الأحد، 18 نوفمبر، 2012

ستة عشر (جـ1)

هذا المقال القصصي هو أول مقالٍ في سلسلةٍ سأقوم فيها بإذن الله عز و جل بالتحدث باستفاضةٍ عن رحلتي مع برنامج (نجوم العلوم stars of science) في الموسم الرابع له، في الأساس ستكون هذه المقالات نوعاً من أدب الرحلات (مع أنني لا أجيد هذا النوع من الأدب، أو علي الأقل لم أحاول من قبل الكتابة فيه)، و لكن مع المزج بين الحديث العلمي و التأملات الشخصية.
الجدير بالتنبيه عليه أنني سأتجنب الحديث عن أي شيءٍ يخص تنظيمات البرنامج و آلية العمل فيه، أو عن أي شيءٍ يخص كواليسه الفنية؛ و ذلك تجنباً لخراب بيتي علي أيدي المحامين المحترفين، و قبل هذا وفاءاً بالعهد بالحفاظ علي تلك الأسرار.
لا أدري كم مقالاً ستستهلك هذه السلسلة، فمن الممكن أن تأخذ ثلاث مقالاتٍ فقط، أو تمتد حتي ثمان أو تسع مقالات؛ فالاعتماد سيكون علي الوقت المتوافر لدي لأكتبها فيه، و كذلك ما أجد أنه من المُمكِن (و من المفيد) الكتابة عنه و نقله للآخرين.
و قد احترتُ في اختيار اسمٍ مناسبٍ لهذه المجموعة من المقالات، فلم أجد في ذهني كالعادة إلا مجموعةً من الأسماء المتحذلقة الحمقاء التي ستجعلكم تكرهون اليوم الذي قرأتم فيه كلمةً لي، و لذا اخترتُ أقلها تحذلقاً و حماقةً و جعلتُه العنوان الحالي، و أخبركم (و أنا أخرج لساني شماتةً) أنه ليس أمامكم إلا أن تحبوه أو أن تخرجوا حاملين رماحكم لتُطالِبوا برأسي.

اتفقنا ؟ حسنٌ، فلنبدأ الثرثرة:

***
الغريب أن اشتراكي في برنامج (نجوم العلوم) جاء في سياق مُفارَقةٍ مدهِشةٍ جداً؛ ففي الفترة التي تسبق اشتراكي في البرنامج لم أكن قد سمعتُ عنه بشكلٍ جيدٍ مطلقاً، و كان ما سمعتُه عنه حينها أنه برنامجٌ تليفزيونيٍ من نوع برامج (تلفاز الواقع reality television) علي غرار برامج الأغاني المشهورة جداً في عالمنا العربي (أقولها بكل اشمئزازٍ من تلك النوعية الأخيرة من البرامج)، و لكنه يتعامل مع الابتكارات العلمية (و هو ما جعلني أحترمه بشدة)، و أن الفائز بالموسم الأخير (حينها كان الموسم الثالث) كان مهندساً مصرياً يُدعَي (هيثم الدسوقي). و لعل سبب شهرة البرنامج الكبيرة في مصر في الفترة الأخيرة كان فوز م. هيثم باللقب الثالث للبرنامج، مما جعل القنوات التلفزيونية و الجرائد و المجلات في مصر يتكلمن عنه كثيراً جداً، و أظن أنه كانت هناك ثرثرةٌ كبيرةٌ علي شبكات التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك و تويتر.

لكن و رغم كل هذا لم أكن مهتماً بالاشتراك فيه علي الإطلاق؛ فرغم أنني كنتُ أعمل في مشروعي منذ فترةٍ تقترب من العام الكامل (حينها) إلا أنني لم أكن قد فارقتُ مرحلة تصميم لغة البرمجة بعد، كما أن مشروعي (تصميم و بناء لغة برمجةٍ عربيةٍ احترافيةٍ) هو مشروعٌ برمجي software بطبيعة الحال، و كنتُ (و لا أزال) أري أن المشاريع البرمجية لا تقوي علي مقاومة المشاريع المادية hardware في المُنافَسات العلمية؛ ليس لأنها أقل منها شاناً او أهميةً، بل لأن هناك عاملٌ نفسيٌ لدي البشر (هل أقول: العرب ؟) يجعلهم يميلون إلي كل ما يُلمَس و يُحَس، و كلما زاد عدد الحواس التي تتعامل مع المُنتَج كلما كان تفاعلهم معه و إحساسهم به يزداد، و هم في الغالب لا يستطيعون تقدير مدي العناء و الجهد البالغين اللذّيْن يجب علي المُبرمِج بذلهما لتطوير مشروعٍ برمجيٍ كبير الحجم حتي و إن كان تقليدي الفكرة، فما بالكم بالمشاريع التي تتحدي ما هو موجودٌ و تحاول التفوق عليه !

