الثلاثاء، 19 مارس، 2013

الساحر المستدير

صديقي (الذي أستخدمُ حسابه البنكي لتلقي التبرعات عليه لصالح مشروع "البرمجة بإبداع") ذَهب البارحة إلي البنك ليري كم بلغَتْ التبرعات، بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهرٍ و نصف علي الإعلان الرسمي عن المشروع.  
هذا الصديق لديه من المشاغل (و المشاكل) الشخصية ما يكفيه، و زاد عليها أن خِطبته تمت في الأسبوعين الماضيين و كان مضطراً للسفر بعد إتمامها مباشرةً بسبب وجود تدريبٍ له في القاهرة (بينما يقيم في "أسوان" و مخطوبته من "الأقصر" !).
و رغم معرفتي بكم مشاغله و همومه إلا أنني ألححتُ عليه في موضوع الذهاب لمعرفة كم التبرعات طوال الفترة الماضية، و علي الرغم من أنني كنتُ أظن أنه لن تكون هناك أي تبرعاتٍ من الأصل إلا أنني أردتُ أن أدرك صلابة الأرض التي أقف عليها، و أن أدرك كل المعطيات التي أحتاجُها لاتخاذ القرارات فيما بعد. 
كما أنه لو كانت هناك تبرعاتٌ فربما تفيد في الأيام القادمة في مساعدتي علي السفر إلي المنحة البحثية القَطَرية التي "تتعلق بالمشروع" لأنني كما تعلمون أنفقتُ جميع مدخراتي و أوقاتي و جهودي علي "المشروع"، لذا فوضع نقود التبرعات في أمرٍ كهذا سيكون منطقياً جداً و سيكون ضميري راضياً تماماً عن ذلك الإنفاق.

كان من المفروض أن يذهب صديقي إلي البنك صباحاً و يرسل لي الأخبار في الظهيرة، أو لو كانت هناك مشاغل تؤخره فسيخبرني مساءً. و قد تأخر الصديق عن إبلاغي بما وجده بالفعل حتي الساعات الأولي من ليل البارحة، ثم وجدتُه يقول أن التبرعات قد بلغت: ........ "صفراً" !
 
الفتي متضايقٌ منذ الصباح من الأمر و لا يريد إخباري بالأمر حتي لا يُحزنني، هذا يؤكد لكم أنه لو كانت لي حسنةٌ واحدةٌ بعد إسلامي لكانت حسن اختياري لأصدقائي؛ فأنا بحمد الله تعالي لا أتمسك بصداقة أحدٍ إلا إذا كان من تلك النوعية المحترمة. لقد حزن الرجل من أجلي بينما (و صدقوني في هذا) أحسستُ أنا بكثيرٍ من الراحة بعد معرفة هذا الخبر. 
ليست الراحة هنا لأنني من النوع المريض نفسياً الذي يتسلي بأن يجلس في غرفته وحيداً ليسب ثلاثة أرباع سكان الكرة الأرضية لأنهم "لا يفهمون كم هو رائعٌ و فاتن"، و يضيع عمره كله في الرثاء لنفسه حتي يلقي الله تعالي و ما عمل شيئاً ينفع به المسلمين، و ليست لأنني ذو نزعةٍ ماسوشيةٍ أتلذذ بسببها بتعذيب نفسي.

بل لأنني من النوع الذي يرغب دوماً في أن يكون حراً منطلقاً، و التبرعات المادية كانت ستفرض عليَّ نوعاً من الالتزام ببعض المسارات التي قد أكون غير راغبٍ في سلوكها، أو عدم اتخاذ قراراتٍ قد أكون في غاية الاقتناع بأهمية اتخاذها؛ لأن وجود التبرعات المادية يجعل المتبرعين "شركاء" فعليين في المشروع؛ فأنا أقدم الجهد و التفكير و هم يقدمون ما يكفل لي بذل الجهد و التفكير. و هكذا لا أكون "الباني الوحيد" للمشروع بل "أحد البناة"، و أنا أدرك أنه ما إن يتعدد البناة حتي يكون لزاماً عليَّ أن أحول الأمر لشوري قاطعة يخضع لها الجميع ابتداءً بي و انتهاءً بآخر مُنضَمٍ للمشروع، و من يدري: فربما يكون هذا هو أحد أسباب تأخيري فتح مصدر أُبْدِع حتي الآن؛ للاحتفاظ بالسيطرة علي رسم المسار العام للمشروع قدر الاستطاعة لكي يكون متسقاً مع بقية أركان المشروع كما أراها.


لا يعني هذا أني لم أتضايق أو يصيبني الكثير من الغيظ و الإحباط، إلا أنه يعني أن الأمر ليس صادماً للغاية كما قد يراه الكثيرون. لكن المثير للدهشة في الأمر هو أن ذلك دليلٌ علي أن الأخ الفاضل الذي كان من قِبل قد هاجمني (أنا و كل مصممي و بُناة لغات البرمجة العربية) في موقع "وادي التقنية" بمنتهي الشراسة لم يتبرع للمشروع، رغم أن موقعه "يدعم المشاريع العربية" بالإضافة إلي أنه كان يريد أن تكون مشاريع لغات البرمجة العربية مفتوحة المصدر !
 
