الجمعة، 15 مارس، 2013

كونٌ معكوس ؟!

في الأيام الماضية نُشِرت مجموعةٌ قصصيةٌ للصديق "ياسين أحمد سعيد" نشراً رقمياً من خلال دار "الورَّاق" للنشر الرقمي، تحت اسم (الكون المعكوس). و هي الخطوة التي طالما حاولتُ دفعه للقيام بها؛ لكي يتغلب علي النظرة الأسطورية التي ينظر بها الكُتَّاب الشباب إلي النشر الورقي.
هذا الفتي مصابٌ بمرضٍ من نوعٍ خاصٍ أسميتُه "مُتلازِمة الإصدارات الجديدة"، و لا يبخل علي اهتمامه الأدبي لا بجهدٍ و لا بمالٍ و لا بوقت، كما أنه (ما شاء الله) يمتلك حصيلةً جيدةً من الأفكار الجيدة التي تستحق نشرها للناس.
بالطبع لم أستطع مقاومة قراءة المجموعة الجديدة؛ فمن ناحيةٍ سيلتهم الأخ ياسين ذراعي إن لم أقرأها، و من ناحيةٍ أخري أريد معرفة التطور الذي حدث لأسلوبه و فكره، و هل يستجيب للنصائح التي أٌقدمُها له بصفتي دودة قراءةٍ لا تكل و لا تمل.

و أكبر مشكلةٍ أري أن ياسين يغرق فيها حتي أذنيه هي أنه يستعجل الإنتاج؛ فيريد أن يملأ الدنيا رواياتٍ و مجموعاتٍ قصصيةً و كتبا.
هذا ممتازٌ حتي الآن،
لكن هذه الرغبة تحمل جانباً سيئاً صارحتُه به مِراراً، و هو أنه لا يُعطِي نفسه الفرصة الكافية لإتقان علوم اللغة، و بالتالي تجد أنك في أحيانٍ كثيرةٍ تقرأ له قصةً قصيرةً أو روايةً و قد شدتك الأحداث و الحبكة جداً، ثم فجأةً تقع عينك علي خطأٍ نحوي فج ! أو علي تعبيرٍ غريب التكوين تحار في فهم معناه. أو تجد أنه أنتج قصةً جميلةً لكنها كانت ستصبح أجمل لو أنه "صبر عليها" بعض الشيء و لم يتعجل إلقاء حملها من فوق عاتقه، و هذا ما جعلني أنصحُه كثيراً بأن "يُعطِي الطبخة وقتها".
لن أتحدث عن تجاهله لعلامات التشكيل حتي لا يقول أنني "أتلكك" له، لكني سأتحدث عن تجاهله لعلامات الترقيم لأنه لا يُعطيها حقها إلا فيما ندر، مع أنها ذات أهميةٍ كبري في توضيح معني الكلام و التفريق بين ما يجب التفريق بينه، و الجمع بين ما يجب الجمع بينه.

لكن بشكلٍ عامٍ فالفتي يتقدم باستمرار، لا أقول هذا لأنه صديقي بل لأنه يتقدم حقيقةً. و لو أن أحدكم قرأ روايته الأولي (المنسيون) ثم روايته القصيرة في المجموعة القصصية المشترَكة (دائرة المجهول) ثم مجموعته القصصية (الكون المعكوس) لعلمتم قصدي؛ فقد لاحظتُ أنه صار أكثر قدرةً علي سَبْك صياغات جُمَلِه بحيث لا يتوه القاريء معها، و كذا فقد أصبحت أخطاؤه النحوية و الإملائية أقل بكثير، و أوضح ما تكون هذه الحكاية في "الكون المعكوس" لأن التدقيق اللغوي كان من نصيب دار "الورَّاق"، و رغم هذا فقد وجدتُ خطأً أو اثنين واضحين في المجموعة !

بالنسبة للمجموعة القصصية (الكون المعكوس) فهي ذات مستويً جيدٍ جداً من حيث نوعية القصص الطويلة التي بها، كما أنها ذات تنويعةٍ واضحةٍ رغم أنها كلها تدور في أفلاك الخيال العلمي الممتزج بالخيوط الاجتماعية المحببة، مع لمسةٍ غرائبيةٍ لا تخلوا منها كتابات ياسين (حتي و إن كانت كتاباتٍ اجتماعيةً في الأصل)، كما أن ياسين أجاد نسج كل تلك القصص الطويلة في ثوبٍ واحدٍ لتُحقق التناسق مع اسم المجموعة "الكون المعكوس" و هذا أمرٌ أحبه في الكتب؛ لأني أحب في كل كتابٍ أن تكون له شخصيته الخاصة التي تظهر بدءً من العنوان حتي الغلاف الأخير، و أن تكون تفاصيله متسقةً و متناغمةً مع بعضها البعض، و هذا يزيد من المتعة التي أجدها عند قراءته.


