الأربعاء، 9 يناير، 2013

و نِعم السنوات الضوئية !

قصةٌ قصيرة

كان المشهد مبهِراً و غايةً في التحضر: مئاتٌ من الشباب المتحمس يصطفون في طوابيرٍ طويلةٍ للإدلاء بأصواتهم في اختيار القيادات المختلفة لحزب الدستور العالماني. فمنذ أن وُجِّهت لهم الدعوة بالإدلاء بأصواتهم من البرادعي: اجتمعوا في مجموعاتٍ مختلفةٍ ليتبادلوا الآراء و وجهات النظر المختلفة حول من هم أجدر بقيادة الحزب في الفترة القادمة، و في النهاية توجهوا للإدلاء بأصواتهم في حماسةٍ و نشوة.

و من بعيدٍ كان البرادعي ينظر إليهم بعيونٍ واثقةٍ مُطْمَئنة،
"أنا واثقٌ من حسن اختيار هذا الشباب الواعي للقيادات القوية المُؤهَّلة في هذه المرحلة الحرجة"
قالها و أصابعه تجري علي مفاتيح حاسوبه المحمول ليكتب الكلمات السابقة في تغريدته الجديدة علي تويتر.
***
بعد فترةٍ بسيطة

كانت نتائج الانتخابات مخيبةً للآمال جداً بالنسبة للبرادعي؛ فقد اختار الشباب مجموعةً مِن الشخصيات المحبة للمجادلة في كل قراراته، بينما لم يختاروا مَن يحبهم ممن يسمعونه بدون أي معارضة، و إن حدث أن عارضوه تكون معارضتهم من النوع مكسور الجناح.
"لا مشكلة في هذا، المهم أن نعبر هذه المرحلة الحرجة ثم بعد ذلك يمكنني التفرغ لتنظيف رؤوس هؤلاء الشباب و العبور بها إلي الفكر الجديد"
قالها بينما أصابعه تكتب تغريدةً مختلفةً علي تويتر:
"لقد أحسن الشباب الاختيار و كانوا عند حسن ظني بهم، التغيير قادمٌ لا محالة و يجب علينا أن نوصل هذا الفكر الديموقراطي إلي كل المصريين"
***
بعد فترةٍ أطول

كان البرادعي في غاية الغيظ في عصر ذلك اليوم؛ لقد ظل لمدة ثلاث ساعاتٍ يناقش و يجادل قيادات الحزب بخصوص مسألةٍ من المسائل السياسية. لم يكن هذا يحدث من قبل و كان يتصرف كما يحلو له، بينما الآن صار هناك من يعارضه و يُصرِّح أنه ضد ما يريده !
لكِ الله يا مصر !
لقد تحامل علي نفسه كثيراً و تنازل، و قَبِل أن يضع أفكاره تحت مجهر النقد و التحليل لقيادات الحزب التي اختارها الشباب، لكنه لن يستطيع التحمل أكثر من هذا و عليه أن يفكر في حلٍ سريعٍ لهذه المهزلة.
***
بعد سنواتٍ قليلة

نقلت مجموعةٌ من عيون البرادعي في الحزب إليه كثيراً من الأخبار المخيفة؛ لقد أخبروه أن هناك مجموعةً غير قليلةٍ من شباب الحزب قد بدأوا في مراجعة الأفكار التي طالما تغني بها هو عن ضرورة فصل الدين عن الدولة، و أصبح بعضهم يُصرِّح دون خوفٍ في اجتماعات الحزب أنه يؤمن بالليبرالية و لكن بشكلٍ يختلف قليلاً عن الليبرالية الغربية التي تفرض عليه أن يتعامل مع اللواطيين و السُحاقيات كأنهم بشرٌ أسوياء و من حقهم فعل ما يحلو لهم !
حقيقيٌ أنهم قالوا أن ذلك التيار ضعيفٌ بالمقارنة بالتيار الذي لا زال مخلصاً للعالمانية الصرفة بين شباب الحزب، إلا أنه يعلم جيداً أن أمثال تلك التغيرات الفكرية الثورية تكون في بدايتها ضعيفةً جداً ثم بعد ذلك تصبح أقوي و أقوي، و لكنه احتار فيما يمكنه فعله بعد أن تقلصت قدراته علي تسيير الحزب و كوادره كما يريد !
***
بعد سنواتٍ أطول

