الثلاثاء، 12 فبراير، 2013

اختناق

في الآونة الأخيرة أصبحَتْ كل الظروف المحيطة بي تدفعني للعزلة و الإحباط دفعاً شديداً؛ فالأحداث العنيفة التي تجري في مصر هذه الأيام جعلتني عازفاً كل العزوف عن التحدث في أي أمرٍ يخصها إلا إذا كان أمراً واضحاً كالشمس، لذا لم أكن أتحدث إلا عن الأصول فقط، و قَصَرتُ كلامي علي انتقاد المناهج العفنة كالليبرالية و الغلو في التصوف و ما شابههن. 

و من أكثر الأشياء التي أكرهها في الدنيا و أجد الناس يغوصون فيها حتي الأعناق هذه الأيام هي التفاهة، تجد البلطجة تملأ الدنيا في بعض المناطق من مصر، و الانتهاكات الأمنية تحدث "عيني عينك"، و بين فترةٍ و أخري تخرج تصريحاتٌ من فلان أو علان تُهيِّج الدنيا (مثل تصريحات د. عصام العريان  القيادي الإخواني، و الذي استطاع بموهبةٍ فذةٍ جَعْل طوب الأرض يكره جماعة الإخوان المسلمين حتي من كانوا يستميتون في تأييدهم !)،و في النهاية تجد المعارضة (المجرِمة في معظمها) لا تتحدث إلا عن العنف و الدم و التصعيد، و شبابها يتصيدون الأخطاء لخصومهم تصيداً، لدرجةٍ جعلتهم يتحدثون بإسهابٍ عن أن لغة الرئيس مرسي الإنقليزية سيئة، و يملأون الدنيا ضجةً حول هذا !
ما شاء الله: تركوا الاغتصابات و القتل و قطع الطريق و تسييس القضاء و مشاكل المواطن العادي و لم يروا غير لغة الرئيس الإنقليزية السيئة !!!
و المصيبة الكبري أن كثيراً من المؤيدين ينشغلون بمثل هذه التوافه بدورهم و ينخرطون في الدفاع و التبرير، و يقضون أوقاتهم في شرح أن "الرئيس لم يخطيء في كلامه، بل إن ما قاله هو كلامٌ دارجٌ في ثقافة الأجانب الذين قابلهم"، و هذا "يدل علي تمكنه، و إلمامه بثقافة من يُجري معهم اللقاء و يُوجِّه إليهم الكلام" !

ما هذه التفاهات التي يُضيِّع فيها القوم أعمارهم ؟!

لم أجد في النهاية ما أنصح به الجميع إلا أن ينصرفوا عمَّن يجدونه يتحدث في أمرٍ من تلك الأمور التافهة، و ألا يكتب الواحد منهم إلا شيئاً له أهميةٌ بالفعل، أو أن يذهب ليقرأ آيتين من القرآن ينفعانه في دنياه و آخرته، أو يذاكر علماً شرعياً أو حياتياً ينفعه بدوره.

كانت تلك أول الظروف السيئة، أما ثانيهن فقد كان أن كل الأعمال الجماعية القليلة جداً التي اشتركتُ فيها فشلت بجدارة (و بعضها فشل حتي قبل أن يبدأ !)، أنا بطبعي لا أحب الأعمال الجماعية و أُحذِّر من مغبتها كثيراً جداً، لكن في بعض الأحيان يجد الواحد نفسه مضطراً للخوض فيها حتي و إن لم يُحب ذلك؛ ربما لأن الدافع قويٌ و النتائج مغريةٌ للغاية، أو لأن العيوب متواريةٌ عن الأنظار.

أبرز الأمثلة علي هذا ما حدث لي مع الموقع الحبيب (وادي التقنية)؛ كنتُ و لا أزال أحبه بسبب الجهد المبذول فيه و الفائدة التي تعود علي المجتمع العلمي العربي من ورائه و مثيلاته من المواقع التقنية، لذا فحينما واتتني الفرصة لكي أنشر مقالاتي التقنية فيه لم أتردد في ذلك، قلتُ لنفسي أنني أكتب المقالات بإسهابٍ فعلاً و يهمني أن يقرأها أكبر عددٍ ممكنٍ حتي تعم الفائدة من ورائها، فلِمَ لا أنشرها في (وادي التقنية) أيضاً ؟
أرسلتُ رسالةً للمسؤولين عن الموقع عارضاً الأمر عليهم، و حينما أجابوني بالموافقة بدأتُ بالنشر بالفعل. فقط لأفاجأ بانتقاد بعض القراء القدامي للموقع لمقالاتي من حيث المواضيع و الأسلوب !؛ الحكاية أنهم اعتادوا علي أسلوبٍ معينٍ للمقالات التي تُنشر هناك، و بما أنهم قراءٌ قُدامي فيحق لهم أن يُبدوا آراءهم فيما يحدث في موقعهم الأثير، لذا رأيتُ من ينتقد (ربما بكثيرٍ من الحدة) مواضيع مقالاتي و الأسلوب الذي كُتِبت به. و لأنني لا أستطيع تغيير أسلوبي و لا المواضيع التي أكتب فيها إلا إذا أحسستُ بحاجةٍ فعليةٍ لذلك: قمتُ بمراسلة الإدارة حتي أعلمَ هل يمكنني الاستمرار بنفس الشكل، أم أنني مُطالَبٌ بالتغيير و بالتالي أضطر للانسحاب من المشاركة، و قد أجابتني الإدارة مشكورةً أن الأمر هينٌ و ليس هناك داعٍ للقلق. و يوماً بعد يومٍ كان هناك من يمتدح مقالاتي و يتحمَّس لها، و ربما راسلني ليعبر لي عن إعجابه بآرائي و/أو أسلوبي، و هو ما كان يعطيني دفعاتٍ معنويةٍ جميلةٍ تقويني علي الاستمرار.