الغريب أن ياسين أعطي هذه النقطة اهتماماً لم أكن أظنه يوليه إياها؛ فحينما كنا نتسامر في أحد الأيام أخذ يشرح لي بعض الأمور التي تراها عاديةً في "الكون المعكوس" مثل عناوين الروايات القصيرة، و لكنها حينما تُطالِعها بنظرةٍ مختلفةٍ فإنك تكتشف أنها تُعطِي معانٍ تتعلق بالمحتوي، مثل ترتيب العناوين الخاصة بكل روايةٍ من تلكم الروايات القصيرة !
هذا يدل علي أنه أعطي الطبخة حقها قدر الاستطاعة، و رأيي الخاص أنه نجح في ذلك بشكلٍ كبير.

ياسين لا يُخفي أن المجموعة عبارة عن مفاتيحٍ لرواياتٍ طويلة؛ يعني أن كل واحدةٍ من الروايات القصيرة هي مُقدِّمةٌ لروايةٍ أطول قد يكتبها ياسين فيما بعد، و علي الرغم من أن بعض تلك المُقدِّمات القصيرة مبتورٌ بشكلٍ يثير الغيظ (أقصد قصة "النهر المشتعل" بالذات)، إلا أن الغالبية تصلح بالفعل لأن تكون أجزاءاً مُتصلةً مُنفصلةً من جسدٍ أكبر، و هي تصلح كفاتح شهيةٍ ليجعل القراء المحترفين ينتظرون التتمة التي أظن أن ياسين يكتب بعضها الآن.

ما يُميِّز ياسين و يُريحني عند قراءة إنتاجه الأدبي: أنه بالرغم من أنه يُعلِن أنه لا ينتمي للتيارات السياسية "الإسلامية" (و كذلك الأدباء الشباب الذين أعلمهم من أصدقائه)، بل و ربما أعلن بعضهم (أو أغلبهم) أنهم ضد تلك التيارات جملةً و تفصيلاً، إلا أنه (و كذلك هم أيضاً) يحققون الحلم الذي يراود تلك التيارات منذ الأزل، في وجود جيلٍ جديدٍ من الأدباء لا نري في إنتاجه الأدبي تلك التلميحات و التصريحات الجنسية و الإلحادية الفجة، و التي نجدها بإسهابٍ عنيفٍ في أدب العالمانيين (و اقرؤوا كتابات "علاء الأسواني" و "أحمد مراد"؛ لتروا كيف أن هؤلاء لا يتحثون إلا عن المواخير و الجنس و النفسيات القذرة من بين كل ما يمكنهم التحدث عنه).

و سبب وجود مثل هذا الجيل هو ما انتبه إليه د. أحمد خالد توفيق حينما قال أن د. نبيل فاروق قد أثَّر في شباب العرب كما لم يفعل أحدٌ من قبل، فنتيجةً لوجود كتابات د. نبيل فاروق و د. احمد خالد توفيق و أمثالهما من الحكَّائِين: استطاع الشباب العربي العثور علي البديل القصصي "النظيف"، بدلاً من تضييع وقته و عقله (و ربما دينه) مع روايات الأجيال العالمانية التي زكمت أنوفنا برائحة الجنس و الإلحاد الفجين في كتاباتهم. 

بل وصل التأثير التنظيفي لعقلية الشباب العربي إلي درجة أنه حينما ألَّف د. احمد خالد توفيق رواية "السِنْجة": استنكرها كثيرٌ من الشباب لما وجدوه فيها من جرعةٍ جنسيةٍ ثقيلة (قد نختلف في ضرورة وجودها من عدمه، و كذلك في توظيفها الجيد أو السيء لخدمة الهدف من الرواية)، و هذا يعطيك فكرةً عن مدي قوة التأثير لكتابات رواد الخيال العلمي و المغامرات العرب مثل د. نبيل فاروق و د.احمد خالد توفيق و د. نهاد شريف و د . رؤوف وصفي، و غيرهم علي الرغم من أنهم بدورهم يُعلِنون أنهم ضد التيارات الإسلامية في الأغلب !

