ؟

بدايةً: ليس هذا الموضوع للتباكي و جلد الذات، إنما هو مقالٌ مختصرٌ جداً لعرض الواقع المؤلم الذي نرزح تحت أثقاله ليل نهار، و كذا لعرض بعض ما يمكننا فعله للمساهمة في تغييره أو علي الأقل كنوعٍ اعتذارٍ لربنا جل في عُلاه.


الموضوع كما هو واضحٌ يتحدث عما وصلت إليه لغتنا العربية اليوم من ضعفٍ و إهمالٍ بل و احتقار، و للأسف يبلغ الإهمال أقصي مداه و الاحتقار أقصي درجاته كلما اقترب المرء منا (نحن العرب) من مستوياتٍ علميةٍ متميزةٍ و قُدِّر له أن يعيش في الخارج بقية حياته.

و مظاهر هذا الإهمال تتفاوت من حيث شدتها و نوعيتها، و منها:
  • إهمال التحدث بالفصحي:
    و هذا النوع تجده عند كثيرٍ من مدعي المشيخة، أي من ينسبون أنفسهم إلي العلم الشرعي و هم فيه كذبابٍ حط علي خير طعام، و كان يُفترض بهؤلاء كنتيجةٍ لما يتحملونه من مسؤوليةٍ أن يكونوا عبرةً لغيرهم من حيث المحافظة علي لغةٍ سليمةٍ قوية في غير تنطع؛ فهم أهل اللغة و كل علومهم تتعلق بها تعلقاً تاماً، و كذا فإنهم يخاطبون أمة الإسلام بأكملها و التي لا يمكن خطابها بأجمعها إلا بالفصحي المُوَحَّدة.
    علي أنه يجب التنبه إلي أن استخدام العامية مع الفصحي ليس من هذا القبيل من الإهمال؛ فالداعية يحتاج أيضاً إلي نوعٍ من التبسط مع من حوله من العامة بما لا يُتاح عند استخدام الفصحي للضعف اللغوي عند المُتلقين. و إنما المقصود هو الإهمال التام الواضح.
  • إهمال تعلم قواعد الفصحي الصحيحة:
    و هذا نجده عند من يفترض أنهم طلبة العلوم الشرعية و الأدبية، و هذا واحدٌ من الأمراض التي عاينتها بنفسي عند من يتعرض لتحصيل هذه العلوم من شبابنا اليوم. و يعتبر جزءاً من إهمال تعلم علوم الأصول التي تحدثنا عن أهميتها من قبل.
    و هو أمرٌ مؤسفٌ بالفعل لما يتضمنه من اعترافٍ جزئيٍ بسوء آليات التوعية الدينية عند شباب الصحوة الإسلامية، أو علي الأقل عدم التزام الكثير منهم بالآليات الصحيحة المؤهِّلة لهم علمياً.
  • الحط من قدر اللغة العربية و كل ما يتعلق بعلومها:
    و هذا الضرب نجده عند أغلب الليبراليين و العالمانيين و متطرفي النصاري و من خالطهم؛ فعلي الرغم من أن تنظيراتهم تخلو من هذه الجزئية كجزءٍ لا يتجزأ من منهجهم الفكري الوضعي، إلا أن لازم تلك القواعد و التنظيرات يؤدي بهم إلي البعد عن الثقافة الإسلامية التي تُعتبر هي الحافز الأكبر للالتصاق بالعربية و تلقي علومها علي أوسع نطاق.
    و قلتُ "معظمهم" لأن منهم من لا يلتزم بذلك الإهمال، بل قد نجد منهم من هو عَلَمٌ من أعلام اللغة و الأدب، و لا يمكننا أن ننكر أن أغلب الأدباء الحاليين و السابقين في العصر الحديث نشؤوا نشأةً عالمانيةً صُرفة إن لم تجعلهم يُعادون الحركات الدينية أشد العداء فعلي الأقل تجعلهم يبتعدون عنها و عن التأثر بها في كتاباتهم (و انظروا إن شئتم إلي مقالات د. أحمد خالد توفيق السياسية لتروا مثالاً حياً علي هذا).
  • التحدث بغير العربية في الأمور العلمية:
    و من هذا ما رأيته بنفسي و مزَّق قلبي تمزيقا، فقد قابلتُ مجموعةً من الشباب العربي المتميز علمياً و كدَّر عليَّ عيشي أن الشباب كلما كانوا يتناقشون في موضوعٍ علميٍ ما تنقلب لغتهم مباشرةً إلي الإنقليزية ! و الحق أن لغتهم الإنقليزية كانت من النوع الذي يأتي بالتعايش المستمر و ليس بمجرد القراءة للكتب العلمية المكتوبة بها.
    و بالطبع كان لهذا وقعٌ سيءٌ جداً علي نفسي؛ فأنا من أشد المحبين للغة العربية أصلاً، بالإضافة لكل ما أحس به تجاه الغزو الفكري و الانسلاخ من عباءة الهوية الإسلامية (أو العربية في حالة العرب غير المسلمين).
    و لا أعتب علي الشباب كثيراً في حقيقة الأمر، لأنهم حَصَّلوا تلك العلوم التي يتناقشون فيها باللغة الإنقليزية، فبالتالي صار من المحال بالنسبة لهم أن يناقشوها بحريةٍ بأي لغةٍ أخري و إن كانت لغتهم الأم. 
    الشيء الوحيد الطريف هنا أنني لا أستطيع بدوري مناقشة الأمور العلمية بحريةٍ إذا كنت أتحدث بالعامية، بل يمكنني فعل ذلك فقط بالفصحي (حقاً و صدقاً) ! و إن كنت لا أدري أأمرٌ نفسيٌ هو أم نتيجةٌ لثقافتي العربية المتعمقة في طفولتي.
    و كان الشباب كلما ازدادوا من الإنقليزية ازددت من الفصحي و ربما بدا الأمر لبعضهم نوعاً من التوازن.


ما يمكن لكل منا المساهمة به: يمكن لنا أن نفعل كلاً أو أياً مما يلي:
  • الإكثار من القراءة بالفصحي و تدريب اللسان علي النطق بها. و بالطبع فإن خير ما تلهج به الألسنة و ترطب به هو كتاب الله تعالي، ثم أحاديث رسول الله صلي الله عليه و سلم الصحيحة.
  • مشاهدة الأعمال التسجيلية التي تستخدم الفصحي.
  • كتابة بعض الأعمال الأدبية البسيطة بالفصحي.
  • تلقي العلوم اللغوية البسيطة.
  • التعمق في العلوم اللغوية.
  • نشر الثقافة اللغوية بين الناس و ربطها قدر الإمكان بالعلم الحديث حتي يصبحان شعورياً مترادفين عند الناس، علي عكس ما يفعله العالمانيون من ربط التحدث بالفصحي بالتشدد الديني و السخافة العقلية.
  • الكتابة عن الفصحي و الدفاع عنها و كشف عورات مهاجميها و شانئيها.
 
في النهاية أريد أن أخبركم أن سيبويه رحمة الله عليه و هو إمام أهل البصرة في النحو و اللغة لم يكن عربياً أصلاً، بل كان فارسياً، و لكنه صار من أعظم حماة العربية و ظل الناس جيلاً بعد جيل يعتبرونه من أفصح من تحدث بالفصحي و نطق بها لسانه، و ظلوا يعتبرون كتابه المسمي بـ(الكتاب) مرجعاً يغني عما عداه !
فرحمة الله علينا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.