الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

ستة عشر (جـ4)

هكذا تم اختياري من بين عشرين مُبتكِراً عربياً للسفر للدوحة، و هو نصرٌ كبيرٌ في حد ذاته؛ لأنني بهذا أكون قد تأهلتُ مِن ضمن سبعة آلاف متقدمٍ إلي مرحلة مقابلة لجنة التحكيم المحلية، مِن ضمن مئتي مُتسابقٍ فقط تم تأهيلهم لتلك المقابلة. ثم بعد ذلك تم اختيار مشروعي مِن ضمن عشرين مشروعاً فقط تم تأهيلهم لمرحلة ما قبل النهائيات، و التي يتم فيها اختيار ستة عشر متسابقاً فقط مِن بين مَن أتوا للدوحة (حيث أنه حسب معلوماتي فمن الممكن اختيار حتي ثلاثين متاهلاً لمرحلة الدوحة، و ربما كان الموسم الرابع قاسياً أكثر مِن ذي قبل فتم الاكتفاء بعشرين واحدٍ فقط !).



ماذا ؟

لماذا رجعتُ من القاهرة في نفس اليوم الذي وصلتُ لها فيه، رغم الإرهاق الشديد الذي سيسببه لي هذا ؟

و لماذا لم أسترح عند أيٍ من أقاربي القاطنين هناك (ولي أقاربٌ يسكنون في القاهرة بالفعل) علي الأقل حتي أحجز تذكرة قطارٍ أتمكن بها من العودة براحةٍ و هدوء ؟

حسناً: يُمكنكم اعتبار أن هذا عَرَضٌ متقدمٌ جداً من أعراض ظاهرة (القاهروفوبيا)، و لم أكن أستطيع نفسياً أن أظل هناك و لو لساعاتٍ أخري، فما بالكم بالإنتظار حتي حجز تذكرةٍ في قطار (فهذا سيأخذ ما لا يقل عن أسبوعٍ بأي حالٍ من الأحوال)، و حتي إن لم يستغرق إلا يوماً واحداً فلم يكن بإمكاني تحمل البقاء في تلك المدينة التي تمقتني و أمقتها (مع اعتذاري الشديد لأهل القاهرة؛ فهذا مما ليس بإمكاني تغييره).

و بالإضافة لكل هذا فأنا لا أحب أن أُثقِل علي أقاربي بأي شكلٍ من الأشكال، و مجرد البقاء بلا عملٍ في مساكنهم هناك سيجلب لكلَيْنا إحراجاتٍ لا تنتهي؛ فأنا لستُ صغير السن، و هم رجالٌ لهم زوجاتهم و حرمات بيوتهم التي ستضعنا في حرجٍ و عَنَت، خصوصاً و أنني كائنٌ منزليٌ لا يبرح البيت إلا للضرورة القصوي و يؤمن إيماناً مطلقاً أنه "من خرج من داره قل مقداره".

قد أكون (كما قد يقول بعضكم) مُتعنتاً زيادةً عن اللزوم، و لكن مرةً أخري هذا ليس بيدي، و أنا لا أستطيع إشعار أحدٍ بالحرج في منزله الخاص مهما كانت صلة القرابة بيني و بينه. و الشخص الوحيد الذي اعتدتُ أن أبيت عنده بدون أي تحرُّج، و آكل من طعامه كأنني آكل في آخر زادي، و أشرب كأنني سأذهب بلا رجعةٍ إلي الصحراء هو صاحبي (محمد نَجَّار)؛ لما بيننا من صداقةٍ قامت في الأساس علي الأخوة في الله تعالي، كما أنني حينما أبيت عندهم فإننا نذهب إلي منزلهم القديم لنبيت بمفردنا هناك، فحتي في هذه الحالة لم أسبب إحراجاً لأهل بيتهم.

ما علينا !

المهم: كنتُ أقول أنني قد وصلتُ و الحمد لله بعد عناءٍ شديدٍ إلي المنزل المُفتقَد، و لم أجد أحداً هناك يسألني عما فعلتُ و لا يكلفني أن أشرح له ما حدث بما يزيد من إرهاقي بشكلٍ كبير، لذا فقد انسللتُ فرحاً تحت أغطية سريري الغالي لأسترد بعضاً من الراحة و الدفء المفقودَيْن.

