الثلاثاء، 4 ديسمبر، 2012

نادية

قصة قصيرة
 
ارتفع ضغط الدم عند نادية حينما لْاَحَظت أن ياسر لا يُولي جمالها الإنبهار الذي يليق به، كانت تأمل في انقطاعٍ نفسه و نظراته المبهورة التي اعتادت رؤيتها في كل مكانٍ حولها، بل و في كثيرٍ من الأحيان كان أحدهم يتطوع بإلقاء عبارات الغزل الفج علي سمعها لتعبس في وجهه رغم أنها تطرب لها أشد الطرب، و لو ازدادت الأمور حلاوة فإن أحدهم يتطوع بمحاولة تلقين المتطوع السابق درساً في الأخلاق لا لشيءٍ سوي للفت انتباهها إليه هو، و ربما تصير الأمور فوق الروعة لو قرر كلاهما أن يريها كم هو رائعٌ و فاتنٌ في المشاجرات و المصارعة !

إلا أن ذلك الأحمق ياسر كان غريب الأطوار جداً؛
نظراته عاديةٌ خاملةٌ حينما ينظر إليها،
كلماته معها عاديةٌ و ليست مُغرِقةً في النعومة،
نقاشاته عاديةٌ و ليس فيها ذلك الميل المُعتاد من الآخرين لإقرار ما تقوله كحقيقةٍ راسخة و محاولاتهم البلهاء لإطالة الحوار بقدر ما يستطيعون، بل إنه (يا لصفاقته !) كان يُعارِضها في أغلب المواضيع و يُحرِجها ببراهينه الساطعة و ذهنه الحاضر، و كانت كراهيتها له تزداد كلما أظهر أن ذهنها فارغٌ كجيب موظفٍ في آخر الشهر، و أن فهمها  للحياة لا يتعدي فهم دودة الأنكلستوما للتفاعلات النووية.

ماذا ؟ لا تعرفون نادية ؟
يا ربي ! من الذي لا يعرف نادية في المُحافظة بأكملها ؟!

إنها تلك الفتاة التي كنتَ تحلم بها قبل ان تتعلم الحلم: تلك النسمات الرقيقة التي تملأ قميصك الغارق في العرق في يومٍ صيفيٍ نزلت فيه الشمس لتأخذ الناس بالأحضان، 
الرقة حينما تسير علي قدمين و تنتعل نعلاً رياضياً: تلك نادية، الدلال حينما يخرج من عيونٍ تلمع في بداية يوم العمل و تظل لامعةً طوال اليوم و حتي آخره: تلك نادية،

مَن لا يعرف نادية: إنها التهتك حينما يصير له فمٌ يرج المبني كله من قوة الضحكات، إنها الجزار الذي يجيد عرض بضاعته و التغني بها حتي يصير أغني من قارون نفسه،

لكن نادية وجدت أن هناك من يُعاملها و كانها "أخري"، و لَعَمْر الله فإنها لم تر حماراً أكثر غباءاً منه. صحيحٌ أنه كان موظفاً متميزاً لا يعرف كيف ينطق كلمة "عدي علينا بكرة يا فندم"، لكنه حمار، صحيحٌ انه كان وسيماً في غير ميوعة أنيقاً في غير إسراف، إلا أنه يظل مجرد جحش، صحيحٌ انه كان كريماً في غير إسراف، إلا أنه جحشٌ يحمل أسفارا.

بالطبع لو أردتم رأيي الشخصي فإن الجحش الوحيد في هذه الحكاية هو ذلك الأخ الذي خطب نادية و كاد يملأ الدنيا زغاريد حينما تم إتمام الخطبة رسمياً و وضع دبلته في إصبعها. و لكن بالطبع سيُقسِم لك ذكور المجموعة الشمسية كلهم أنني انا ذلك الجحش الوحيد، كلا كلا سيضعون معي ياسر في هذه الخانة أيضاً لو علموا بتصرفاته مع نادية.


