الخميس، 6 سبتمبر، 2012

فقط: غَيِّرْ اتجاه نظرك !

فقط: غَيِّرْ اتجاه نظرك !

قد يظن الناس الذين يعرفونني أو قرأوا لي مقالاتٍ أتحدث فيها عما أحلم بتحقيقه أنني أثق في نفسي بشكلٍ كبيرٍ جداً، و أنني أُوقن أنني عبقريةٌ فذةٌ لم تر الدنيا مثيلاً لها إلا في أقل الأحيان. و أنا أرغب في البرهنة علي أن هذا الكلام خطأٌ كبيرٌ جداً.
أنا في حقيقة الأمر أثق (و لله تعالي الحمد) أنني شخصٌ حاد الذكاء بالفعل، و أن لدي في عقلي منبعاً من الأفكار و الطموحات بما يكفي لإفناء عمري كله في محاولة تحقيق جزءٍ صغير منه علي أرض الواقع، و يُسعدني هذا جداً في الواقع.
لكنني أومن كذلك أنني لست أكثر من رأتهم الأرض ذكاءاً و عبقريةً، و أثق أن لدي قصوراً كبيراً في العديد من المناحي الفكرية و المعرفية سأبذل جهداً خارقاً في محاولة السيطرة عليه و التغلب عليه.

و لكن ما لا يعلمه الناس أن مصدر الثقة التي بداخلي في أنني سوف أحقق تلك الأحلام مهما طال الزمن هو أنني أدركتُ الحقيقة التي تخفي علي الأغلبية الساحقة من بني البشر، و هي القاعدة التي أصوغُها كما يلي:
"كل مشكلةٍ لا تتطلب قدرات النبيين هي في حقيقة الأمر بسيطةٌ جداً و لها حلولٌ مباشرةٌ و في غاية البساطة، و المهم هي الناحية التي ننظر بها لتلك المشكلة".

خذوا القصة التالية مثالاً قوياً جداً لهذه القاعدة:
يُحكي أنه في أحد البلاد استدان رجلٌ فقيرٌ مبلغاً من المال من رجلٍ مُرابٍ كبير السن، و كان لدي الرجل الفقير ابنةٌ جميلةٌ صغيرة السن يريدها العجوز المرابي لنفسه زوجة كمُقابلٍ للتخلي عن الدين، فلما أيقن العجوز أن الوالد الفقير لن يستطيع قضاء الدين طلب منه و ابنتَه أن يُجروا قرعةً صغيرةً لمعرفة كيف يُمكن حل المشكلة.
قال المرابي أن القرعة ستكون كما يلي: سيُحضر هو حصاتان إحداهما سوداء و الأخري بيضاء، ثم سيقوم بوضعهما في كيسٍ غير شفاف، و علي الفتاة أن تقوم باختيار إحداهما، فإن اختارت الحصاة البيضاء قام المرابي بترك الفتاة لحالها و عدم المُطالبة بالزواج منها وإهدار الدين تماماً، أما إن كانت الحصاة سوداء اللون فيجب علي والد الفتاة أن يزوجها للعجوز و سيُسقط هو الدين لقاء ذلك، أما إن رفضت الفتاة إجراء القرعة فسيقوم العجوز بحبس والدها لعدم سداده للدين.
حسنٌ: وافقت الفتاة و وافق والدها علي إجراء القرعة آملين في النجاة من براثن العجوز المُرابي، لكن المشكلة كانت أن العجوز حينما وضع حصاتين في الكيس تنبهت الفتاة إلي أن الحصاتين كانتا سوداوان ! و لكنها لم تكن قادرةً علي الصراخ بأن العجوز يغش في القرعة لأنها بهذا ستُعرِّض والدها للحبس نظراً لعدم سداده للدين !

فما العمل في رأيكم ؟ 
و كيف يُمكن للفتاة أن تنجو نفسها و تنجو بوالدها ؟!

المشكلة تبدو مستحيلة الحل بالفعل، حتي أنني حينما فكرتُ في حلٍ مناسبٍ لها  لم أجد إلا أن تضع الفتاة يدها في الكيس ثم تُخرج الحصاتين معاً (لا حصاةً واحدة) لتُبرهن للناس علي أن العجوز مخادع، و لكني انتبهتُ إلي أن هذا يعني أن والدها سيُحبس لقاء الدين غير المُسدَّد !