المهم أنني كنتُ عازفاً عن الإشتراك لهذا السبب، و كذلك لأنني لم أكن أعرف أصلاً كيف يمكنني المُشارَكة فيه و آليات تلك المُشارَكة و خطواتها، كما أنني لم أكن أظن أنهم يرضون بالمشاريع البرمجية من الأصل (لم أسمع حينها عن مشروعٍ برمجيٍ صرفٍ في البرنامج من قبل)، 
و فوق كل هذا كنتُ مشغول البال بمسابقة (ابدأ مع قوقل start with google) التي أقامتها شركة قوقل في مصر في العام الماضي؛ فقد كنتُ أظن أن قوقل (و هي الشركة المشهورة بأنها تقوم علي أكتاف الهاكرز hackers و التي تقوم دائماً بطرح الجديد في عالم لغات البرمجة -مثل لغات: go و Dart- و مكتبات التطوير المختلفة الاستخدامات) ستهتم بابتكارٍ برمجيٍ يبدو مُلهِماً و واعِداً مثل (تصميم و بناء لغة برمجةٍ عربيةٍ احترافية).

و قد تحمستُ للمسابقة منذ البداية بشدةٍ و تابعتُ مراحلها من البداية، و من هذا الاهتمام نشري ما يلي عن المسابقة قبل بدايتها علي صفحتي القديمة علي الفيسبوك بتاريخ (الأحد 25 سبتمير 2011):
يبدو أن قوقل تريد تمويل مشاريع الشباب المصري الطموح في مجال الحوسبة بقوة، و هذا من خلال مبادرة "إبدأ" التي يتحدثون عنها مؤخراً، و التي سوف يتم الكشف عنها بالتفصيل غداً الإثنين 26 سبتمير بإذن الله عز و جل، أنا شخصياً متشوقٌ للغاية لمعرفة كل تفاصيل هذا الحدث الفريد و أُعِدُّ من الآن مشاريعي التي ربما أقدمها في هذه المبادرة إن شاء الله تعالي.
رابط صفحة Google Arabia علي الفيسبوك:
https://www.facebook.com/GoogleArabia?sk=wall

و بعد أن فُتِح باب المُشارَكة و تقديم أفكار المشاريع التي يرغب أصحابها بالمشاركة بها في المسابقة: حاولتُ اكثر من مرةٍ الاشترك بمشروعي و لكن دون جدوي؛ فقد كانت رسالة خطإٍ غريبةٌ تخرج لي بلا مناسبة، مما دفعني لكتابة ما يلي علي صفحتي القديمة علي الفيسبوك:

خمس أو ست مراتٍ تخرج لي هذه الرسالة الكريهة، و أكثر من مَرَّةٍ أُعِيد كتابة بيانات تسجيل مشروعي في مبادرة "ابدأ" الخاصة بـ"قوقل" بلا جدوي، يبدو أن الأمور ليست بالبساطة التي كنت أظنها عليها. ^_^
و بعد العديد من المُحاوَلات و الشكاوي علي الصفحة الخاصة بالمسابقة علي الفيسبوك تم إصلاح العطب قبل أن أفقد الأمل بشكلٍ نهائي، و نجح الأمر في النهاية و سجلتُ مشروعي هناك لأعود فرحاً للكتابة عن هذا علي الفيسبوك في الثالث من أكتوبر :
الحمد لله تعالي: أخيراً تم تسجيل مشروعي علي موقع "ابدأ قوقل" ^_^ و هكذا فبإذن الله عز و جل بدأنا أول المشوار الطويل، أسالكم الدعاء بالتوفيق.

 و كتبتُ بعد انتهاء مدة التقديم في المسابقة و إغلاق الباب أمام الاشتراكات الجديدة علي الفيسبوك مازحاً في 1 نوفمبر :
امبارح كان آخر يوم في قبول الاشتراكات في مسابقة "ابدأ مع قوقل"، و من النهاردة بدأت التصفيات، ادعولي إني مطلعش من دور الـ18 ^_^
 
