الأحد، 2 ديسمبر، 2012

الطارقون علي الأبواب

من عَظَمة الشريعة الإسلامية الخاتِمة للشرائع أنها غَطَّت كل الأمور التي يمر بها المسلم في حياته اليومية بمُختَلَف أنواعها، إما بقواعدٍ خاصةٍ بحالاتٍ مُعيَّنةٍ أو بقواعدٍ عامةٍ تشمل كل ما يُمكِن أن يندرج تحتها من الفرعيات المختلفة.
و من الفرعيات التي خُصِّصت لها في الشريعة السمحاء نصوصٌ كثيرةٌ خاصَّةٌ بها هي مسألة الاستئذان و آدابها بين المسلمين. 


خذوا مثلاً قول الله تعالي في وجوب الاستئذان:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا}(النور - 27)، و كان النبي صلي الله عليه و سلم يُعلِّم الناس الاستئذان و يحرص علي هذا: فعن رجلٍ من بني عامر أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيتٍ فقال: أألج، فقال صلى الله عليه وسلم لخادمه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل السلام عليكم أأدخل. فسمعه الرجل فقال : السلام عليكم أأدخل، فأَذِن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
و كان النبي صلي الله عليه و سلم حينما يَستأذن علي أحدٍ لا يقف أمام الباب المفتوح هاتِكاً سِتر البيت، بل كان يأخذ جانباً من جوانب الباب يقف فيه و يستأذن، فعن عبدالله بن بسر رضي الله عنه قال:{كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قومٍ لم يَستقبل الباب من تلقاء وجهه، و لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، و يقول : السلام عليكم} (رواه أبو داود وصححه الألباني).

و من ذُرَي أدب الاستئذان الإسلامي أنه حينما يسألك صاحب البيت عن اسمك فمن المُستَهجَن أن تقول "أنا"، بل المُستحَب أن تذكر اسمك، فعن جابرٍ رضي الله عنه قال: {أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دَيْنٍ كان على أبي، فدققتُ الباب فقال: من ذا؟، فقلتُ: أنا، فقال: أنا أنا. كأنه كَرِهها} (مُتَّفقٌ عليه).
و من الذُري الأخري أنه إذا لم يُؤذَن لك بعد الاستئذان ثلاث مراتٍ فيجب أن ترجع و ألا تُصدِّع الناس (إلا إذا كانت هناك ضرورةٌ مُلِّحة تُبيح مُخالَفة الأمر النبوي)، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا أستأذن أحدكم ثلاثا فلم يُؤذَن له فليرجع} (مُتَّفقٌ عليه).

و يجب علي المسلم كذلك تعليم أولاده هذه الأخلاق الإسلامية لقوله تعالى {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} (النور - 59).

مع الأخذ في الإعتبار أن الطَرْق علي الأبواب له حدوده التي يجب أن تُراعَي، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: {إن أبواب النبي صلى الله عليه وسلم كانت تُقْرَع بالأظافر} (رواه البخاري في: الأدب المُفْرَد).