لسان حالي يقول: "من فين يا حسرة ؟!"
فإذا كان هناك من يريد أن تكون تلك المشاريع (التي يُنفِق أصحابها دماء قلوبهم و عقولهم عليها لتستمر) مفتوحة المصدر فالمنطقي هو أن يمد يده بما يساعدهم علي فتح ذلك المصدر و الاستمرار في العمل (ما دام قادراً علي تلك المساعدة)، أم أن الموضوع بالنسبة له كان مجرد نقطةٍ يستغلها في الهجوم و السلام ؟! (المشكلة أنه لم ينتبه إلي أن المشاريع الأخري فيها ما هو مفتوح المصدر، مثل لغة "كلمات" !، و هذا يدل بالفعل علي أن الأمر بالنسبة له كان مجرد استغلالٍ للأمر في الهجوم فقط).



هذا أمرٌ يثير الغيظ لأقصي الحدود !

لكن برغم  هذا فأنا أعذر الكثيرين ممن يؤيدون المشروع و يتمنون له الخير؛ ففيهم العائل و الفقير و صاحب المشاكل التي لا يعلمها إلا الله تعالي، و الطالب الذي ليس له من الأمر شيء. كما أن هناك من ساعدني (و يُساعدني حالياً) في أمورٍ أخري تخص المشروع، لذا فليست المسألة بهذه الدرجة من الظلامية.

و الآن: ماذا بعد اليأس من وجود التبرع المالي ؟
كل ما فات لا يعني أنني سأتوقف عن العمل في المشروع، و لا يعني حتي أنني لن أجعله مفتوح المصدر كما قلتُ من قبل، بل إنني سأفعل ذلك كله بمشيئة الله تعالي في أقرب فرصةٍ ممكنة، و لكني لن أخصص حساباً بنكياً أو ما يشبهه لتلقي التبرعات المادية لأنني فقدتُ الأمل تماماً و لا أرغب في وجع الرأس لي أو لأصدقائي، و لو حدثت المعجزة و أصبح هناك من يرغب في التبرع الخيري فأمامه التبرع لأهلنا في سوريا و بورما و أفغانستان و غيرهن من بلاد الإسلام المنكوبة، و هم أحوج مني لكل تبرعٍ يمكن الحصول عليه. 
باختصار: سأبذل قصاري جهدي لتلافي وجود اعتمادٍ ماديٍ للمشروع علي أي مخلوقٍ خلاف المشاركين فيه (و هم في هذه المرحلة أنا فقط).

لا أدري كيف ستكون الأمور فيما بعد، ولكن الأمر الوحيد الذي أُدرِكه أنه لا وقت لدي للعبث و تضيع وقتي في الرثاء للذات و تقليد الفاشلين في طرق تعاملهم مع الأزمات. و لا أملك الآن إلا الدعاء بأن يرزقني الله تعالي انضباط ضغط الدم.

سأسافر إلي قَطَر في الأول من أبريل القادم بإذن الله عز و جل، و بعد انتهاء فترة المنحة (خمسة أسابيع) سأري ما يمكنني فعله خلال الفترة القادمة، و إن كنتُ أظن أنني سأقوم بفتح مصدر أُبْدِع علي مرحلتين: 
  • المرحلة الأولي: سأنشر الكود بدون أي نوعٍ من التوثيق، 
  • المرحلة الثانية: سأنشر الكود مصحوباً بتوثيقٍ كامل،
و سيفيد هذا في إراحة بالي من هذه النقطة، بالإضافة إلي أنه سيعطي من يرغب في المساهمة (إن كان هناك أحدٌ يرغب في ذلك) القدرة علي مطالعة الأكواد مبكراً بدون الاضطرار لانتهاء التوثيق (الذي قد يأخذ شهراً كاملاً ليكون جيداً).

هناك 9 تعليقات:

  1. ربنا يوفقك ويعينك .. ويخدم بك الإسلام

    فنحن فى زمن كلٌ يبكى فيه على ليلاه

    استعن بالله واصبر .. وما صبرك إلا بالله

    ردحذف
    الردود
    1. وفقني الله و إياكم لما فيه خير الدنيا و الآخرة.

      حذف
  2. قل أعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون

    ردحذف
    الردود
    1. رزقنا الله و إياكم العمل الصالح الذي يُغفر لنا به، و نكون في رفقة النبي و صحبه في الجنة :)
      و إن كان في الآية خطأٌ صغير؛ لأن الكلمة "أعملوا" يجب أن تُكتَب "اعملوا" :)

      حذف
    2. جزاك الله خيرا

      حذف
  3. والله يا اخى لو كنت املك المال لكنت اول المتبرعين لانك حققت حلم بالنسبة لى كان صعب المنال فجزاك الله خير الجزاء واعانك على سد هذا الثغر

    ردحذف
    الردود
    1. أكرمك الله و بارك فيك، يكفيني دعاؤك الصالح :)

      حذف
  4. السلام عليكم

    جدد نيتك فى مشروعك ثم استعن بالله ولا تعجز واطلب الرزق من مولاك

    ردحذف
    الردود
    1. علي الله قصد السبيل، و أسألكم الدعاء بظهر الغيب.

      حذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.