في الأيام الأولي من استلامه لعمله معهم كان يتحاشي النظر إليها و التعامل معها قدر الإمكان، قالت لنفسها أن هذا ناتجٌ عن حياءٍ اعتاد عليه و انه لن يلبث مع طول فترة المعاملة أن يتصرف معها كما يتصرف الباقون تماماً.
" من الذي يقدر علي مقاومة فتنةٍ كهذه " قالت لنفسها و هي تنظر بافتتانٍ إلي صورتها في المرآة الصغيرة التي تحملها في حقيبة يدها أينما ذهبت.
لكن الغريب أنها لاحظت بأعينٍ لا تًصدِّق أنه كلما زادت فترة تعامله معها فإن تعامله يبتعد أكثر و أكثر عن انبهار الآخرين و كذلك عن التحفظ الشديد الذي يبديه الملتحون الذين تقابلهم في أحيانٍ كثيرة، كانت قد اعتادت أن أولئك يُعامِلونها كأنها فيروس لابد من الاحتراس منه قدر الإمكان، و كانت تري نظرات الدهشة من تصرفاتها و مظهرها في أعينهم واضحةً تماماً، و كانت تري أيضاً نظرات الغيظ في أعين كبار السن فيهم و تثق تماماً أنه لو كان لأحدهم سلطةٌ أبويةٌ عليها لحوَّلها إلي لحمٍ مفرومٍ في ثواني.
أما ياسر فقد كاد يصيبها بالفالِج؛ تعامله معها يجعلها تشك في كل الحقائق التي تعتمد عليها في حياتها، في الواقع كانت حقيقةً واحدة: أن جمالها لا يُقاوَم و ليس هناك ذكرٌ يمكنه الصمود أمام فتنتها. و لكن ياسر يقول بكل وضوحٍ أنها مثل غيرها بالضبط، لا شيء فيها يثير الانبهار و لا حتي يلفت الانتباه أكثر من غيره، إنها مجرد "أخري".

ظلت فترةً من الزمن تؤمن أنه يتصنع هذا التعامل العادي معها تصنعاً، و أنه لا بد من أنه يحترق في داخله حباً لها و اشتياقاً إليها، كما أنه لا بد من أنه يعاني من سهر الليالي و تنزف عيونه الدمع بلا انقطاع، و ربما كان يكتب لها الخطابات العاطفية الملتهبة ثم يمزقها في يأسٍ لثقته أن فاتنةً مثلها لن تنظر لشخصٍ مثله بعين الاعتبار، المسكين سيضيع مستقبله و حياته لأنه لا بد سييأس من الحياة ليأسه من الوصول إليها في سماء فتنتها.
حسنٌ: لقد فوجأت فاتنتنا بأن ذلك "المسكين" كان يسهر الليالي بالفعل، و لكن لكتابة المقالات السياسية و الفكرية التي ينشرها علي مدونته و علي عددٍ من المواقع الأخري، كان بالفعل يتصنع التعامل العادي معها تصنعاً ﻷنه لم يكن لديه وقتٌ أصلاً للتعامل مع الناس، و لولا بقيةٌ من حياءٍ لصرف الناس من حوله بالعصا حتي لا يضيعوا وقته في تفاهاتهم التي لا تنقطع.
لم تُصدِّق هذا الكلام حينما قاله لها الآخرون؛ كانت تظن أنهم من الغيرة يُبالِغون لكي يبعدوها عن الاهتمام لأمره، و لكنها أيقنت من أن هذه هي الحقيقة حينما قرأت له بعض مقالاته علي مدونته، بالطبع لم تفهم معظم ما فيها من كلام، و لكنها أدركت علي كل حالٍ أنه من المحال أن يكون يفكر فيها؛ فالشخص الذي يكتب كل يومٍ مقالاً دسماً أو مقالين لا يمكن أن يكون لديه الوقت أو القدرة علي التفكير في شيءٍ آخر !