في الأيام التالية كان أول أمرٍ اهتممتُ به هو تجهيز جواز سفري لأنه ليس لدي واحد، كنتُ بطبيعة الحال أتوجس من هذا الأمر و أدرك أن شيئاً ما سيحدث ليجعل الأمور عصيبة. أنا بشكلٍ عامٍ أكره تماماً التعامل مع أي موظفٍ حكومي، بل إن شئتم الدقة فأنا أكره التعامل مع الناس !؛ دائماً ما ينجحون في تصعيب الأمور عليك: كلما أتيتَ بورقةٍ رسميةٍ طلبوا غيرها، كلما حصلتَ علي ختمٍ علي ورقةٍ طلبوا ختماً آخر ! و هكذا إلي أن تُمسك بخناق الموظف الذي صرتَ تكرهه كره العمي.
بالتأكيد سألتُ عن كل الأوراق المطلوبة لأجهِّزها قبل إلقاء نفسي داخل الملحمة القادمة، و بعدما انتهيتُ من إعداد كل ما أحتاجه توكلتُ علي الله تعالي و ذهبتُ إلي مدينة أسوان لأنهي الأوراق.
و قد تحقق ما كنتُ أخشاه كالعادة، و فوجئتُ  حينما وصلتُ أنني أحتاج لصورٍ أخري غير التي أحضرتُها، علمتُ بعد ذلك أن صور جواز السفر لا بد من أن تكون خلفيتها بيضاء من غير سوء، و أن تكون أذنا صاحب الصورة واضحتين (أي أن يكون الوجه كاملاً في الصورة)، فتوكلتُ علي الله و ذهبتُ لمحل التصوير القريب، و ما إن ولجتُه حتي فوجئتُ أن الكهرباء قد انقطعت !

" حلاوتك :) "
أنا بطبيعتي لا أحب التشاؤم و لا أطيق المتشائمين، كما أن التشاؤم أصلاً مخالفٌ للشريعة الإسلامية، فقد رَوَى البخاري و مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (لَا عَدْوَى وَ لَا طِيَرَةَ، وَ لَا هَامَةَ، وَ لَا صَفَرَ، وَ فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ). و قد رَوَي الإمام أحمد عن عبد اللهِ بنِ عمْرٍو رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ ؟ قَالَ: (أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ)، و لا عِلم لي بصحة الحديث الأخير من ضعفه.
و لذا فلم أكترث لما يحدث علي سبيل "ربك يعدِّلها من عنده". و بالفعل انتهي الأمر علي خيرٍ بفضل الله عز و جل أولاً و آخراً و حصلتُ علي الصور الفورية لأعود بها للموظف في سعادة.

هنا فوجئتُ به يُطالبني بأصل شهادة الإعفاء من الجيش، فلأنني وحيدٌ و والدي فوق سن الستين حصلتُ علي إعفاءٍ نهائيٍ من الجيش بحمد الله، و لكن المشكلة أن أصل الشهادة كان موجوداً ضمن أوراق ملفي في الجامعة التي كنتُ أعمل فيها، و حينما طلبتُ سحبه (عندما استقلتُ من الوظيفة) رفض الموظف إعطائي إياه، و قال أنه من الممنوع إخراج هذه الوثيقة، و حينما أحتاجها للالتحاق بعملٍ جديدٍ سيقومون بتحويلها بريدياً إلي مقر ذلك العمل (الهراء الحكومي المعتاد).
و لكن معني هذا أنني سأضطر للسفر إلي محافظة (قِنا) للحصول علي أصلٍ جديدٍ لأتم إجراءات استخراج جواز السفر ! و السفر بين (أسوان) و (قِنا) تماماً كالسفر بين دولتين خليجيتين ! لأن المسافات في الصعيد ممتدةٌ جداً.
حاولتُ التفاوض مع الموظف لكي يقبل بصورةٍ ضوئيةٍ من شهادة الإعفاء (أحملها معي دائماً) فرفض بشكلٍ قاطع، رغم أنه قال لي أنه لا يحتاج إلا لإلقاء نظرةٍ واحدةٍ فقط علي أصل شهادة الإعفاء ! دخلتُ للضابط الموجود في المكان لأحكي له الموضوع علَّه يريحني من هذا الأمر و يكون مُتعاوِناً و لكنه أفهمني أنه لا يمكن إلا الاعتماد علي أصل الشهادة.

