الثلاثاء، 27 نوفمبر، 2012

ستة عشر (جـ3)

حينما وصلتُ إلي المكان المقصود كنتُ في حالةٍ صعبةٍ من الإرهاق البدني و النفسي؛ فقد تكفَّل القطار بالإرهاق الجسدي، و تكفّل السفرُ و التفكيرُ فيما سأُُقْدِم عليه من اختباراتٍ و نقاشاتٍ علميةٍ بالإرهاق النفسي؛ فأنا بطبعي لا أحب السفر و لا الزحام و لا أن يقتحم أحدهم حياتي الخاصة لينشرها علي الملأ، و لا أن أخضع للاستجواب تحت أي مُسَمَّيً كان (و لعلكم لم تنسوا بعد العهد الذي قطعتُه علي نفسي بعد ما حدث في مسابقة "ابدأ قوقل" معي) لذا فبالتأكيد كنتُ متضايقاً رغم عدم سماحي لهذا بان يظهر علي ملامحي، و المشكلة هنا أنني لا يمكنني الشرح أكثر من هذا للعديد من الأسباب، لكن دعوني أؤكد لكم شيئاً واحداً هاماً جداً: انني لم أكن في قمة راحتي الجسدية أو النفسية.


كان موعدي في جدول مقابلات لجنة التحكيم بعد العصر، لذا فقد أخبروني مع مجموعةٍ من الآخرين أنه باستطاعتنا التجول حتي ذلك الوقت، فكان أول شيءٍ فعلتُه بالطبع هو أن سألتُ طوب الأرض عن مكان الصلاة هنا، و قد وجدتُهم يستخدمون المساحة الضيقة التي في أسفل سلم إحدي المباني للصلاة مما أثار ضيقي و تحفظي، علي أنني علمتُ فيما بعد أن هناك مكاناً أوسع مخصَّصٌ للصلاة و لكن الأقرب لي كان هو تلك المساحة الضيقة تحت سلم المبني القريب.
 
بالتأكيد توضأتُ و صليت الظهر و العصر جَمْعاً و قَصْراً، ثم خرجتُ لأجلس في مكانٍ قريبٍ منتظراً مرور الوقت حتي ينتهي الأمر كله، و حتي تلك اللحظات لم أكن قد رأيتُ أياً من: الحبيب (أحمد عبد ربه) و العزيزة (أَيْنُور تاتاناكي)، و كذلك فلم أرهما مطلقاً إلا في (قَطَر) عند وصولنا إلي هناك كما سيلي حكيه بإذن الله تعالي.
(أحمد عبد ربه) يعرض فكرته أمام لجنة التحكيم في القاهرة (تنبيه: هذه الصورة ملكيةٌ فكريةٌ للبرنامج)
 
بعد مُضِي الوقت المحدد ذهبتُ لأنتظر وقتاً آخر في مكان التجهيز، ثم بعد فترةٍ أخري دلفتُ إلي غرفة لجنة التحكيم، و دعوني هنا أخبركم أنني تفاجأتُ بأن هناك تصويراً سيجري؛ فبصراحةٍ لم أكن قد شاهدتُ أياً من حلقات البرنامج من قبل، كما أن الفتاة اللبنانية البائسة التي كانت تكلمني هاتفياً لم تخبرني بهذا الأمر، و هذا سَبَّب لي بعض الانزعاج لأنني لم أُهييء نفسي للتصوير لا من حيث الملابس المناسبة و لا من حيث المظهر الشخصي المناسب، لذا فمَن شاهَد منكم حلقة اختيار المتأهلين للدوحة فسيجدني بادي الإرهاق حليق الرأس بشكلٍ مبالَغٍ فيه !
لقطةٌ من فيديو اختيار المتأهلين للدوحة من (مصر)، لاحظوا حلاقة الرأس و الملابس الغير مناسبة للتصوير في الاماكن المغلقة (تنبيه: هذه الصورة لقطةٌ من فيديو يُعتبَر ملكيةٌ فكريةٌ للبرنامج).

