الاثنين، 4 مارس، 2013

نِقاشات "تطليع اللسان"

أثناء النقاشات العلمية و/أو السياسية و/أو الشخصية أو غيرهن ستجد أن مَن يُحادِثك يندرج تحت أحد الحالات التالية:
  • السعي نحو الحقيقة مع الأسلوب الجيد في النقاش،
  • السعي نحو الحقيقة مع الأسلوب السيء في النقاش،
  • عدم السعي نحو الحقيقة مع الأسلوب الجيد في النقاش،
  • عدم السعي نحو الحقيقة مع الأسلوب السيء في النقاش.

و هنا أريد الحديث عن النوع الرابع من أنواع النقاش، و الذي أسميه "تطليع اللسان"؛ فحينما تجد أن من يُحاوِرك يستخدم لجهةً سيئةً في الكلام، و تجده يفترض طوال الوقت أنه سوف يسحقك في النقاش (بل و ربما يتفاخر بذلك بكلماتٍ صريحةٍ): يمكنك ساعتها أن تعلم أن الحوار أصبح ليس بحوار، و أن مَن أمامك لا يريد سوي إثبات أنه علي صوابٍ و أنك مُخطيءٌ علي طول الخط.

حدث معي هذا أكثر من مرة، كان مِن آخرهن أن أرسل إليَّ أخٌ فاضلٌ ينتقد فيه انتقاداتي للغات البرمجة المختلفة، هذا أمرٌ عاديٌ جداً و أعتبره صحياً و يدل علي جوٍ علميٍ جيد. لكن ما جعل الأمور تنقلب مائة و ثمانين درجةً كان أنه حشا رسالته بكلماتٍ تدل علي أنه يعتبر رسالته هذه هديةً من السماء لهداية الحياري و الضالين !

كان بإمكاني بسهولة رؤية هذا من التعبيرات التي استخدمها في رسالته؛ فكان منها أنه "يُهمل الأخطاء التي يجدها في المنتديات العلمية حتي لا يدخل في حواراتٍ جدلية، لكنه استثناني من هذا لما يراه عندي من أخطاء" يعني بوضوحٍ أنه يري نفسه يتفضَّل عليَّ حينما يقوم بتوجيه الانتقاد إليَّ، و رغم أنه لا يُضيِّع وقته مع أمثالي في المعتاد إلا أنه أعطاني شرف الاستثناء من هذه القاعدة !
هذه بدايةٌ قاصمةٌ لظهر النقاش من الأصل، و لستُ أدري ما الذي توقَّع أن يحصل عليه كردٍ ما دام قد بدأ حديثه بمثل تلك المقدمة !

ثم أتت الكلمة القاصمة حينما علَّق علي مقالٍ انتقدتُ فيه مزج لغة البرمجة الـpython لصفات الأصناف  classes و الدوال functions؛ حيث قال ما معناه "كما يمكنني الرد علي نقدك للـpython فتفوتة فتفوتة" !
و الحق أن أكثر ما أحرق دمي في الخطاب كان ذلك التعبير العبقري "فتفوتة فتفوتة"؛ ففي هذا قمة التسخيف لعقلي و لما أكتبه لدرجة أنه يخبرني بقدرته علي سحقه سحقاً !
يا سلام ! ما هذه القدرة علي مُجابَهة الناس باحتقار عقولهم و الاستعلاء عليهم ؟!

و لم يقف الأمر عند تلك الدرجة، بل إنه قال في رسالته تلك ما معناه "أنه يثق في أنني سأظل أدافع عن آرائي حتي النهاية" ! حسناً أيها العلَّامة النحرير: لماذا أرسلت إليَّ تلك الرسالة أصلاً ما دمتُ ضيق الأفق لهذه الدرجة و لا فائدة من نقاشي ؟!
و الغريب أن بعض انتقاداته لأسلوبي في الكتابة جعلتني أُغير فيه بالفعل، و رغم ذلك واصل انتقاداته تلك فيما بعد بنفس الأسلوب الذي لامني عليه !

ثم يكتب الأخ مقالاً من صفحتين أو ثلاثٍ يعترض فيه علي نقدي للغة البرمجة التي صمَّمها و بناها (و هو حقه الطبعي)، ليقول في آخره بمنتهي الاستفزاز ما معناه أنه "لا يريد أن يتسبب مقاله ذلك في دفعي أو دفع غيري لعدم بناء لغات برمجةٍ عربيةٍ أخري" !
يا سلام !
بعد العمل لما يزيد علي العامين، و بعد بناء مشروعٍ ذي نواةٍ ضخمةٍ مثل أُبْدِع، و بعد تأليف كتابٍ جيد الحجم مثل كتاب الرسالة، بعد كل هذا يريد ألا يتسبب مقاله ذي الصفحتين أو الثلاث في دفعي لترك المحاولة !
بالله عليكم ماذا يكون هذا ؟!

بحمد الله تعالي استطعتُ منع نفسي بصعوبةٍ من تحويل الأمر لخلافاتٍ شخصيةٍ رغم أنني قادرٌ علي ذلك، و منعتُ نفسي بقوة من استخدام نفس الأسلوب السخيف في النقاش رغم أنني (و يعلم الله تعالي ذلك) قادرٌ علي أن أجادل ليل نهار وأكتب في ذلك ما يشاء الله تعالي لي أن أكتب؛  هذا لأنني لا أحب أن أشغل وقتي بتفاهاتٍ لن أجني من ورائها إلا ضياع الوقت و الجهد و امتلاء صحيفتي بالذنوب. 
و في مثل ذلك النوع من النقاشات قد تجد أن خصمك مصيبٌ في نقطةٍ أو أكثر في كلامه، و لكن أسلوبه السيء يدفعك للدفاع عن آرائك بالباطل، لتُفاجَأ بنفسك و قد صرتَ مُدلِّساً في غمضة عينٍ لمجرد أنك زججتَ بنفسك في حوارٍ لا طائل من ورائه !
كما أنني صاحب طموحٍ لا يُحَد، و أري أنه لا يليق بي أن أدخل في مثل تلك الحوارات ذات النهاية المسدودة، فإن كان هناك من يعتبر نفسه "حسنة الأيام و الليالي" و "رمانة الميزان المفقودة": فهو و شأنه، فليس عندي لا الوقت و لا النية لأموت و أنا أجاهد في إخراج لساني لإغاظته.

