الأربعاء، 20 فبراير، 2013

الإخوان السلفيون

لو تناسينا قليلاً المآخذ الشرعية و السياسية التي آخذها علي جماعة الإخوان المسلمين: فإن من أكثر الأمور التي تُميِّزها هي القدرة الكاملة علي الإحاطة بأعضائها و احتضانهم. يعني أن الإخواني يجد في الجماعة كل ما يرغب فيه من كل النواحي:
فهناك دروسٌ دينيةٌ لتلقي العلم الشرعي،
و هناك رحلاتٌ و مُخيَّماتٌ تُمارَس فيها الرياضة و الهوايات المختلفة،
و هناك المُمارسة السياسية التي انخرط فيها الإخوان منذ أن تم تأسيس الجماعة،
و هناك النقاشات و الندوات و ما يشبههن،
تلك حياةٌ كاملةٌ يجد فيها الإخواني أن الجماعة تحيط به من الجهات الست، و بالتالي لا عجب أن نري أنه يزداد انتماءً لها و اعتزازاً بها.
فأين السلفيون من هذا التنظيم ؟!

السلفيون من أكثر الناس حضاً علي الالتزام بالشريعة السمحاء في أخف أمورها و أثقلها سواءً بسواء، و مِن أكثر الناس حضاً علي طلب العِلمين الشرعي و الحياتي لإصلاح الدنيا بالدين، و لكن أعداد شبابهم المتزايدة التي لا يُقابِلها زيادةٌ مماثلةٌ في أعداد الشيوخ المُربين تؤدي إلي أمورٍ شنيعة، فتحوَّل العلم الشرعي الذي يطلبه أغلب السلفيين من "علمٍ شاملٍ" إلي مجرد "متناثراتٍ في العقيدة و فروع الفقه" ! و بدلاً من أن يكون جل همهم هو مطالعة أصول العقيدة و أصول الفقه و أصول الحديث: نري أن أغلبيتهم لا تري في العِلم الشرعي إلا كتب الفروع، و لا تحفظ من المسائل العقدية و الفقهية إلا أشهرها، و في كل ذلك هم أقرب للتقليد الذي ينكرونه ليل نهارٍ علي الفرق المبتدعة، لا اتباع الدليل و البرهان الذي يُطالبون به في كل حين !

بل و ربما تجد مِن إخوانك في الله مَن يخبرك بحسرةٍ أن الناس شَكَت من أن فلاناً و فلاناً السلفيين كانوا يقومون بما يُشبه البلطجة علي النصاري في منطقتهم، و ربما يصل الأمر ببعضهم إلي معاكسة النصرانيات في الشارع تقرباً لله تعالي !!!
فينفتح فمك ذهولاً و تتساءل و بوادر الأزمة القلبية تلوح في الأفق: "يتقربون لله بمعاكسة الفتيات ؟!"
هذا هو الخزي و العار مجسَّدين، و لو أن السلفية هي ما يفعله هؤلاء لكان الواجب هو قطع دابرها من الأرض.
إن أمثال أولئك بحمد الله تعالي قلةٌ صغيرةٌ جداً، لكنها موجودةٌ و نسمع عنها و تُعطي وقوداً للإعلام العالماني الذي يستغلها أبشع استغلالٍ ممكن و يبني عليها ألف كذبةٍ و كذبة، ثم إن الناس لن يُجروا مع أولئك المنتسبين للسلفية تحقيقاً صحفياً ليعرفوا أهم سلفيين حقيقةً أم لا، الناس لن تري سوي أن هناك من يُطلِق لحيته و يُقصِّر ثوبه بينما يرتكب ما يندي له جبين العامة خجلاً !
هكذا ترون ما يؤدي إليه زيادة عدد المنتمين للسلفية مع قلة عدد من يُشرف علي تربيتهم و تأهيلهم علمياً و ثقافياً، و يقوم بإصلاح اعوجاجهم إذا حدث.

و الحل الأفضل بالنسبة لي هو أن يكون هناك ما يشبه الإطار أو الهيكل التنظيمي الذي يجمع بين أولئك المنتمين للسلفية، لا أريده أن يكون بالضبط مماثلاً لجماعة الإخوان المسلمين؛ فأنا لا زلتُ أري أن وجود جماعةٍ دينيةٍ لها قَسَمٍ للطاعة و الولاء هو أمرٌ غير جائزٍ شرعاً (و إن كنتُ قد سمعتُ أن هذا قد تغيَّر في هيكل الإخوان المسلمين)،  و إنما أريد هيئةً (أو هيئاتٍ) سلفية ترعي الشباب المسلم (السلفي و غير السلفي) من كل النواحي، فتنظم لهم طرق تلقي العِلمين الشرعي و الحياتي، و كذلك تنظم لهم الرحلات و الأنشطة التي يُخرِجون فيها طاقاتهم و قدراتهم و يُطلِقوا لهم العنان في هذا، 
بل و أريد أن يكون من مسئولية مثل تلك الهيئات مساعدة من يرغب في الزواج علي ذلك، عن طريق التوفيق بين عائلات الملتزمين و تسهيل أمور اختيار شريكَيْ الحياة، و المساعدة علي تخفيض تكلفة الزواج (أو الطلاق لو قدر الله تعالي ذلك).
باختصار: أنا أريد هيئةً شاملةً تحتوي الشباب السلفي داخلها لتؤهله لحمل الراية كما نتمنى. و تكون لها فروعٌ مُنظَّمةٌ في أغلب البلاد الإسلامية (إن لم يكن فيها كلها).

لقد قطع الإخوان المسلمون في ذلك شوطاً لا بأس به و تحملوا في ذلك صعاباً لا يعلمها إلا الله تعالي، و آن لنا أن نرتقي بذلك الجهد خطوةً أخري بتصحيح ما نراه فيه من عيوبٍ تنظيميةٍ أو مآخذ شرعية، سواءٌ أكنا سنبني "فوق" جماعة الإخوان أم سنبني "بجانبها".  و كذلك قطع كبار المشايخ شوطاً لا بأس به في ذلك (مثل العلَّامة الحويني الذي يلقبه البعض بـ"عمدة كَفْر الشيخ"، التي هي محافظته)، و لكنها جهودٌ فرديةٌ قام بها أعلامٌ لم يرتبطوا بهيكلٍ تنظيميٍ يُوحِّد جهودهم و يضخِّمها.
صحيحٌ أن الأنظمة الفاسدة السابقة منعت تواجد مثل تلك الهياكل التنظيمية (و نري هذا فيما كان الإخوان يتعرضون له من ويلاتٍ في عهود "الديموقراطية الزاهرة")، و لكن الظروف الآن صارت بحمد الله تعالي أفضل بكثيرٍ مما كانت عليه قبلاً، و صار الطريق مفتوحاً لزيادة قوة الهيئات الإسلامية الحالية و الارتقاء بها إلي درجةٍ أقوي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.