كما أن طريقة طرح الفكرة و مناقشتها تختلف في حالة الحديث المنفرد مع لجنة التحكيم، عن النقاش أمام الكاميرات التي تراقب كل خلجةٍ من خلجاتك و تسجل كل كلمة تقولها ليُذاع منها ما يُذاع فيما بعد و يُترك منها ما يُترك.
لكني تمالكتُ نفسي قدر الاستطاعة و بدأت بطرح الفكرة بقدر ما استطعتُ من وضوحٍ و بساطةٍ و تَحمُّس، و كما يُمكِنكم أن تروا في الفيديو الخاص بهذه اللحظات فقد أقنعتُ اثنين من لجنة التحكيم هما (د. فؤاد مراد) و (د. إبراهيم النعيمي)، بينما لم يقتنع (د. ماهر يونان) بقدرتي علي بناء مثل هذه اللغة التي أصفها بصفاتٍ غايةٍ في القوة.
و بما أن صوتين كانا يكفيان للمرور للمرحلة التالية فقد مررتُ، و هنأني الحكام و طاقم التصوير علي ذلك المرور بينما لم أحس بمقدار الفرحة الذي  يتناسب مع تهانيهم الحارة لي !؛ و السبب هو أنني لم أذهب من الأصل لذلك اللقاء إلا بعد إخباري أن واحداً من لجنة التحكيم قد أعجبه المشروع بشكلٍ خاص (بالمناسبة: لم أعلم من هو ذلك العضو حتي الآن)، و لذلك فقد كنتُ واثقاً من تأهلي للمرحلة التالية فلم أجد في الأمر المفاجأة التي تجعلني أتقافز من الفرحة.
و نتيجةً لضغوط التصوير و قرب سفرهم إلي البلد العربي التالي لتكملة اختيار بقية المتأهلين: لم أجد في نفسي القدرة علي سؤالهم عن هوية ذلك الحَكَم المعجَب  (هل أقول أن هذا كان من جميل الأقدار ؟).

و بعدها أخبروني بأنني ساسافر إلي (قَطَر) في الفترة القادمة و ينبغي علي تجهيز نفسي من حيث: إعداد النموذج الأولي للمشروع (إن كان هناك واحد)، و شراء ما يلزم للتصوير من ملابسٍ رسميةٍ مناسبة، و الأهم هو تجهيز جواز السفر إن لم يكن عندي واحد، و بالطبع لم يكن عندي جواز سفرٍ وقتها لذا فقد أدركتُ أن أياماً قاسيةً في انتظاري. ثم أطلقوا سراحي لأخرج من الجامعة الأمريكية و انا أكاد أُخْرِج لساني لكل من يراني بما معناه "ها أنذا قد تأهلتُ و انتزعتُ تذكرة السفر من بين أسنان الجميع نياهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها".
و في طريق الخروج اتصلتُ بأمي ثم بـ(محمد نجار) لأخبرهما بأنني تأهلتُ للمرحلة القادمة بفضل الله عز و جل، و أنني في طريق العودة إلي الديار، و الحق أن  رحلة العودة هذه تستحق كتاباً خاصاً لوصفها لأنها كانت عسيرةً جداً علي عكس رحلة القدوم؛ فقد كانت أحداثها غريبةً مؤلمةً جداً، و إن كانت أهون من كثيرٍ من الأحداث الأخري التي كان يمكن وقوعها آنذاك بفضل الله تعالي.
بالطبع ركبتُ تاكسي آخر في طريق ذهابي من القاهرة الجديدة إلي محطة مصر، و للمرة الثالثة أجد أن السائق إنسانٌ محترمٌ مهذب (علي الأقل هذا ما رأيتُه منه)، و قد أوصلني بدون إزعاجٍ أو عجلةٍ أو غيرها من منغصات السفر، و الغريب أنه كان فتيً شاباً في مقتبل حياته و لم يصل لتلك السن التي يكتسب السائق فيها الحكمة و يكفي الناس بعض شره !
إلا أن رحلة العذاب بدأت منذ دخولي لمحطة مصر؛ فبالطبع لم يكن معي تذكرة سفرٍ إلي (أسوان) لأني وصلتُ صباح ذلك اليوم أصلاً، و هكذا لم يكن امامي إلا تكرار رحلة البحث عن تذكرةٍ في أي مكان، و قد حاول بعض طيبي القلب من الصعايدة مساعدتي و لكنهم لم يُوفَّقوا، فلم أجد بداً من انتظار أي قطارٍ محترم ثم الركوب بدون تذكرةٍ و ليكن ما يكون.
و الحق أن هذا المأزق أنساني فرحة التأهل بشكلٍ كبير؛ فمن أكبر الأشياء التي تُهدِر كرامة الإنسان هو السفر بدون حسن تخطيطٍ مسبق، لذلك أنصحكم ألا تفعلوا هذا العته الذي فعلتُه في تلك الأيام، ففي الغالب لن تخدمكم الأقداركما خدمتني و أنقذتني، بالإضافة إلي أن الحل الذي أتاني لم يكن آدمياً بدوره، بل كان أقل سوءاً فقط.
ما حدث كان أن الساعة بلغت الحادية عشرة تقريباً (حسبما أذكر) و انا لازلتُ علي رصيف المحطة لا أدري ما أفعل، لوحةٌ متميزةٌ للحيرة و الارتباك القاتلين، ثم فُوجِئْتُ بمن يقول أن (السوبرجت) الذي سيسافر إلي (أسوان) سينطلق الآن و ينقصه شخصٌ واحدٌ فقط، فتوكلتُ علي الله سبحانه و ذهبتُ مع ذلك القائل إلي حيث تقف الحافلة، و ركضنا ركضاً حتي نلحق بها و قطعوا لي التذكرة في عجالةٍ شديدةٍ لأن الركاب كادوا يشتبكون مع السائق كي يتحرك و لا يتركهم مُنتظرِين إلي قيام الساعة.
و سبحانك اللهم: لو كنتُ قد تاخرتُ ثوانٍ فربما فاتتني تلك الحافلة الأخيرة، و لا أدري ما كان ليكون عليه حالي في تلك الظروف، لذا فقد هدأتُ بالاً حينما جلستُ علي مقعدي و تحركَتْ بنا قاطعةً الطريق نحو (أسوان) الحبيبة.
في البداية كان السير بطيئاً لأننا ظللنا لفترةٍ ننتقل من شارعٍ إلي آخرٍ داخل (القاهرة) المختنقة، لكن الأمر اختلف حينما وصلنا إلي الطريق السريع، و هكذا أصبح بإمكاني الإسترخاء بشكلٍ أكبر
 