و كان من المُفترَض أن يتم الإعلان عن أسماء المئتي مشروع التي تأهلَتْ في الرابع و العشرين من نوفمبر، لكن حدثت هناك ظروفُ أدَّت إلي تأجيل هذا الأمر إلي الاثنين الموافق للخامس من ديسمبر، و كالعادة لم يكن هناك إلا الانتظار المملوء بالأمل، فقد كنتُ منذ البداية و حتي تلك اللحظة متأكداً تماماً من كون مشروعي سيكون من ضمن المئتي مشروعٍ المتأهلة في المرحلة الأولي من المسابقة، بل كنتُ متاكداً أنني ما إن أعرض تصميمات المشروع علي المُحكِّمين (أي التصميم المبدئي للغة إبداع إذا أردتم الدقة) أنهم سيهيمون بالمشروع هياماً، بل و كنتُ أتوقع محاولة شركة قوقل شراء المشروع عندما يتحول إلي منتَجٍ فعلي، و ذلك لما سبق شرحه من أسبابٍ يُضاف إليها ثقتي الشديدة في تفرد إبداع و وصولها إلي مرحلةٍ تجعلها من النوع الذي يُدير الرؤوس بحمد الله تعالي (انتظروا الإعلان الرسمي عن المشروع لتروا بأنفسكم).
في تلك الفترة و قبل الإعلان عن أسماء المئتي مشروعٍ المُمرَّرة إلي المرحلة الأولي: كنتُ في يومٍ من الأيام أتجوَّل علي الفيسبوك لأتابِع آخر الأخبار كعادتي، و عندها وجدتُ أحدهم قد شارك رابطاً لإعلانٍ يقول ما معناه أن "اليوم هو اليوم الأخير للتقديم في الموسم الرابع لبرنامج نجوم العلوم" لذا كان ينصحنا بأنه "لو لديك فكرةٌ علميةٌ تستحق التقديم فادخل و اشترك". و الحقيقة أنني مارستُ العادة 
-->
المصرية المشهورة التي تُسمَّي بالـ"الاستِخْسار": و هو ما يعني "لماذا لا أشترك ما دام يمكنني الاشتراك و لن يكلفني هذا المزيد من العناء و الجهد ؟"، و هكذا نقرتُ علي الرابط لأجد نفسي أمام صفحةٍ تُطالبني بإدخال مجموعةٍ من البيانات عني و عن الابتكار الخاص بي، و هنا تذكرتُ أنني في الفترة التي كنتُ فيها أفشل في التسجيل في موقع (ابدأ قوقل) قمتُ بكتابة بيانات المشروع في ملف نصي حتي لا أُتعِب نفسي بكتابتها في كل مرةٍ أقوم بمحاولة التسجيل هناك، و هكذا قمتُ بلصق البيانات متكاسِلاً من الملف إلي صفحة التقديم ثم نقرتُ زر التكملة، لكنني فوجِئتُ بأنهم يطلبون بعد هذا صورةً كاملةً (و ربما صورةً جانبيةً أيضاً) لي (و هو ما لم يكن متوافِراً لَدَيَّ) و يقولون أن النموذج لن يكون مكتملاً إلا بهذا، و لذلك مارستُ عادةً مصريةً أخري نعبر عنها بقولة "دِماغَك" يعني:"لماذا أُتعِب نفسي ما دام يُمكِنني ألا أتعب ؟"، و هكذا قمتُ بصرف النظر عن الموضوع و أغلقتُ صفحة التقديم من الأساس !
و عدتُ بعدها إلي الانشغال بالمشروع و مسابقة قوقل، علي أن الأيام التالية حملت لي مفاجأةً لم أكن أتوقعها مطلقاً: فقد أُعلِن عن النتيجة في الخامس من ديسمبر لأفاجأ بأنني لم أمر إلي المرحلة الأولي من الأصل !


و بصراحةٍ فقد حاولتُ التحلي بالروح الرياضية اللازمة و أن أبتسم في مرحٍ (كما يفعلون في الإعلانات السخيفة) و أقول بسعادة:"لا مشكلة يا رفاق، لا زلتُ أحب قوقل رغم كل شيء"، إلا أنني لم أستطع؛ فالمرارة التي تولدت في حلقي كانت تمنعني من مجرد تذكر الأمر، و تنفيثاً عن غضبي و إحباطي كتبتُ مقالاً قصيراً بعنوان: (لماذا يؤلمني قلبي) كانت اللهجة الغاضبة الساخطة هي المسيطرة عليَّ فيه بشكلٍ واضحٍ جداً.
و قضيتً بعدها أياماً كئيبةً محاولاً نسيان الأمر برمته و ابتلاعَ الغصة التي سدت حلقي و خنقت روحي خنقاً.

إلا أن الله تعالي كان قد قدَّر أن يأتي الفَرَج مما لم يكن في الحسبان: فبعدها فوجئتُ بمن يتصل بي هاتفياً ليخبرني أن "مرحبا وائل، كِيفك ؟"، و كان المتحدث فتاةً تتحدث كما هو واضحٌ باللهجة اللبنانية !