ظلت تغلي من الغيظ أسابيع عدة، و ساءت علاقتها بخطيبها جداً في تلك الفترة نتيجة لتزعزع ثقتها في جمالها، أصبحت تحاسبه علي ابتسامه لهذه أو تلك، علي كلماته اللطيفة مع أختها أو ابنة خالتها، علي ضحكه مع ابنة عمها، و هو لا يدري لِمَ كل هذا الجنون ! لو كانت هذه التصرفات بدافع الغيرة لرقص من الفرح، و لكنه يعلم تمام العلم أن هذه التصرفات ليست إلا بدافعٍ من الاستحواذ المبالغ فيه و هذا يدل علي أنه لم يكن حماراً بالكامل رغم كل شيء.
بعد مرور عامٍ علي استلامه العمل معهم علمت أنه قد طَرَح مجموعته القصصية الأولي في الأسواق، و قال لها واحدٌ ممن يفهمون في هذه الأشياء أن المجموعة متميزةٌ بالفعل و لا تخرج إلا من قلمٍ واعد، لكنه لا يتوقع لها النجاح الجماهيري لعزوف الناس عن شراء الكتب بشكلٍ كبير.
كانت هي تدرك الحقيقة الاخيرة جيداً؛ فقد كانت هي نفسها تكره شكل الكتب ذاته ! بالطبع علينا أن نستثني هنا تلك الكتيبات التي تتحدث عن "رسائل الحب و الغرام" و "كلمات العُشَّاق".
لكنها علي الرغم من هذا اشترت (خفيةً) نسخةً من تلك المجموعة القصصية، و لأنها قصص و "حكايات" فلم تحس بنفس القدر من عدم الفهم الذي أحسته حينما طالعت مقالاته، لكنها علي كل حالٍ لم تصبر علي تكملة جزءٍ كبيرٍ من المجموعة و ألقتها إلي أبعد نقطةٍ في غرفتها في غيظ؛
كانت لا تزال غير قادرةٍ علي تصديق أن هناك من ينغمس في هذه السخافات و يترك الحياة الصاخبة من حوله بدون أدني اهتمام، و حتي حينما يمن عليه القدر و يضعه علي مسافة امتارٍ من جوهرةٍ يغشي بريقها العيون ينشغل عنها بالحفر في الصخر !
أي حماقة ؟!

ظلت تراقب تصرفاته و أفعاله شهوراً بعد ذلك، و كانت علاقتها بخطيبها تتأرجح بين الهدوء و المشاكل الشديدة حسب الحالة النفسية التي تكون فيها، كما أنه لاحظ  في نهاية الامر أنها تُماطِل بشكلٍ فجٍ في تحديد ميعاد الزفاف فساورته الشكوك في الحكاية كلها، و اضطرت هي تحت ضغط والديها إلي تحديد ميعادٍ قريب لهذا الأمر.
ضايقها أنها ستفقد جزءاً كبيراً من حريتها بعد الزواج، و لكن ما ضايقها أكثر هو مباركة ياسر لها علي هذا؛ كان عشاقها يباركون لها بغيظٍ مكتوم و حسرةٍ لا يمنع ظهورها إلا المحافظة علي الشكل الإجتماعي اللائق، أما الملتحون فقد كانوا يباركون بفرحةٍ واضحة و لسان حالهم يقول "أخيراً !" و يمنعون أنفسهم بصعوبةٍ من إطلاق زغاريد الفرح، لكن ياسر كانت مباركته كأي مباركة تُوَجَّه من أي أحدٍ لأي أحدٍ يعرفه معرفةً عادية ! مجرد ضحكةٍ بسيطةٍ و "مباركٌ الزفاف، بارك الله لكما و بارك عليكما و جمع بينكما في خير"، و لم يُبد لا الفرحة العارمة بالخلاص من هذا الهم الثقيل، و لا الحزن علي الخسارة الفادحة التي مُنِي بها !

بعد الزواج انصرف ذهنها كثيراً عن التفكير في ياسر، كانت تري كل يومٍ أموراً جديدةً تحزنها أو تفرحها أو تغيظها، المهم أنها لم تجد لا البال الرائق و لا الوقت الكافي للتساؤل و التفكير، بل إنها بعد أسابيعٍ من زواجها (و بعد أن حَزِنَت و فرحَتْ و اغتاظت): فكَّرَت بشكلٍ مختلفٍ قليلاً و بدأَتْ تتساءل عن السبب الذي جعلها تتابع ياسر طوال تلك الفترة رغم انشغاله في حياته الخاصة و عدم اهتمامه بها بأي شكلٍ من الأشكال، لكنها في نهاية يومٍ من التفكير وصلت إلي أن عدم اهتمامه بها و انشغاله بحياته الخاصة و مشاريعه  كانت هي الأسباب الحقيقية !

حينما نظرَتْ إلي ما فعله هو في تلك الفترة الماضية و ما وَصَل إليه و ما فعلَتْه هي و ما لم تَصِل إليه، و حينما وسَّعَتْ مجال نظرها و نظرَتْ للصورة الكلية: رأت أنها لم تكن شيئاً ذا قيمةٍ في يومٍ من أيام حياتها ! لم تكن سوي ملابس ضيقة تصف و تُبرِز و تشف، و صوتٍ ناعسٍ يُثير و يُدير ! و كل هذا سيقتله الزمن بلا شك، فأي شيءٍ سيبقي منها ؟
و حينما دخل عليها زوجها و وجدها شاردةً ذاهلة لم يعرف السبب، و لم يمكنه تخمينه مطلقاً.

هناك تعليقان (2):

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.