سخطتُ علي الحكومة الحمقاء و البيروقراطية و العته الذهني للجهاز الحكومي المصري كله؛ أليس بإمكان أي أحمقٍ أن يعطي هؤلاء الموظفين القدرة علي الإطلاع علي أسماء مَن حصلوا علي الإعفاءات مِن التجنيد مِن خلال الشبكة ؟! هذا أمرٌ سهلٌ إذا كانت لديهم النية لخدمة المواطنين كما يُفترض بهم، و لكن من الذي قال أن تلك نيتهم أصلاً ؟!
و ختمتُ سخطي بأن سخطتُ علي الأحمق الذي جعل أسوان تابعةً لمنطقة تجنيد (قِنا)، و سخطتُ علي ما أعلم أنني سأواجهه من عَنَت السفر و صَلَف القائمين علي الإجراءات في منطقة تجنيد (قِنا) ذاتها.

لكني في محاولةٍ أخيرةٍ اتصلتُ بأحد أصدقائي في الجامعة (يُسمَّي: أحمد) يعملُ في مكتبة كلية الآداب، و أخبرته بالأمر كله و سألتُه: هل يمكن لي أن أقترض الشهادة التي في ملفي في الجامعة لمدة نصف ساعةٍ و أريها للموظف هنا ثم أعيدها مرةً ثانية ؟ فأجابني بأن موظف الجامعة القائم علي هذه الأمور رجلٌ خدومٌ متدينٌ و سيراعي حالتي و يقبل إعارتي الشهادة.
و هكذا انطلقتُ إلي الجامعة بسرعة الصاروخ؛ كان قد بقي علي نهاية دوام موظفي الجامعة أقل من ساعة، و الطريق ذهاباً و إياباً يستغرق ما يقرب من الساعة ! لكني مرةً أخري كنتُ اعتمد علي التوفيق الإلهي.
ركبتُ إلي الجامعة و حينما وصلتُها اتصلت بأحمد لكي يصحبني إلي الموظف المسؤول، و هناك وجدتُه شاباً ذا خلقٍ قَبِل أن يقرضني  أصل شهادة الإعفاء علي أن أكتب له إقراراً بذلك، فكتبتُ الإقرار مبتهجاً و زيادةً علي هذا أعطيتُه كارنيه نقابة المهندسين الخاص بي ليحتفظ به مع الإقرار حتي أعود بالشهادة من جديد. و طرتُ طيراناً عائداً بالشهادة إلي الموظف الآخر و الذي ألقي بالفعل عليها نظرةً واحدةً و أعادها إليَّ و معها إيصالٌ باستلام الجواز بعد أسبوع. فعدتُ بسرعةٍ لأعيد الشهادة لموظف الجامعة و أخذتُ الإقرار و الكارنيه.
و أخيراً انتهي ذلك اليوم الخانق بحمد الله سبحانه و تعالي.

كنتُ قد سمعتُ ممن حولي تعليقاتٍ عن أن مدة الأسبوع لاستلام الجواز كبيرة، و أن الجوازات القديمة كانت تخرج في مدةٍ أقل من هذه، و لكني لم أهتم؛ فما كان يهمني هو أن أنهي الإجراءات و أستريح من هذا الإنهاك الجسدي و المعنوي، و في نهاية الأمر فلستُ متعجلاً و السفر أمامه فترةٌ أكبر من الأسبوع فلِمَ أتضايق إذاً ؟!