نسيتُ ان اخبركم أنه بعد دفع ثمن التذكرة (و التي كان لها نصيبٌ متميزٌ بدورها في إفلاس العبد لله) لم أجد في جيبي إلا جنيه و نصف فقط ! يعني أنه لو كنتُ قد اشتريتُ لنفسي زجاجة عصيرٍ زيادة عما اشتريتُه من طعامٍ و شراب في ذلك اليوم لكنتُ في موقفٍ حرجٍ آخر !
و هذا درس جديدٌ أقدمه لكم: في السفر احرص علي أن يكون معك فائضٌ من النقود يحميك من الوقوع في حرجٍ عند أي ظرفٍ طاريء؛ فالأمر ليس مزحة، و المرء يكون في أضعف حالاته عند السفر فانتبه عافاك الله تعالي.
لا أدري كم ظللتُ متيقظاً و كم نمتُ، و لكني كنتُ مستيقظاً في ساعةٍ متأخرةٍ من صباح اليوم الجديد بفترةٍ لا تزيد علي الثلاث ساعات  قبل شروق شمس ذلك اليوم، و سبب تذكري لهذا أن السائق توقف بنا حينما وصل إلي استراحةٍ في قلب الصحراء، و هكذا أَعْلَم الجميع أن من يرغب في دخول الحمام أو شرب الشاي أو شراء أكلٍ و/أو شرابٍ فيمكنه فعل ذلك الآن.
و لما كنتُ أحس بأن أقدامي و أردافي قد تحولا إلي أسمنتٍ جافٍ فقد قررتُ النزول، كما أنني كنتُ بحاجةٍ إلي دخول الحمام (و إن لم يكن ذلك أمراً ضرورياً)، و لم أكن أدري أن دخول الحافلة ليس كالخروج منها.
ما إن خرجتُ من الحافلة حتي أحسستُ بنوعٍ من الصقيع لم أُحِس به من قبل؛ صقيعٌ شرسٌ متوحشٌ لا يهاجِم اللحم أو العظم بل يهاجِم النخاع مباشرةً و بمنتهي الشراسة، 
إذأ فهذا هو برد الصحراء الذي يشابه قيظها في قوة الفتك !  
و نتيجةً لأني أصلاً لا أتحمل أقل قدرٍ من الصقيع فقد وجدتُ أن قدمي اليمني ترتجف بعنفٍ لا أستطيع السيطرة عليه !
ما هذا: إن قدمي اليسري متواطئةٌ معها أيضاً !
و ما هذه الحركة اللولبية التي يقوم بها ساعداي !
إحم... دعونا نتوقف هنا حتي لا تتخيلوا أنني تحولتُ إلي راقصةٍ من الدرجة التاسعة، و لكني أقول لكم بصراحةٍ أنه في تلك اللحظات أصبحت أجزاءٌ كثيرةٌ من جسدي تسير بإرادتها الحرة و مسارها الخاص.
و قد استطاع هذا البرد أن يقنعني بأنه "تباً لدخول الحمام" و "أين هذه الحافلة اللعينة"، و بعد ثوانٍ كنتُ أرتجف في مقعدي محاولاً إعادة بعض الدفء إلي هذا الجسد المسكين الذي لا يمكنه تحمل هذا الذي أُعَرِّضُه له.
-->
كما أنني حينما كنتُ بالخارج و تاملتُ الاستراحة التي وقفنا عندها (لوقتٍ قليلٍ بالطبع) رأيتُ ما أقنعني أكثر و أكثر بألا أظل خارجاً؛ فمن يعملون في الاستراحة (التي اتضح أنها مقهي به مكانٌ صغيرٌ لبيع الحلوي و المأكولات المُغلَّفة) كانوا من النوعية التي اعتادت علي الحياة القاسية، فأصبح الواحد منا ليس بإمكانه أن يُفرِّق بينهم و بين الخَطِرين الذين يتخذون الصحراء مسكناً، و كان المدفع الرشَّاش الذي رأيته في يد أحدهم (و الذي أظن أنه تَعمَّد أن نراه حتي لا يفكر أحدنا فيما لا تُحمَد عقباه) العامل الأكبر (و ربما الأوحد) في منظرهم في إقناعي بالذهاب بعيداً.
أعرف أن تلك كانت خواطراً صبيانيةً إلي حدٍ كبير، و لكن في ظلام الليل، و تحت وطأة البرد العنيف، و الصحراء الممتدة المستوية التي تشي بعزلةٍ تامةٍ عن العالم، و مرأي السلاح في أيديهم: كل هذا جعلني أقرر أن الذهاب إلي الحافلة خيرٌ من لعب دور الخال (أدهم صبري) في إحدي مغامراته.

