الاثنين، 7 يناير، 2013

نوعان للذكاء

من الأمور الغريبة جداً و المُحيِّرة للفكر أنه يمكنك أن تجد شخصاً ما شديد الذكاء و النبوغ، و يكون ما يستوعبه في ساعةٍ واحدةٍ أضعاف أضعاف ما يستوعبه الآخرون في ساعات، و يمكنه لو كان طالباً أن يحل المسائل المعقدة التي يوردها الأساتيذ في امتحاناتهم بسهولةٍ بينما يكون بقية الطلبة قد وقعوا في "حيص بيص" عن بكرة أبيهم، و لكن نفس هذا الشخص حينما يحاول قَدْح زناد فكره في محاولة التفكير في تطوير التقنيات و الأمور (التي فهمها بكل يُسر): يفشل فشلاً ذريعاً !
في حين يقوم مَن هو أقل منه فهماً و ذكاءاً و قدرةً علي الإستيعاب بتطوير بعض ما دَرَسه و الوصول به إلي مستويً أفضل، و يفشل ذلك النابغة في هذا الأمر رغم حدة ذكائه و توقد ذهنه !

و قد رأيتُ أمامي في الواقع أمثلةً عمليةً علي ذلك، مثل طالبٍ يستطيع بمجرد حضور المحاضرة و قراءتها مرةً واحدةً أن يفهمها كلها، بل و يكون مستعداً للإجابة عن أسئلةٍ في كل ما جاء فيها مهما كانت المسائل معقدة، و دائماً ما تكون درجاته في الامتحانات هي الأفضل رغم أنه الأقل في المذاكرة بين زملائه !، و لكني رأيتُ من هو أقل منه في تلك القدرة يقوم بإنجاز تطويراتٍ وقف أمامها ذلك "الحوت" مشدوهاً و علامات الغيرة تطل بوضوحٍ من عينيه، و لسان حاله يقول "و لكني أذكي منه بمراحل بشهادة الجميع، فكيف يأتي بما لم يخطر لي ببال ؟!"

هذا يدفع دفعاً للتفكير في أن هناك نوعان من الذكاء، الأول هو "ذكاء فهم ما هو موجود من الأشياء و القواعد"، و الثاني "ذكاء رؤية فرص التطوير في ذلك الواقع، و كيفية الوصول به إلي مستويً جديد أفضل من السابق".

قد يُظن أنهما مُترابطان تماماً بحيث يكون مَن يمتلك أحدهما مُمتلِكٌ بلا شكٍ للآخر، و لكن الواقع العملي يقول أن العلاقة بينهما ليست بنفس الدرجة من القوة التي نظنها، فيمكن لمن فهمه للواقع أقل من غيره أن يقوم بتغييراتٍ خارقةٍ للعادة، و يمكن لمن يفهم الواقع بشكلٍ أكبر ألا يقدر علي التغيير و التطوير مطلقاً. أو قد يكون من يمتلك ذكاء الفهم أكثر قدرةً علي التطوير، و هذا هو صلب العلاقة المرنة بين الذكاءين.
 
 كنتُ قد تحدثتُ من قبل عما يُسمَّي "شجاعة الجهل"، و قلتُ أنها بابٌ للطموح المتوحش الذي لا يري ما يقف أمامه و لا يعترف به. و ضربتُ حينها مجموعةً من الأمثلة علي ذلك الأمر في تاريخ الحوسبة، و منها : -لينوس تورفالدز و بناء نواة اللينوكس، - ماتثياس إترِش Matthias Ettrich و تطوير واجهة الـkde، - ستيف جوبز و ستيف وزنياك و بناء أول حاسوب في سلسلة حواسيب Apple.
 