بعد أن أنهيتُ أمر إجراءات جواز السفر تنبهتُ إلي ضرورة أن أشتري الكثير من الملابس الجديدة المناسبة للتصوير الذي سيتم في الدوحة. لستُ من النوع الذي يهتم بالأناقة بدرجةٍ كبيرة رغم حرصي الشديد علي المظهر العام الجيد، و لكن الأمر هنا يختلف عن الأحوال العادية؛ فحينما أمثِّل نفسي يمكنني أن أفعل ما أشاء بحرية، و لكن حينما أكون ممثلاً لبلدي كلها فلا بد من أن أُولِي مثل تلك الأمور عنايةً أكبر.
و لكني أجهل من دابةٍ في أمور البيع و الشراء، و أجهل من دابةٍ في أمور اختيار الملابس المناسبة لمناسَباتٍ معينة، و هكذا لم أجد بُدَّاً من طلب معونة والدتي في هذا الأمر بصفتها "تفهم في هذه الأشياء". و لكن ابن خالٍ لي يُسمَّي (مختار) زارني في أحد الأيام و سألني عما حدث معي في المسابقة، فأخبرتُه بالحكاية كلها من البداية حتي حاجتي لشراء ملابس جديدة و حيرتي بسبب هذه المسألة. هكذا عرض عليَّ جزاه الله خيراً أن يساعدني هو و ابن خالٍ آخر يُسمَّي (شريف) في هذا، و طلب مني أن أختار يوماً معيناً لكي يرتبوا أمورهم لنذهب معاً لشراء ما أحتاجه ثم نعود بسيارة (شريف) الصغيرة.

بعد عدة أيامٍ ذهبنا إلي شريف في العيادة التي يعمل فيها (هو يعمل: فني تحاليل)، و ظللنا عنده بعض الوقت حتي انتهي موعد عمله، ثم صَحِبَنا إلي محل الملابس الذي يتعامل معه بصفةٍ شخصية. انتقيتُ الملابس التي أعجبتني و حرصتُ أن تكون شبابيةً قدر الإمكان، و كذا ألا تكون من النوع الذي يصدع الرأس: مثل البناطيل القماشية التي تحتاج للكَيْ كل فترة، أو القمصان التي تحتاج للأمر ذاته، بل انتقيت بناطيلاً من الجينز العملي، و (تيشيرتات) جميلة تناسب العمل و المرح و السفر (و ربما العِراك أيضاً ^_^ ).  بالطبع أفادني وجود شريف و مختار في هذا كله و بشكلٍ أكبر عند انتقاء الملابس الرسمية التي سأظهر بها في حلقة التحكيم الأولي، فاخترنا بذلةً و قميصاً و رابطة عنق (رغم أني أكره كل هذه الملابس المعقدة السخيفة، و خاصةً رابطة العنق التي تجعلني أحس أنها ذيل حمارٍ وُضِع في المكان الخطأ !).

و أتي وقت المفاصَلة في الأسعار فاكتشفتُ أنني لا يمكن لي أن أستغني عن خدمات أمثال أولاد أخوالي؛ فقد استطاعوا بالمفاصلة تخفيف السعر بدرجةٍ غريبةٍ تشي بأن البائع يطلب أكثر مما يجب بكثيرٍ، لهذا أرجو أن تُذَكِّروني بأن يكون من ضمن مواصفات الفتاة التي سأتزوجها بإذن الله تعالي أن تكون ماهرةً في الفِصال (مع البائعات فقط بالطبع؛ فلا أريدها جوَّالةً في الأسواق)، و قد انتهي الموقف بأن أخرجتُ حافظتي و دفعتُ ما يُعادِل نصف مدخراتي.
كان المبلغ الذي دفعتُه في الملابس الكثيرة التي اشتريتُها فادحاً و لم أكن أنتوي شراء كل تلك الملابس من الأصل لولا ظروف البرنامج، و لكن بما أنني لا أهتم بالمسائل المادية بنفس القدر الذي يعطيه لها كثيرٌ من الناس فقد كان الأمر بسيطاً: بعض الأوراق كانت في حافظتي و انتقلَتْ إلي حافظة صاحب المحل، بينما خرجتُ أنا و يداي تحملان الكثير من الملابس الجديدة التي خرَجَتْ من ملكية صاحب المحل.