هناك أيضاً ذلك الصديق الليبرالي القديم (هو يصف نفسه بالليبرالي لذلك لا أجد حرجاً في وصفه به)، كنا ندخل في حواراتٍ لا تنتهي بعد الثورة كلما احتدم صراعٌ بين التيارات الحاملة للهوية الإسلامية و التيارات الليبرالية في مصر، و كان يفاجئني دائماً بكمية التجني علي التيار الإسلامي في حديثه كله، فهو يدور في فلك الهمز و اللمز و التشنيع بلا توقف، و يستخدم ألفاظاً شنيعةً (يستخدمها معظم الناس الآن في مصر علي اختلاف تياراتهم، و لا حول و لا قوة إلا بالله).

و حينما فاض الكيل بي قطعتُ صلتي به تفادياً لوجع الرأس الذي لا فائدة وراءه، و رغم أنه حاول إرجاع العلاقات كما كانت (بمودةٍ أثق في صدقها) إلا أنني أرغمتُ نفسي علي الصدود الذي ربما يراه الناس أقرب للصَّلَف؛ فبالفعل أنا لا أستطيع الرجوع و قد أيقنتُ من أن لزومي صحبته يضرني أكثر مما ينفع، و أنني إذا ما عدتُ فسيعود نفس السيناريو للتكرار مرةً أخري لأجد أنني أشتبك معه بقوةٍ أكبر !
و كيف أُعاوِده و تلك أثر فأسه ؟!
ثم: أليس إخوتي في الله من الملتزمين دينياً أحق بوقتي من أي أحدٍ آخر (إذا حدث و قررتُ الجلوس مع أحدٍ من البشر أصلاً) ؟

إن عمري الآن خمسةٌ و عشرون عاماً، بما يعني أنني لو قدَّر الله تعالي لي أن أعيش بمتوسط الأعمار الحالي فإنه يتبقي لي في الدنيا حوالي الخمسة و ثلاثون عاماً أخري، سأقضي حوالي ثلاثة أرباعها في النوم، و الاكل و الشرب و لوازمهما، و الزواج و الإنجاب و لوازمهما، و الصلاة و العبادة و لوازمهما، و ما سيتبقي لي لا يتعدي التسع سنوات !
من بين ستين عاماً لم أستطع تخصيص إلا تسع سنين للعلم الحياتي !
فهل بعد هذا أقوم بإنفاق تلكم السنوات المعدودات علي القيل و القال و تطليع اللسان لهذا و ذاك ؟!

كيف أُضيع القليل الذي لدي بينما أحتاج أضعافه لبناء البرمجيات التي أريد بناءها، 
هناك أُبْدِع الذي أريد تحويله إلي تجميعةٍ من المُترجِمات compiler collection تصلح لكافة الأغراض،
و هناك أندلس التي أريد تحويلها لبيئةٍ احترافيةٍ من الطراز الأول، 
و هناك المُنقِّح debugger الذي أريد بناءه، 
و هناك المُحوِّل الذي يُحوِّل برامج الـjava إلي برامج إبداع، 
و هناك المكتبة القياسية التي أريدها شاملةً جامعة، 
و هناك نظام التشغيل العربي الذي أريد بناءه في المراحل المتقدمة من المشروع، 
و هناك الكتب التي أريد تأليفها و نشرها بين الناس في البرمجة، 
و هناك الروايات و المجموعات القصصية اللاتي أريد تأليفهن، 
و هناك المقالات التي أريد أن أملأ بها الدنيا كلها في شتي الأمور، 
و هناك كتب الفكر و العلم الشرعي التي أريد تأليفها لتكون من منارات العلم للدنيا،
و غيرهن و غيرهن من أهداف الرجال الحقيقيين.

باختصارٍ: أنا أريد حينما أموت أن يبكي الناس ما خسروه بفقدي، فإن نسوا اسمي ظلت أعمالي باقيةً ما بقيت الدنيا بفضل الله تعالي. لذا فلا وقت عندي لأي جدالٍ بلا نفع، و لا وقت إلا: للعمل و العمل ثم المزيد من العمل.

هناك تعليقان (2):

  1. بعد قراءة النصف الأول للمقال كنت سأعلق ناصحا ألا تجعل هذه النقاشات تسلب طاقتك، ثم وجدت أنك منتبه لهذه النقطة بالفعل.

    ردحذف
    الردود
    1. تعلمتُ هذا بالطريقة الصعبة حينما مررتُ بأكثر من نقاشٍ من ذلك النوع، خصوصاً تلك النقاشات التي تكون متعلقةً بمسائل دينية حساسة، و كنتُ قديماً أُصِر علي أن أستمر في النقاش حتي أنتصر لقولي بالدليل و البرهان، إلا أنني كنتُ أفاجأ بالجانب الآخر يستخدم طريقة "تطليع اللسان" بشدة، و فوجِئتُ بأن كثرة هذه النقاشات تؤثر عليَّ و علي تصرفاتي بالسلب، فعزمتُ علي الإقلال منها صيانةً للدين و العقل.

      حذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.