ربما يلفت هذا نظرنا إلي أن الإدراك الزائد عن الحد للواقع و تشابكاته قد يُغلِّف عينَيْ الواحد منا عمّا وراء ذلك من فرصٍ و إمكانيات. لقد قرأتُ في كتاب (25 قصة نجاح) للأخ (رؤوف شبايك) أكرمه الله تعالي أنه كان هناك فتيً يُدعَي: إيان ليوبولد ian leopold، حينما كان في السنة الأخيرة من جامعة (هوبرت) الأمريكية و أراد عمل مشروع تخرجٍ في باب (اقتصاديات قطاع الأعمال الناشئة) كان مشروعه هو دليل تسوقٍ و تنزهٍ مُكوَّنٍ من أربعٍ و أربعين صفحةً مُوجَّهٌ كلياَ لطلاب الجامعات، علي أن يتم توزيعه مجاناً علي هؤلاء الطلبة و يتم التربح من خلال إعلانات المعلِنين. و لكنه حينما عرض هذه الفكرة علي أستاذه الجامعي رفضها الأخير لأنه رأي أنها فكرةٌ فاشلة، و نتج عن هذا أن الفتي لم ينجح في سنته الدراسية الأخيرة.
 الغريب أن الفتي أصر أن فكرته التطويرية تستحق العمل عليها، و بالفعل قام بتنفيذ الفكرة عملياً علي نطاقٍ ضيقٍ في البداية، ثم اتسع ذلك النطاق و استطاع الفتي أن يُوظِّف عدداً من زملائه في فريقه الصغير، و رويداً رويداً تحول الفريق الصغير إلي شركةٍ تدر أرباحاً بالملايين !
 انتبِهوا إلي أن الأستاذ الجامعي رأي أن الفكرة فاشلةٌ لدرجة أنه جعل صاحبها يرسب في سنته الدراسية الأخيرة، و بالتأكيد فإن ذلك الأستاذ لديه من العلم و الإدراك ما يفوق ما لدي (إيان). لكن ذكاء التطوير كان أعلي عند الطالب مما لدي أستاذه، و لهذا قام الطالب بما لم يستطع أستاذه (و ربما كل أساتيذه) فعله.
 
هناك أيضاً تلك القصة التي قرأتُها في أحد مقالات د. أحمد خالد توفيق عن طالبٍ جامعيٍ غربيٍ نام في محاضرةٍ من محاضرات مادة الرياضيات، ثم استيقظ في نهايتها ليجد أن الأستاذ قد كتب مسألتين علي اللوح، فقام الطالب مسرعاً بنقلهما، و ظل أياماً عدة يحل المسألة الأولي إلي أن أنهي حلها في مجموعةٍ من الصفحات بشق الأنفس، و عندما قام بتسليم الحل إلى الأستاذ اشتكي له من الصعوبة الشديدة للمسائل و التي جعلته يحل واحدةً منها فقط في عدة أيام، بالإضافة إلي أنه استعان بمراجع المكتبة حتي يستطيع فعل ذلك. هنا قال له أستاذه ذاهلاً أن المسائل التي كتبها في المحاضرة السابقة كانت أمثلةً للمسائل التي ليس لها حل و التي فشل علماء الرياضيات في حلها !!!
أنا لا أعلم صحة القصة الأخيرة و لكنها تصلح مثالاً علي أمرين: - العلم القليل قد يتسبب في شجاعة ناتجةٍ عن الجهل بالصعوبات، - ذكاء التطوير قد يُوجَد في من هم أقل علماً بشكلٍ أكبر ممن هم أكثر علماً، و هو ما يُعبر عنه المبدأ الذي أرساه علماء الشريعة الإسلامية عبر العصور:"قد يُدرِك المفضول ما لا يُدرِكه الفاضل".
 