و بعدها بأيامٍ كنتُ قد استلمتُ جواز سفري الغالي الذي اكتشفتُ فيه أن صورتي التي أخذتُها علي عُجالةٍ لم تكن سيئةً بالشكل الذي تكون عليه أمثال تلك الصور في العادة ^_^،
و ذهبتُ في يومٍ إلي كلية الهندسة بأسوان (التي درستُ فيها)، و أخذ أحد زملاء دُفعتي هناك صورةً رقميةً لجواز السفر من ماسحٍ ضوئيٍ في المعمل الذي يعمل فيه، و كنتُ أحتاج إلي هذه الصورة لأرسلها لجماعة البرنامج حتي يستطيعوا إنهاء أمور حجز التذاكر و التأشيرة و خلافها.
أزلتُ البيانات الحسَّاسة علي سبيل الاحتياط

و هكذا انتهت كل تلك الأمور الإجرائية الهامشية و صار بإمكاني التركيز علي الأمر الأهم: العمل في مشروعي. كنتُ خلال الأيام الماضية كلها أعمل علي المشروع، و لكن كان هناك تلك الأشياء التي تنتزع مني يوماً للإجراءات الفلانية، ثم يوماً آخر للإجراءات العلانية، مع الأخذ في الاعتبار أن البرمجة مثلها مثل كل الأمور العقلية تحتاج للانقطاع عن المُشوِّشات أثناء العمل، و لو انقطع المُبرمِج يوماً أو أكثر عن العمل علي مشروعٍ ضخمٍ فسيحتاج فترةً حتي يستعيد قدرته علي إمساك خيوط المشروع كله بنفس الدرجة التي كان عليها قبل المقاطعة التي حدثت.
كان هدفي في تلك الفترة هو أن أبني الأساس الذي يمكنني أن أستخدمه بسهولةٍ لإقناع لجنة التحكيم بنقلي للمرحلة التالية من المسابقة، و هكذا واصلتُ عملي الذي كان قد مر عليه شهورٌ قليلةٌ حينها.

كنتُ في ذلك الوقت أعملُ علي بناء مُترجمٍ compiler للغة إبداع مباشرةً، و رغم أني خططتُ لبناء مُفسِّرٍ interpreter بعد انتهاء بناء المُترجِم إلا أنني لم أكن أضعه في طبقة الأولوية التي أضعه فيها الآن؛ فقد كنتُ أتصور أن الأمر لن يكون صعباً للغاية و خاصةً مع انتهائي من جعل تصميم إبداع في أصغر حجمٍ ممكنٍ تحتفظ فيه بالقوة التي أريدها لها، لكن الأيام التي عملتُ فيها في قَطَر أثبتت لي خطأ وجهة نظري تماماً، و تبنيتُ بعدها توجهاً آخر مختلفاً تماماً سأشرحه في محله بإذن الله تعالي،

كنتُ كذلك في تلك الأيام أعمل بطريقةٍ تقترب بشكلٍ كبيرٍ جداً من نموذجٍ يُسمَّي (نموذج الشلاَّل waterfall model) من نماذج بناء البرمجيات، لا أريد أن أُثقِل عليكم في التفاصيل العلمية و لكني الأمر بسيطٌ جداً: حيث ينص هذا النموذج علي أن خطوات بناء مشروعٍ برمجيٍ تشبه التبسيط التالي (بإيجازٍ فيه إخلال):
  • مقابلة العميل: و فيها يتم فهم طلباته و احتياجاته بشكلٍ كاملٍ، و حينما تنتهي هذه المرحلة يكون المبرمج قد عَلِمَ كل احتياجات العميل و طلباته و خصائص التطبيق التي تتناسب مع طبيعة المجال الذي سيُستَخدَم فيه.
  • تصميم التطبيق: و فيها يتم وضع التصميم الكامل لكل المواصفات التي سيتم إدراجها فيه، و كذا شكل واجهته و المتطلبات اللازمة لتشغيله بشكلٍ صحيح، و ذلك كله بما يتناسب مع احتياجات العميل و الإمكانات العملية.
  • بناء التطبيق: أي كتابة أكواده الفعلية.
  • اختبار التطبيق: بعد الانتهاء من بناء التطبيق يتم اختباره قبل إعطائه للعميل الطالب، و حينما يتم اكتشاف أي غلطةٍ لا تتناسب مع احتياجات العميل أو قوانين المجال الذي سيُستخدَم فيه التطبيق يتم حل تلك المشاكل فوراً.
  • عند انتهاء البناء و الاختبار يتم توصيل التطبيق الكامل المستقر للعميل.
  • عند ظهور مشاكل في التطبيق الذي يستخدمه العميل يتم عمل الصيانة اللازمة له.