ثم قرأتُ الحل الذي توصلت له الفتاة الداهية و نفذَتْه، لأُفاجأ بمدي سهولته و عبقريته !

فما فعلته الفتاة الماكرة كان ما يلي:
أخذَت حصاةً واحدةً من الكيس الذي مع المُرابي، لكنها تعمدت ألا تجعل الناس تري لون تلك الحصاة، و بعدها تظاهرت بأنها تعثرت لتقع علي الأرض و تُفلت الحصاة بحيث لا يري أحدٌ لونها مطلقاً، و بالطبع ضاعت الحصاة السوداء بين الحصي المُشابه علي الأرض.
و بعد الاعتذار عما حدثَ قالت في خجل أنه ما دام لا يُمكن معرفة لون الحصاة التي كانت معها لأنها أضاعتها فيُمكن بمعرفة لون الحصاة التي ظلت في الكيس معرفة اللون المُخالف الذي هو حتماً لون الحصاة التي اختارتها !
و بالطبع كانت الحصاة التي في الكيس سوداء لذا فقد ظن الناس أنها اختارت الحصاة البيضاء و نجت الفتاة من الزيجة المرعبة و نجا والدها من السجن !

هل رأيتم كيف كان الحل تافهاً و عبقرياً في الآن ذاته ؟!
هل رأيتم كيف قلبت الفتاة الداهية سحر المُرابي العجوز عليه لتجعل الهزيمة المُحققة نصراً مُحققاً ؟!

هذا هو عين ما أقصده: أن المشاكل التي يراها الناس مستحيلة الحل، أو علي الأقل تحتاج إلي قدرٍ كبيرٍ من النبوغ للوصول إلي حلها: أري أنا أنها ليست إلا مشاكل بسيطةٍ عاديةٍ لا تحتاج إلا إلي التفرغٍ لبعض الوقت لحلها.
و إني أحتفظ بورقةٍ تُفيدني في الأوقات التي تشتد فيها المشاكل في مشروعي و أري أنه لا قِبل لي بها، و قد كتبتُ في اعلاها مًخاطباً نفسي:
لا تيأس يا أحمق: فكم من مشكلاتٍ ألعن قد حلَلْتَ ؟!

و قد أضفتُ لها مؤخراً جملة :
تذكر الحصاة السوداء.
فكلما واجهتني مشكلةٌ أعجز أمامها أتذكر أنني بالفعل بحمد الله تعالي قد حللتُ ما هو أعقد منها بمراحل، و عندها أوقن أنني سأحلها لا محالة بإذن الله عز و جل، و لكن بالطبع إذا غيرتُ وجهة نظري.

هناك تعليقان (2):

  1. كما يُقال على المرء أن يُفكر خارج الصندوق. لذلك في البرمجة مثلاً أصبحت لا أحل المشاكل وأنا جالس أمام الحاسوب، أنما أفكر في المشاكل وأقوم بتحليلها في أوقات أخرى، مرة وجدت حل لمشكلة multi threading كُنت لا أعرف أين أضعها بالضبط، عندما كُنت أشتري من البقالة فرأيت الحل بوضوح عندما رأيت طريقة البيع لأكثر من زبون في نفس الوقت.
    وأصبحت لا أجلس في الكمبيوتر لكتابة الكود إلا عندما أجد حل للمشكلة. أحياناً أظل أفكر أيام، وأحياناً يكون الحل إداري وليس برمجي، مثلاً أن تكون الميزة التي لم أجد لها حل أن يتم إرجائها إلى نسخة قادمة.

    ردحذف
    الردود
    1. المثال الذي ضربتَه له دلالةٌ أخري تدل علي فائدة الابتعاد عن الكود أثناء حل المشاكل الخاصة به.

      التفكير خارج الصندوق (و ليس الرغبة في التفرد) مجازفة كبيرة و لكنه شيءٌ لازمٌ لا مفر منه لمن يريد أن يُصبح مبرمجاً حقيقياً.

      حذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.