و في الحافلة اكتشفتُ أنني (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) أصبحَتْ لدي أجزاء من جسدي لا أُحِس بها مطلقاً من تأثير الصقيع الغاشِم بالخارج، و بينما يحتاج الناس إلي أن يكونوا في الجليد لفترةٍ ليست بالقصيرة لكي يفقدوا الإحساس بأطرافهم: فقد مررتُ ببدايات تلك المرحلة لمجرد التعرض لصقيع صحراءٍ غير جليديةٍ لأقل من خمس دقائق ! و هذا من أكبر الدلائل علي عبقريتي الفذة و قدراتي المدهشة التي تؤهلني لأن أكون النسخة السالبة من رجل المستحيل بجدارة.
و عشتُ ساعاتٍ سوداء في انتظار رجوع الإحساس إلي تلك الأماكن من جسدي، و لا أذكر هل نمتُ بعدها أم لا، و لكني في كل الأحوال كنتُ فاقد الإحساس كالمُخدَّر، و أتمني الدفء بقوة.
و حتي بعدما وصلتُ إلي القرية كان هناك جزءٌ في أعلي الفخذ لا أُحِس به، و احتاج الأمر إلي سرعة الإنزلاق تحت الأغطية حتي يعود شعوري بتلك المنطقة طبعياً !
ما لم أُحدِّثكم عنه أن جاري الجالس بجواري في الحافلة  كان أخاً سودانياً دَرَس في مصر و له تجارته التي ينتقل فيها بين مصر و السودان مراراً و تكراراً، و قد أخبرني أنه في رحلته هذه ذاهبٌ إلي السودان لإحضار والدته و من ثم الذهاب إلي الإسكندرية (أو القاهرة، حقيقةً لا أذكر).
و قد كنتُ أظنه صعيدياً لتشابه ملامحه التام مع كثيرٍ من الصعايدة، و حتي اللهجة لم أجد فيها ذلك الاختلاف الكبير (ربما كانت لهجته قد التَقَطَتْ الكثير من اللهجات العامية المصرية لكثرة مكثه في مصر). و قد أعطيتُه بريدي الإلكتروني و رابط مدونتي الإلكترونية بعدما علمتُ أن دراسته تتضمن بعض علوم الحاسب، و لكنه للأسف لم يتواصل معي بعدها (و إن كنتُ ألتمس له العذر بسبب مشاغل و هموم الدنيا التي لا تترك لكثيرٍ من الناس الفرصة لقضاء الوقت في التواصل الحميم مع الآخرين).
 
و بوصولي سالماً مع الجنيه و النصف إلي داري كان عَلَيَّ التجهيز للمرحلة التالية بهمةٍ و نشاط.

هناك 3 تعليقات:

  1. ذكرتي بالجامعة اﻷمريكية التي جئناها من السودان في مسابقة، وقد بحثنا عن المسجد لنعلم أنه في اﻷعلى وصعدنا له بسلم يشبه سلم الحريق، وقد صلينا فيه الظهر والعصر جمع تأخير أيضاً، ولا زلت أذكر أن قدماي كانتا ترتجف أثناء الصلاة من طول السلم
    كان هذا قبل أكثر من عشر سنين تقريباً.

    ردحذف
    الردود
    1. هل كانت المسابقة في فرع التحرير ؟
      و هل كانت مسابقةً برمجية ؟

      حذف
  2. لاأدري في أي فرع، وكانت مسابقة برمجية تشترك فيها الجامعات وقد مثلنا جامعة السودان. كان إسم المسابقة على ما أتذرك ACM أو شيء من هذا القبيل

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.