إلا أن الأمور بدأت في التغير ناحية الأسوأ حينما أعلنتُ عن مشروع البرمجة بإبداع؛ فبطبيعة الحال بدأتُ أنشر أخبار المشروع علي موقع وادي التقنية نظراً لأنه موقعٌ إخباريٌ في المقام الأول، كما أنه يدعم المشاريع التقنية العربية التي يندرج مشروعي تحتها. إلا أنني فوجئتُ بأن هناك كثيرين قد اشتكوا للإدارة من كوني "أستغل" الموقع للترويج لمشروعي ! و اضطرت الإدارة إلي طلب تخفيف جرعات أخبار المشروع و طرحها مُجمَّعةً علي فتراتٍ غير قريبةٍ جداً.
و قد أثار هذا حفيظتي للغاية؛ فالمشروع مجانيٌ تماماً، كما أنني كنتُ أكتب مقالاتٍ علميةٍ بإسهابٍ علي الموقع من قبل و لم يَشْكُ أحدهم من كثرتها مطلقاً !
فلِمَ ظهرت الشكوي الآن من أنني "أستغل" الموقع ؟!
ثم ما ذنبي أن معدل الكتابة في الموقع بطيء بالمقارنة مع معدل كتابتي السريع ؟!

رغم هذا إلا أنه حتي تلك اللحظة كانت الأمور سيئةً فقط؛ ففي كل الأحوال كانت أخبار الإصدارات الجديدة من مُفسِّر أُبِْدِع كثيرةً في البداية لأن هناك عدداً كبيراً من العِلل bugs لم يتم حلها، و لكن هدأت الأمور بعد فترةٍ قصيرةٍ لأن معظم العِلل الواضحة كنتُ قد اكتشفتُها و أصلحتُها بحمد الله تعالي. لذا لم يكن هناك مشكلة في نشر تلك الأخبار علي فترات، و لكنني كنتُ قد قررتُ ألا أنشر علي وادي التقنية إلا "أكثر الأخبار أهميةً" عن المشروع و ليس "كل الأخبار"، و أن أعود لنشر مقالاتي التقنية العادية هناك كما كنتُ أفعل قديماً.
لكن بدأ بعض القراء يتذمر مرةً أخري من تلك المقالات، ربما لأنها تحمل آراءاً تخالف آراءهم، و ربما لأن أسلوبي بالفعل لا يتناسب مع الموقع الإخباري بطبيعته. لذا بدأَتْ فكرة التخلي عن النشر في وادي التقنية تُلِح عليَّ بشكلٍ قوي؛ فأنا بطبعي لا أحب وجع الرأس و كثرة الكلام و الجِدال و تضييع الأوقات و الجهود فيما لا يستحق، كما أنني لا أحب أن أسبب حرجاً لأي شخصٍ كان، و قد وجدتُ أن مشاركاتي هناك تسبب تذمراتٍ بين حينٍ و آخر بما قد يؤدي لإحساس القائمين علي الموقع بالحرج من مشاركتي لهم. 

إلي أن أتي يومٌ نشر فيه أحد الأفاضل خبراً عن لغة برمجةٍ عربيةٍ جديدةٍ تُسمَّي "قلب"، و استغل (سامحه الله تعالي) الخبر لينهال سخريةً من كل المبرمجين العرب الذي صمَّموا و/أو بنوا لغات برمجةٍ عربية !
لو كان الأمر نقاشاً علمياً صرفاً ما كانت هناك مشكلة؛ فأنا بالفعل احتطتُ لمعظم الانتقادات التي وُجِّهت أو يمكن أن تُوجَّه لمثل مشروعي منذ البداية، و قد وضعتُ ردودي الكاملة في كتاب الرسالة حتي أستريح من عناء تكرار ذات الكلام مراتٍ و مرات. إلا أن المصيبة أن المقال كان عبارة عن وصلةٍ من "الردح العلمي" مع الاعتذار عن التعبير السوقي الذي لم أجد أفضل منه !؛ فقد تضمَّن المقال السخرية من قدرات مصممي لغات البرمجة العربية و أهدافهم بل و نِيَّاتهم !!! و مثل هذه الانتقادات لا أحب أن أرد عليها و لا يجب أن أهتم بها من الأصل؛ فليست في النهاية ذات قيمةٍ علميةٍ علي الإطلاق.