بالطبع كما هو واضحٌ من الشرح المُختصّر فإن هذا النموذج مثاليٌ جداً، و لا يُتصوَّر نجاحه في البرمجيات الضخمة، لكني كنتُ أعمل علي كيفي و علي مهلٍ  لأخذ الخبرة، و لذلك لم يكون يجول في ذهني أنني سأضطر لتغيير هذا النموذج إلي النموذج الذي كنتُ أستخدمه أيام كنتُ أكتب برامج صغيرة لأخذ الخبرة،  حينها كنتُ طالباً وقت فراغه صغير و حجم طاقته الذهنية المتوافرة لمثل هذه الأمور أصغر. و سيأتي شرح النموذج الجديد الذي سرتُ عليه في محله المناسب بمشيئة الله عز و جل.

بعد فترةٍ أرسلوا لي تذاكر السفر و التأشيرة علي بريدي الرقمي، 
و بعد فترةٍ أخري حان وقتُ السفر، و كنتُ مستعداً بـ: جواز سفري الذي عانيتُ حتي استخرجتُه، و ملابسي التي سارت بي مسافةً هائلة نحو الإفلاس، و مشروعي الذي سهرتُ و كدتُ أفقد عقلي و أنا أبتكر الخُوارِزْمات و حلول المشاكل له.
و لم يتبق إلا الانطلاق إلي قَطَر.

هناك 6 تعليقات:

  1. كنت يا وائل عايز اعرف كيف تعمل مدونة الكترونية
    ياريت ترد على ضروريه ,,,,,,,,,,,,,,,,,

    ردحذف
    الردود
    1. يمكنك عمل مدونة من خلال أحد الخدمات التالية:
      http://www.blogger.com

      http://wordpress.com/

      3abber.com

      http://tumblr.com/

      أنا شخصياً أُفضِّل blogger رغم أنها سترهقك إذا أردتَ عمل مدونة احترافية، لكني أري بعد فترةٍ من استخدامهاأنها أخف و أكثر قابلية للتخصيص.

      افتح الرابط:
      http://www.blogger.com
      و اتبع الخطوات المشروحة و ستمتلك مدونةً بأسرع ما يمكن :)
      أتمني أن تكون وسيلةً لخير الدنيا و الآخرة :)

      حذف
  2. ماشاء الله عليك يا وائل ربنا يكرمك ويوفقك
    والله انا فرحانلك خالص .. فاكرلما كنت تقوللنا انك وضعت علاقة تحل أي معادلة حتي درجة أس n
    أيام بقي بس ان شاء الله ربنا معاك
    أخوك حماده محمود

    ردحذف
    الردود
    1. الله يبارك لك و يكرمك :)

      لسا البحثين بتوع الرياضيات اللي عملتهم زمان منشرتهمش لحد دلوقتي -_- بس ناوي أعمل دا في الفترة اللي جاية بإذن الله عز و جل.

      حذف
  3. حياكم الله
    هناك مجلة شبابية جديدة اسمها (ممكن)يقوم عليها شباب نحسبهم على خير ولا نزكيهم على الله وتعتبر بقدر كبير دعوية ارجو ايصال هذه المقالات اليهم علها تنفع غيرك من شباب المسلمين وتكون فى ميزان حسناتكم فإنها حقا ماتعة.
    أسأل الله لكم السداد و التوفيق

    ردحذف
    الردود
    1. و حياكِ الله و أكرمكِ.

      لا مشكلة عندي مطلقاً في التعاون معهم، و يمكنكِ لو تعرفينهم بصفةٍ شخصيةٍ أن تعطيهم بريدي الرقمي:
      wael_hasan_87@yahoo.com
      لكي يتواصلوا معي و نُنسق التعاون بيننا.

      أو يمكنكِ إعطائي بريدهم الرقمي لأتواصل معهم.

      حذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.