طالت عزلة البرادعي هذه المرة بشكلٍ كبير، حتي أن كثيراً من أحبابه بدؤوا يتساءلون:"هل جُنَّ الرجل أخيراً ؟!"
كانت حالته النفسية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم؛ فقد أصبحت سلطاته القديمة أمراً تاريخياً و صارت القيادات الجديدة هي "الكل في الكل" !
المصيبة أن عدداً غير قليلٍ من تلك القيادات كان يميل إلي ما يسمونه بالليبرالية الإسلامية، و هي التي تنادي بالحريات لكن مع عدم خرق المُحرَّمات الدينية، صحيحٌ أنهم يقصدون بالمُحرَّمات الدينية عدداً قليلاً جداً من الأمور مثل شواطيء العُراة و عبادة الشيطان و مثيلاتهن من الأمور، لكنه يعلم أن الدائرة ستتسع إلي أن يتحول الحزب إلي حزبٍ سلفيٍ جديد !!!
لقد رأي هذا يحدث بعينيه مع شباب الحزب، فبعد أن كانت المجموعة التي تنادي بالليبرالية الإسلامية صغيرةً و غير متشددةٍ أصبحوا الآن هم الأغلبية الساحقة من الشباب في الحزب ! و ظهر فيهم من يحلم بإعادة الخلافة الإسلامية مرة ثانية !!!
 
"خلافة إسلامية في حزب الدستور !!! "
هكذا صرخ حبيبه (إبراهيم عيسي) قبل أن يُصاب بذبحةٍ صدريةٍ هلك علي إثرها من فوره، و بفقده وجد البرادعي نفسه شبه وحيدٍ في مواجهة طوفانٍ من الشباب الممسوخ ديموقراطياً.
مد البرادعي يده المرتجفة و كتب علي تويتر:
"الأمل في المستقبل كبير، لن نستسلم للأفكار الرجعية التي ستعيدنا للعصور الوسطي و سنظل نقاتل حتي النهاية"
***
في النهاية

آلت الأمور إلي ما هو ألعن مما كان البرادعي يخاف منه؛ لقد تم انتخاب قياداتٍ جديدةٍ في تلك الفترة و أصبحت القيادات الجديدة للحزب إسلاميةً تماماً !. كانت تلك القيادات قد أسست لنفسها قاعدةً شعبيةً كبيرةً وسط شباب الحزب لأنهم كانوا بدورهم من الرعيل الإسلامي الأول وسط ذلك الشباب. لم تكن كل القيادات إسلاميةً بل كان بعضها من المنتمين لليبرالية الإسلامية، و لكنهم كانوا من النوع الذي لا يعارض الفكر السائد ما دام يضع مشاريعاً اقتصاديةً و سياسيةً جيدة، و لذلك كان من السهل جداً احتواؤهم و العمل معهم في جوٍ ودي.