و ربما يُفسِّر هذا عدم الاهتمام النقدي بهم و معاملتهم نقدياً بعجرفةٍ و سخافةٍ صبيانية، بل و اعتبار النقاد لهم أنهم أدباءَ من الدرجة الثانية أو الثالثة، في حين أن الشباب العربي (علي اختلاف توجهاته الفكرية) يعتبرهم أدباء الدرجة الأولي و الثانية و الثالثة و الرابعة و لا يأبه لهؤلاء النقاد و لا بمن يرفعونه إلي السماء من أوثانهم الأدبية إلا فيما ندر !

سأقف عند هذا الحد حتي لا يتحول مقالي عن "الكون المعكوس" إلي محاضرةٍ أدبيةٍ/ سياسيةٍ مملة، و يمكنكم تحميل تلك المجموعة القصصية من خلال الرابط:

هناك 6 تعليقات:

  1. أشكرك صديقى على رأيك الجميل ، لقد كنت كعهدى بك دائما ، دقيق ، منظم ، واضح ..
    لقد اندمجت فعلاً فى التعاطى مع ملاحظاتك القيمة ..وأستفدت منها كأبلغ ما يكون كالعادة ..
    وبينما وصلت لذروة الإندماج والمخمخة ، ودخلت على الثلث الأخير من المقال ..
    ازبهليت من أن الملاحظات توقفت ، و أنك تحولت إلى الوعظ ، وامعنت فى دحض ما تعتبره أدب اباحى ..
    لقد كنا نتحدث عن الكون المعكوس يا بعيييييييد ..فما الذى أدخل الأدب الإباحى فىا لموضوع ..
    روح منك لله يا شيخ ..
    ^_^

    ردحذف
    الردود
    1. اعذرني يا صاحبي: طلبت معايا سياسة XD

      حذف
  2. أهلا يا بشمهندس
    أهلا يا ياسين
    بخصوص وجود جيل جديد ينتج روايات وقصص خالية من الجنس والالحاد، وهذا الجيل ورواده ضد التيارات الاسلامية، كل هذا يجب أن يجعل التيارات الاسلامية تعيد التفكير فى لماذا هؤلاء ضدنا؟

    ياسين سبق وقلتلك رأيى فى الكتاب، ولمحتلك أنى ممكن أكتب عنه فى المدونة، بس آسف يا برنس والله الواحد نفسه مش مفتوحة خالص للكتابة، عموما خيرها فى غيرها

    سؤال للبشمهندس وائل: ممكن معلومات عن منحة لغة ابداع اللى حضرتك نلتها من قطر؟؟ وهل ممكن ألتحق بيها أنا ولا لأ؟؟ أنا ليا دراية جيدة بالبرمجة، لكن لا أحمل أى شهادة أكاديمية.

    ردحذف
  3. واضح ان فيه حاجات كتير مش عارفها
    حضرتك مصمم ومخترع اللغة، تمام تمام، هنزل الكتاب بتاع الرسالة وهحاول أقراه :)
    لكن على فكرة، مفيش أى روابط خالص فى الصفحة دى http://ebda3lang.blogspot.com/p/blog-page.html
    لتحميل الكتاب، سواء فى ال 4shared أو فى ال Sourceforge

    ردحذف
  4. عموما أنا لم أكل من البحث، ووجدتك فى مقال ما تأتى برابط من موقع kutub.info
    يا ريت تعيد كتابة اللينكات تانى
    أما رابط موقع كتب دون إنفو للمتابعين يعنى :) فهو :
    http://www.kutub.info/library/category/99
    جارى تصفح الكتب :)

    ردحذف
    الردود
    1. مرحباً بك يا محب: أسأل الله تعالي أن تكون المدونة أعجبتكَ و إن اختلفتَ معي في الآراء و المنهج :)
      بالنسبة لتحميل الكتب ففي الرابط:
      http://ebda3lang.blogspot.com/p/blog-page.html
      ستجد الروابط في الصور نفسها، يعني اضغط علي أي صورة و ستجد نفسك في صفحة التحميل.

      أما المنحة فقد فزتُ بها حينما شاركتُ في برنامج المسابقات التليفزيوني العلمي "نجوم العلوم stars of science" في العام الماضي، و كنتُ من بين المتأهلين الستة عشر بحمد الله تعالي.

      حذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.