و رغم استغرابي لسماع اللهجة اللبنانية مباشرةً (و أنا يا رفاق صعيديٌ اعتدتُ علي اللهجات الصعيدية الخشنة و اللهجة الفصحي الفخمة، و لم أعتد علي اللهجات الرقيقة إلا لهجة وجه بحري و التي تبدو خشنةً بدورها مقارنةً باللهجة اللبنانية المُغرِقة في النعومة !)، المهم: رغم هذا ابتلعتُ معلومة أن هناك من يحدثني باللهجة اللبنانية علي طريقة "عديها المرة دي يا خال" و تبادلتُ التحيات مع المتصلة، لتخبرني أنها من برنامج (نجوم العلوم) و أنني تأهلتُ لمرحلة مقابلة لجنة التحكيم المحلية التي كانت تتواجد حينها في القاهرة، و أنه "مبروك علي التأهل" و "نحنا في انتظارك للمقابلة بعد يومين" !

بعد يومين !!!


و هنا دعوني أوضح لكم عدة معلوماتٍ غاية في الأهمية عن مكان سكني في مصر، فأنا أسكن في محافظة (أسوان) التي تبعد عن (القاهرة) التي هي عاصمة (مصر) حوالي 1200 كم
بينما المسافة التي تفصل بين (القاهرة) و (القدس) المحتلة حوالي 420 كم تقريباً
و المسافة التي تفصل بين (أسوان) و حدود (السودان) حوالي 230 كم !
لذا فلكم أن تتخيلوا أنني أعيش فيما يشبه دولةً أخري (و هو الأمر الذي يكاد يكون واقعاً لو نظرنا لواقع الحياة في الوجهين البحري و القبلي، و الاختلافات في اللهجات و العادات و التقاليد، و تضاريس البلاد و الأنشطة البشرية).
و بسبب هذه المسافة فإن الطريق الوحيد للسفر المُتاح لأبناء الطبقة الوسطي مثلي هو القطار، و الذي يستغرق في هذه الرحلة التعذيبية ما يزيد علي الاثني عشرة ساعة ! و لكي تجد تذكرةً في القطار فلا بد من الحجز قبلها بفترةٍ لا يُمكِنها أن تقل لدرجة أن تكون يومين اثنين فقط.
لهذا كله، و لأنني كنتُ قد وعدتُ نفسي ألا أهينها مرةً أخري في مسابقاتٍ تجعلني محل انتقادٍ من أي كائنٍ كان: فقد قررتُ ألا أذهب و أن "أشتري دِماغِي" كما تقول النظرية المصرية العبقرية، و هكذا أخبرتُ المتصلة أنني سأشتـ... إحم أقصد أن: الأمر يكاد يكون مستحيلاً، و شرحتُ لها المشكلة كلها، فحاولَتْ البائسة تشجيعي علي المجيء بشتي الطرق فوعدتُها رحمةً بها و بي أن أحاول "لو وجدتُ طريقةً إن شاء الله تعالي"، و بعد إنهاء الإتصال أدرتُ الأمر في رأسي لأزداد يقيناً أنه "لا توجد طريقةٌ و الحمد لله تعالي" و هكذا نمتُ و في بطني بطيخةٌ حمراء فاقعٌ لونها، و ربما كنتُ أحلم باليوم الذي أركل فيه مؤخرات أعضاء مجلس إدارة شركة قوقل كلهم بما يتناسب مع عدد أسهم كل عضوٍ منهم.

لكنني فوجئتُ في اليوم التالي بذات الفتاة تتصل بي لتخبرني أنه "مرحبا وائل، منتظرينك للقاء لجنة التحكيم بكرة إن شاء الله"، فتذكرتُ أن
هذه لهجة لبنانيةٌ رقيقة، و أن
هذه فتاةٌ اتصلت بي البارحة لتخبرني أنني تأهلتُ للقاء لجنة التحكيم المحلية في القاهرة، 
و هكذا أدركتُ أنه للخلاص من هذا الموضوع فلابد من أن أكون صريحاً جداً، فأخبرتُها بأنني لن آتِ لاستحالة ذلك تماماً، و هنا وجدتُ البائسة تحاول مرةً ثانيةً إقناعي بأن الأمر يستحق العناء لأجله، ثم أنها أخبرتني بما جعلني أغير رأيي تماماً، بل و جعلني أتحمس للقاء لجنة التحكيم !

يُتبَع

هناك 4 تعليقات:

  1. تصحيح..
    المسافة بين أسوان والخرطوم 945 كلم
    لكن بين أسوان وحدود السودان 227 كلم
    هذه مسافات قطرية، أي مباشرة، عن طريق الطيران مثلاً.
    أما بإستخدام شوارع اﻷزفلت أو السكك الحديدية فالطريق أطول بكثير.

    ردحذف
  2. مازال هُناك خطأ ثلاث كيلومترات :)

    ردحذف
    الردود
    1. أنا أميل إلي التقريب و عدم الإعتماد علي أرقامٍ غاية في الدقة في مثل هذه الأمور (انتبه إلي كلمة "حوالي") ^_^

      حذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.