و للمرة الثانية سأستشهد بما قاله د. أحمد خالد توفيق حاكياً عن نفسه:
 "في رحلةٍ ريفيةٍ رأيتُ مجموعةً من أصدقائي يلعبون لعبةً سخيفة: علَّقوا زجاجة مياهٍ غازيةٍ فارغة بحبلٍ من غصن شجرةٍ و جعلوها تتأرجح كبندول الساعة، ثم راحوا يُصوِّبون عليها بالبندقية من مسافةٍ بعيدةٍ نسبياً. دنوتُ منهم و قررتُ أن أجرِّب، 
ما هذه؟ بندقية؟ كيف تُطلِقون بها؟ ما المطلوب بالضبط؟ إصابة هذه الزجاجة؟
دعوني أجرِّب، و ضغطتُ الزناد بلا تفكيرٍ لتتناثر شظايا الزجاجة في كل اتجاهٍ و يشهق أصدقائي ذهولاً؛ عرفتُ فيما بعد أنهم يُحاولون منذ ساعةٍ و أن ثلاثةً منهم حاصلون علي جوائز في الرماية لكنهم فشلوا !
 لو كنتُ أعرف هذا كله مسبقاً لفشلت حتماً.
 شجاعة الجهل: لولاها لما فعلنا أي شيءٍ لأننا نتوقع الفشل منذ البداية."
 
انتبِهوا هنا أيضاً إلي أن د. أحمد لم يكن يعرف شيئاً عن الرماية و رغم ذلك استطاع إصابة الهدف من أول ضربة، بينما ظل أصدقاؤه يحاولون لفترةٍ طويلةٍ و فشلوا رغم أن فيهم مَن هو مِن أبطال الرماية ! و ربما يكون سبب فشل أبطال الرماية هؤلاء أنهم فكروا في الصعوبات التي يعلمونها عن إصابة الأجسام المتحركة، و خصوصاً الأجسام الخفيفة التي تستطيع الريح تغيير اتجاهها في أي لحظة، بالإضافة إلي أن الزجاجة بطبيعة الحال جسمٌ شفافٌ و هذا يزيد من تعقيد الأمر. ما قام به د. أحمد أنه بكل بساطةٍ لم ينظر إلي كل تلك التعقيدات التي كبَّلت ذهن رفاقه، و بمنتهي البساطة نفَّذ القاعدة الوحيدة التي تعلَّمها (التي تعلَّمها لتوِّه!) و هي أن يضبط التصويب علي الهدف ثم يضغط الزناد حينما يجد الفرصة سانِحة، و قد فعل و أصاب هدفه في حين فشل من عقَّد الأمور و جعل علمه بالواقع قيداً فولاذياً علي انطلاق ذهنه.
 
الحكمة الوحيدة التي يمكن الخروج بها من وراء كل ما ذكرناه هو: عدم إهمال الأفكار التي يأتي بها من هو أقل علماً و فضلاً؛ لأنها قد تكون أفضل مما لدي الفطاحلة بكثير. و ثانيهما أن نفرِّق بين أنواع الذكاء و ألا نقيس الذكاء كله بمقياس الامتحانات و القدرة علي "إدراك الواقع الحالي"، بل يجب الأخذ في الحسبان أن هناك نوعاً آخر من الذكاء هو "ذكاء إدراك فُرَص التطوير" الذي ربما يغذيه الجهل بتعقيدات الواقع و يجعله أكثر قوةً و إنتاجاً، و ربما يحدث العكس و تكون قلة إدراك الواقع سيئةً و مانعةًً للتطوير، فالمهم هنا أن ندرك اختلاف أنواع الذكاء و ما قد يترتب علي ذلك من آثار.

هناك تعليق واحد:

  1. ولهذا علينا كدولة فهم أهمية العملىالجماعي لأن نوع واحد من الذكاء الفردي لا يؤدي بالضرورة لإنجاح المشاريع الكبيرة. لكن دمج شخصيات لها طرق مختلفة\ غير نمطية في التفكير ينتج عنه التنبه لبديهيات وحلول لا يراها الآخرون ولو كانوا من درجات عقلية أعلى.
    هي سنة التكامل في الأرض.

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.