الوحيد الذي كان يغرد بعيداً عن السرب كان البرادعي، لقد أصبح الرجل يشكل إزعاجاً كبيراً و خاصةً أنه بسبب سنه (التي أصبحت متقدمةً جداً) أصبح يعاني من أمراضٍ شَتَّي و لا يطيق أن يعارضه أحد، الواقع أنه كان يرفض المعارضة قديماً و لكنهم كانوا يستطيعون إرغامه علي الاستجابة لآرائهم ما دامت معهم الأغلبية، لكنهم الآن يكرهون وجوده لأنهم يخافون إن ضايقوه أن يُصاب بذبحةٍ صدريةٍ كـ(إبراهيم عيسي)، أو بالشلل الرعاش كما حدث لـ(علاء الأسواني) منذ شهرين في أحد اجتماعاتهم العاصفة. 
و لهذا السبب عملوا علي عزله من أي منصبٍ رسميٍ كان موجوداً فيه، و جعلوا له منصباً شرفياً لا يستطيع به أن يكون موجوداً في المناقشات الحامية التي يخشون من وجوده فيها. و لو سمع بقراراتهم ثم حدث له شيءٌ بسببها فلن يكون هذا ذنبهم؛ ففي النهاية ليس عليهم مراعاة مشاعر غرباء الأطوار في أي أمرٍ من أمورهم !
***
أتت نهاية البرادعي بشكلٍ مؤسفٍ جداً؛ لقد كان ينتظر لقاء بعضٍ من القيادات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية ليتناقش معهم في آخر المصائب التي ترتكبها قيادة الحزب الذي ضيَّع عليه عمره و جهده، ثم صار لعبةً في أيدي المتطرفين الرجعيين. و بينما كان يقضي فترة الانتظار في متابعة قناة CNN الإخبارية فوجيء بخبرٍ جديدٍ عن التحالفات الانتخابية الخاصة بحزب الدستور، و فوجيء بخبرٍ عن تحالفٍ بين حزب الدستور و حزب الـ...... النور السلفي !!!
ساعتها أيقن أن الانهيار الذي توقعه قد حدث و أن خطأه البسيط في الإذعان في البداية قد أدي إلي هذه النهاية.
ساعتها صرخ:" الديموقراطية يا مني"
و صرخ: "لا للظلام يا يسري"
و....



استيقظ البرادعي من نومه و هو يكمل صراخه هلعاً و جسده غارقٌ في العرق، ثم أمسك كوب الماء الذي علي الكومود القريب من السرير ليشربه كله مرةً واحدةً و هو يلهث بعنف؛ لقد كان كابوساً فظيعاً !
كـ ـا ن كـ ـ ـابـ ـوسـ ــاً فـ ـظـ يـ ـ ـعـ ـاً
فـ ـظـ يـ ـ ـعـ ـاً
 
و لم يكمل بعدها البرادعي نومه في ذلك اليوم، و أضمر في نفسه أمراً ما.

في الصباح التالي فوجيء شباب الحزب بأن البرادعي قد قام بتعيين قيادات الحزب علي مزاجه و دون الرجوع إليهم في أي خطوةٍ من الخطوات !
و حينما رأوه يدخل المقر الرئيس للحزب التفوا حوله ليتساءلوا عن معني هذه البيروقراطية التي لا تليق بمن ينادون بالديموقراطية المطلقة ! و لكنهم فوجئوا به يتجاهلهم تماماً و يدخل إلي غرفةٍ مغلقةٍ مع عددٍ من تلك القيادات المعينة، و بعد ساعةٍ أخري فوجئوا بمجموعةٍ من القرارات التي تنص علي منع انضمام الملتحين و المنتقبات إلي الحزب، و ضرورة استبعاد من يوجد منهم الآن و علي رأسهم "محمد يسري سلامة" الذي كان الإسلاميون يلقبونه بـ"مفتي البرادعي" !
و في الخارج تحمَّع شباب الحزب يعترضون علي هذه الطريقة التسلطية لقيادة الحزب، بينما كان يسري سلامة يتحسس لحيته و هو يقول في تشنج:"و لكني حلَّلتُ له كل شيء و كنتُ أُذلِّل له كل الفتاوي الصعبة حتي صارت سمعتي "طين" بسبب هذا ؟!!!!! يا شماتة (عبد المنعم الشحات) و (نادر بكار) فيَّ"
 
 
في الغرفة المغلقة كان البرادعي يضع ساقاً فوق ساق و هو يكتب علي تويتر:
"لا مستقبل لمصر إلا في الفكر الديموقراطي، و التخلص من الفكر الرجعي المتخلف الذي يُكرِّس لدولةٍ بيروقراطيةٍ باسم الدين"
ثم ابتسم و هو يري الآلاف من متابعيه علي تويتر يعيدون تغريد ما كتبه منذ قليل، و قال و هو يتمطأ في استمتاع:
"الآن علمتُ لِمَ كان الشباب يقولون أنني أسبقهم بمئات السنوات الضوئية"
و قهقه ضاحكاً في استمتاعٍ بينما القيادات التي اختارها بنفسه تنظر إليه نظرات توقيرٍ و تبجيل كالعادة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.