و الكلام في هذا الباب يطول بما يُدهِش العقل و يزيد الإيمان، 
لكن لماذا أتحدث في هذا الموضوع بالذات الآن ؟
لأنني أعاني أشد الأمرين بسبب غياب هذه الثقافة الإسلامية عن مجتمعنا عامةً، و في الصعيد خاصة، فتجدني ليلاً و نهاراً أشد شعر رأسي كلما طرق أحدهم الباب و خاصةً لو كان الطارق امرأةً أو طفلاً صغيراً؛ فهم عامةً يفترضون مجموعةً من الافتراضات قبل الطَرْق و يبنون عليها استنتاجاتٍ غريبةً جداً، و الأهم أنهم يبنون عليها تصرفاتٍ تثير الجنون، 
خذ عندك علي سبيل المثال فرضياتهم التالية و ما يبنونه عليها من استنتاجات:
  • صاحب البيت يجلس في مكانٍ بعيدٍ جداً من الباب، لذا فإن تأخر في الرد أو حتي قال أنه سيفتح الباب حالاً ثم صَمَت لثانيةٍ واحدةٍ: فهذا معناه أنه نسي الموضوع أو تاه في المنزل، لذا فيجب متابعة الطرق بفارق ثانيةٍ كاملةٍ بين كل طرقتين متتاليتين.
  • صاحب المنزل مصابٌ بالصمم و العته المغولي، لذا فيجب أن تكون قوة الطرق مقنعةً له بما فيه الكفاية لكي يفتح الباب مهما كان انخفاض مستوي ذكائه، و هذا يعني أنه لابد من الطرق علي الباب بقوةٍ تكفي لإيقاظ ثلاثة أرباع سكان منشوريا، و سيكون أمراً غايةً في الجمال لو ساندنا هذا القرع علي الباب بالنداء علي ذلك الشخص سواءٌ بلقبه المشهور كـ"أم واااااااااااااااااائل" أو بالاسم الأول "فلااااااااااااااااااانة".
  • صاحب البيت قد يكون ممن يختبرون صبر الطارقين علي أبوابهم، يعني أنه قد يكون موجوداً و يريد الإيحاء لنا بأنه غير موجود، أو قد يكون ليس في الحمام و يريد إعطاءنا الإحساس أنه في الحمام و لا يستطيع فتح الباب، و بالتالي مهما طال قرعنا علي الأبواب فعدم رد صاحب المنزل معناه أنه "بيستهبل" ليس إلا، و هو ما يؤدي بنا إلي ضرورة العناد و الاستمرار في الطرق حتي و إن تبين لنا بالفعل في نهاية الأمر أن صاحب المنزل كان في الحمام فعلاً و خرج و دخان الغضب يخرج من قفاه و عينيه.
    مع العلم بأن طول مدة الطرق علي الباب تتناسب طردياً و بمتواليةٍ هندسيةٍ مع بُعْد منزل الطارق عن المنزل الهدف
    .
  • ترك الأطفال الصغار يلهون بالطرق علي الأبواب بدلاً مني رغم كل إزعاجهم و حقارتهم و شهوانيتهم و دناءتهم و كل صفاتهم الحمقاء الأخري أمرٌ طبعي، بل هو جزءٌ من نَهْج التربية السليمة الذي يجب انتهاجه مع فلذات الأكباد و طارقي الأبواب.
  • إذا تبيَّن أن صاحب المنزل كان نائماً و أيقظناه بعد الطرق لمدة 36879666 عامٍ علي بابه بأيدٍ من حديد و تيتانيوم: فلا مشكلة هناك، و يمكننا دائماً أن نقول الكلمة السحرية التي ترفع عنا كل الحرج "هو انا صحيتك من النوم ؟ معلش بقا". فإن ظهر أنه يتمني لو مسح أرض القرية بنا فهذه قلة تهذيبٍ منه و الرد الوحيد عليها هو تكرار أسلوب الطرق في المرات القادمة سواءٌ كنا نحن الفاعلين أو غيرنا.
  • ليس للطرق علي الأبواب ميعادٌ محدد، فقد يقول قائلٌ أنه ليس من التهذيب الطرق علي الناس في موعد القيلولة الذي يكون فيه أغلب أهل القري نائمين أو علي الأقل يستريحون بعد انتهاء عملهم الذي كانوا فيه منذ الصباح الباكر، فهذا أمرٌ لا يعنينا نحن معشر الطارقين علي الأبواب، و لذا فمن الممكن أن يجدنا أي أحدٍ نطرق بابه في أي وقتٍ حسب القواعد الأخري المشروحة هنا.

أتظنون أنني أبالغ بعض الشيء في تقرير قواعد الطرق علي الأبواب عند الناس ؟
في الواقع لم أفعل هذا مطلقاً، فكل ما كتبتُه بالأعلي هي أشياءٌ جربتُها و أُجَرِّبها بنفسي في قريتنا السعيدة الهانئة. لذلك كنتُ أتمني أن يكون بإمكاني مثلاً كهربة باب المنزل الخشبي في مواعيد معينة بحيث يتم صعق أي أحمقٍ يطرق الباب فيها، او تزويده بمفجرٍ ذاتيٍ يفجره هو و الطارق إذا زادت قوة الطرق عن حدٍ معين.
لكنها كما ترون أحلامٌ لا يمكن تحقيقها علي الأقل في القريب العاجل، لذا فسامحوني إن كتبتُ ما يفرغ غيظي من المقالات المشابهة.

هناك تعليقان (2):

  1. عندنا في شمال السودان يتم فتح اﻷبواب من الصباح إلى المغرب، فليس هُناك طرق أصلاً، يدخل الواحد ثم يصيح ويسلم على ناس البيت، وذلك بحجة أنهم أهل وجيران.

    ردحذف
    الردود
    1. أخبرني أكثر من شخصٍ من أهلي ان هذا كان النمط العادي للحياة في قريتنا في الصعيد، بل و كانت المشاركة تفوق هذا. لكن الأمور الآن اختلفت فصارت هناك خصوصيةٌ أكثر، و للأسف صاحبتها ضغائنٌ أكثر.

      حذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.