السبت، 3 نوفمبر، 2012

أفكارٌ مُختلِفة

أفكارٌ مُختلِفة

بالتأكيد قد مَرَّ كل واحدٍ فينا بأكثر من موقفٍ مع أصدقائه حيث اختلَف معهم في أمرٍ من الأمور الفكرية، هذا أمرٌ طبعيٌ جداً كما هو واضح، لكن الأمر الغريب أنك إذا لم تقتنع برأيهم: تجدهم دائماً ما يُصرُّون علي اتهامك بتحجُّر الرأس و عدم استماع رأي الآخرين، و بالطبع يضيق صدرك (و صدري) بهذا الاتهام و تَكاد تَلتهم أعناقهم بسببه.
و السبب الذي يجعل الواحد منا يَغتاظ ليس أنه مُنزَّهٌ عن الخطأ؛ بل إن السبب الأساسي هو أنهم يَتوقعون منه ما دام قد نَصحه الآخرون بخلاف ما يُفكِّر فيه أن يُغَيِّر تفكيره فوراً و يَتبِع ما نَصحه به الناصحون دون إبطاء، و ربما يَركع علي ركبتيه و يَبكي ندماً علي التفكير في خلاف ما قالوا قبل قوله !

و هذا هراءٌ حقيقي !؛
فالشخص الذي يَتبع ما يقوله له الآخرون حتي لو كان مُقتنِعاً بغيره هو ليس إلا "إِمَّعَة"، و كما يُنسَب إلي رسول الله صلي الله عليه و سلم أنه قال : (لا تَكُونُوا إمَّعَة: تَقُولُون إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، و إن ظَلَمُوا ظَلَمْنَا. و لكن وَطِّنُوا أَنْفُسَكم: إن أَحْسَنَ النَّاسُ أن تُحْسِنُوا، و إن أَساؤوا فلا تَظْلِموا)*.
فما دام المرء مُقتنِعاً (إستناداً إلي الدليل و البرهان) برأيٍ مُعيَّنٍ: فلا يُمكِن للعقل السليم أن يقول له غيِّر منهجك لمُجرَّد التوافق مع الآخرين.
هذا ليس معناه أنني أُشجِّع علي  رفض أقوال الآخرين بالكلية، بل كل ما أقوله هو أن يَعقِل الإنسان أقوال الناس كلهم بميزانٍ قوي، فإن كانت أقوالهم تَستند إلي براهينٍ أقوي من براهينه كان له أن يُغيِّر قناعاته، أما إن لم تكن فليَستمر علي نفس الطريق الأول بلا مِراء.

علي سبيل المثال البسيط، خذوا الموقف التالي الذي حدث معي أكثر من مَرَّة: حينما أمرض و تُصيبني السخونة الشديدة و أبدأ في تناول الأدوية الخاصة بها لا تصير لدي شهيةٌ لأي طعام، لكنني لأجل تحمل الدواء و المرض أقوم بتناول الفاكهة و الخُضَر مما أُحِس أنه لن يُصيبني بالغثيان، لكن هذا لا يُرضِي أهلي و يُصرُّون علي أن أتناول أكلاً "مُغذِّياً" حتي يَتحمل جسدي عَنَت المرض، و رغم محاولاتي إفهامهم أنني لو أكلتُ هذا الطعام فسأُفرِغ بسببه كل ما في جوفي إلا أنهم يظلون مُصرِّين. 
و بعد تناول الطعام ماذا تكون النتيجة ؟
بالطبع يَحدثُ ما توقعتُه بالضبط و أعاني بسبب امتثالي لضغوط الضاغطين، حتي تعلمتُ أن أضرب بمُطالَباتهم عرض الحائط و أن أجعل رأسي حجر "صَوَّان"، و ليقولوا ما يقولون فلا أحد يُعانِي غيري.

حتي في أحلامك و طموحاتك الكبيرة تَجد مَن حولك إما يُمصمِصون شفاههم حسرةً علي العته الذي أصابك حتي تَحلم بما فوق طاقتك، أو يَلمِزونك من طَرْفٍ خفيٍ سخريةً و استخفافاً. و الغريب أن بعض ما يَستنكرون أنك تُفكِّر في عمله تَكونُ قد صنعتَه أصلاً و يَرونه بأم أعينهم في ذات الوقت الذي يقولون لك فيه: "لا تحاول أيها الأحمق فهذا أمرُ مستحيل"، و تكاد أنت تُصاب بالجنون و تتحول إلي قردٍ يتقافز يمنةً و يسرةً و أنت تُشير إلي عملك صارخاً "و لكني فعلتُه بالفعل يا ناس" !

في النهاية يَتضح أنه ليس من المهم أن يَقتنع الآخرون بأن أفكارك صحيحةٌ دائماً، إنما المهم حقيقةً: أن يكون عقلك و هِمَّتُك قادرَين علي تحقيق أحلامك الضخمة؛ فلكل إنسانٍ عقله، و لكل إنسانٍ طاقته.
و كم من فكرةٍ ثوريةٍ رفضها الأساتذة الجامعيون مثلاً و جعلوا طُلَّابهم يرسبون في مشروع التخرج بسببها (اقرأوا علي سبيل المثال عن إشاء شركة campus concepts)، ثم كانت ذات الفكرة السببَ في إنشاء شركةٍ أرباحها ملايين الدولارات سنوياً !

قد يَعتبر الناس هذا الكلام غروراً، لكن بالله عليكم: كم مَرَّةٍ اكتشفتم أن كلام الناس ليس له أي أهميةٍ في نهاية الأمر، حتي لو كانوا من أهل العلم و الفضل و الخبرة ؟ 
كم مَرَّةٍ اكتشفتم أننا نحن من يَجعل لكلام الناس قوةً و تأثيراً علي حياتنا ؟
كم مَرَّةٍ اكتشفتم أن أكبر الناجحين كانوا هم أكثر الناس  الذين تلقوا هجوماً و سخريةً من الآخرين بسبب أفكارهم التي استغربها أولئك الآخرين و استنكروها ؟
ثم كم مَرَّةٍ رأيتم أولئك الآخرين يُشِيدون بنتائج أفكار مَن هاجَموهم مِن قبل ؟ بل و يُحاوِل بعضهم إيجاد أي صِلَةِ تربط بينه و بينهم ليتباهي بها مثلما حَدث مع د. نبيل فاروق و بعض أقاربه ؟!

يُتبَع
----------------

* حديثٌ مُختلَفٌ في تصحيحه و تضعيفه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.