لكن من ناحيةٍ أخري فإن مثل تلك الاتهامات تؤثر في النفوس و المشاعر، و لذا حزنتُ و غضبتُ كثيراً مما قرأتُه في المقال و قررتُ ساعتها أن أنهي الأمر كله حتي أُريح و أستريح، لكني انتظرتُ قليلاً لأري رد فعل القراء علي المقال؛ فربما يلومون كاتبه علي اللهجة التي استخدمها أو تشكيكه في نيات الآخرين، أو حتي علي أنه خرج عن المعتاد عليه في الموقع (كما كان بعضهم يفعل معي)، لكني فوجئتُ بأنهم يوافقونه علي ما قال، بل و بعض من راسلني طالباً مني مساعدتَه في بعض الأمور علَّق مؤيداً إياه ! هكذا !!!

لذا حاولتُ حذف حسابي علي وادي التقنية لكني لم أستطع، فقمتُ بحيلةٍ صغيرةٍ بتغيير كلمة سر حسابي هناك إلي كلمةٍ جديدةٍ لا أعلمها، ثم سجَّلتُ خروجي، و قمتُ بحذف رابط الموقع من خدمة خُلاصات rss التي أتابع عليها مواقعي المفضلة لكي لا أتذكر هذا الأمر فيما بعد، و أستطيع التركيز في الأمور الهامة التي بين يدَيْ. و ها أنذا أنشر مقالاتي علي مدونتي الشخصية فقط كما كنتُ أفعل قديماً، صحيحٌ أن أعداد القراءة قليلةٌ جداً جداً خصوصاً بعد تخلصي من حساباتي الشخصية علي معظم مواقع التواصل الاجتماعي (معظم المقالات لا يتعدي عدد قرائها الثلاثين قارئاً !)، إلا أنني سعيدٌ براحة البال التي أنعُم بها الآن بعد التخلص من عناء الرد علي المهاجِمين و المتأولين.

هذا ما كان يخص أمر أعمالي الجماعية في قائمة الأمور التي سببت لي حالةً من العزلة في الأيام الماضية، أما الأمر الأخير في القائمة فقد كان مشكلةً شخصيةً حرجةً جداً، لا أزال أعاني منها و لم أحلها تماماً حتي الآن. و أكبر ما يؤلمني فيها أنني مظلومٌ علي طول الخط: فلا ذنب لي في بدايتها و لا سيرها المأساوي ! و هي واحدةٌ من المرات القليلة جداً التي أجد نفسي فيها مكبَّلاً بقيودٍ شديدة الوطء بدون أي جريرةٍ من جانبي.
و بالإضافة إليها فهناك ضغوط أقاربي عليَّ للبحث عن عمل، فبالنسبة لمن حولي فأنا حالياً "عاطل" لا أستحق كسرة الخبز التي آكلها !؛ فهم يحترمون من يكسب المال حتي و إن لم يعمل في مهنةٍ ذات شأن، و يحتقرون ما عدا ذلك حتي و إن كان هدفه أعلي العلا ! لذا فلا تستغربوا من أنه لو كان الإمام أحمد ابن حنبل رحمة الله عليه حياً اليوم لرموه بالعته !

كل ما فات جعلني أتمني كثيراً أن أسافر إلي قَطَر سريعاً في المنحة التي فزتُ بها في الموسم الرابع من  برنامج نجوم العلوم، و لكن حتي هذه المنحة تأخرت كثيراً جداً حتي كادت روحي تزهق من الانتظار، و فكرتُ في الاعتذار عنها و السفر للعملٍ في مكانٍ جديدٍ أري فيه أشخاصاً جدداً، و لكن حتي فرصة السفر التي لاحت في الأفق قد ذهبت أدراج الرياح بدون أي توضيحٍ أو تفسير، و زادتني عدم ثقة في وعود الآخرين مهما كانوا من المقرَّبين إليَّ !
أما المنحة فقد أخبروني في الفترة الأخيرة أن ميعاد السفر قد يتأخر حتي نهاية شهر مارس أو ربما بداية شهر أبريل ! لذا فلكم أن تُخمِّنوا كم الإحباط الذي أعيش فيه هذه الأيام.

نسيتُ أمراً آخر: أرجو أن تضيفوا إلي كل ما سبق أنني مُطالَبٌ في هذه الأيام أن أنهي دمج مكتبة الـjdk في مُفسِّر أُبْدِع في أقرب وقتٍ ممكن، بكل ما يعنيه هذا من عَنَتٍ ذهنيٍ و حاجةٍ لصفاء الذهن و القلب للعمل بكل قوة !

عامَّةً ليس أمامي إلا الصبر و الدعاء، و أسألكم دعاءاً صادقاً بظهر الغيب علَّ الله تعالي يخفف عني بعض ما أجد من هم.

هناك تعليق واحد:

  1. لا تجعل أحدا يتحكم في الأسلوب الذي ترتاح فيه إلا كانت من باب الأفضل.
    أما المعلقين السلبيين فيكفي أنك تعمل وهم لا.

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.