السبت، 30 مارس، 2013

من الإعجاز النَّظْمِي في القرآن الكريم

من الشُّبهات التي قد يُوجِّهها غير المسلمين بخصوص القرآن الكريم أنه ليس مُنظَّم الأبواب و المواضيع كما يليق (حسب ظنهم) بالكتب التي تريد تقديم رسالةٍ معينة، و الحق أن هذا الادعاء كغيره من الادعاءات التي يهمهم أن يلقوها في وجه عوام المسلمين لمجرد التشكيك في الإسلام فقط، يعني أنهم يسيرون علي منهج "العيار اللي ميصيبشي يدوش". ولهذا فلا عجب من أن المُدقِّق في هذا الانتقاد يراه لا يتناسب بحالٍ من الأحوال مع أصل المناقشات التي ينبغي أن يكون الجدال دائراً حولها؛

فنظم القرآن أمرٌ فرعيٌ بالنسبة للسؤال الأهم: أهو بالفعل تنزيلٌ و وحيٌ إلهيٌ أم لا ؟؛ فإن كان وحياً إلهياً فإن نظمه بذلك الشكل مقبولٌ جداً بل و في قمة التناسق مع الأهداف التي تُنزَّل لأجلها الكتب السماوية، أما إن كان غير سماويٍ (و حاشا لله ألا يكون) فإن أَهْون مسألةٍ يُمكن إثارتها هي مسألة النَّظْم، و لو ذُكِرَت فينبغي أن تكون كفقرةٍ مُلحَقةٍ بالاعتراضات الأكثر وجاهةً عن السند و تناقضات المَتْن و ما يشبههن من اعتراضاتٍ يمكن تقديمها عن كتابٍ من الكتب الفكرية القديمة في التاريخ.

حسنٌ: كيف يكون نَظْم القرآن هو الأنسب بالنسبة للكتب السماوية ؟
بدايةً دعونا نتساءل عن هوية القرآن الكريم: أهو كتاب وعظٍ و إرشاد ؟
أم هو كتاب قصصٍ و حكاياتٍ عن الأمم السابقة و قصص نشوئها و ارتقائها و اندحارها ؟
أم هو كتاب أمرٍ و نهيٍ ؟
أم هو كتاب تبشيرٍ و إنذارٍ و وعدٍ و وعيد ؟
و هل له خاصية أن قارئه لا يمل من ترداده مرةً تلو الأخري، أم أن قراءته مرةً واحدةً تجعل الواحد يكتفي، و من ثم ينفر من قراءته مرةً ثانية إلا غصبا ؟

فلو كانت للقرآن وظيفةٌ واحدةٌ فقط لكان المعتاد عليه هو أن تكون محتوياته علي شكل أبوابٍ و فصول، و يُقسَّم بحسب المواضيع. لكن بما أنه يقوم بكل تلك الوظائف مُجتمِعةً، بالإضافة لخاصية أنه لا يمل قارئه من ترداده مرةً بعد مرة علي النقيض التام من كل الكتب الأخري: فإن وضعه في تنظيمٍ تقليديٍ يخرق جزئية المتعة في التكرار، و يلقي عليه بعباءة الرتابة و الإملال بعد أول مرةٍ من قراءته.

لذا فحينما تقرأ القرآن تجد أنه يسرد عليك جزءاً من قصةٍ عن أمةٍ سبقت ليستخلص منها عبرةً ما، ثم يليها بوصف عقاب الأمة الفاسقة و/أو ثواب الأمة المؤمنة، لذلك تُصبحُ علي أهبة الاستعداد  لأن تمتثل للأمر و النهي اللذين يأتيان بعد ما سبق، و بما أن القرآن هو أرقي نصوص اللغة العربية و أقواها مبنىً و فصاحةً: فإنك تجد فيه تلك السهولة غير العادية عند القراءة و التكرار، مما لا تجده في الكتب و المقالات التي تحس معها بالنعاس عند قراءتها للمرة الثانية (بل و ربما عند المرة الأولي !).


و الدليل العملي علي ما فات هو أمرٌ بسيطٌ جداً: فكم واحدٍ تجده من حولك يحفظ القرآن كاملاً من الغلاف إلي الغلاف؟ و كم واحدٍ تجده فيمن حولك كلما انتهي من قراءة القرآن من الغلاف إلي الغلاف بدأ في القراءة من البداية مرةً أخري؟
هم بفضل الله عز و جل بالملايين من المسلمين حول العالم، و فيهم من الأطفال الذين لم يبلغوا الحُلُم خلقٌ كثير !
و الآن: كم واحدٍ قرأ كتاب "رأس المال" لـ"كارل ماركس" من الغلاف إلي الغلاف ؟
و كم واحدٍ فيهم قرأه أكثر من مرة ؟
و كم واحدٍ من هؤلاء الذين قرؤوه أكثر من مرةٍ حفظه كاملاً ؟
و الإجابة تُدركونها بأنفسكم و لا حاجة لي لقولها.

لذا فالتعامل مع القرآن علي أنه "دستور المسلمين" أمرٌ يشوبه بعض المشاكل؛ فالقرآن فوق الدساتير و فوق الأعراف و القوانين مهما كانت، و لكنه لا يحتوي فيما يحتويه علي القوانين المُنظِّمة لحياة المسلمين فقط، بل يحتوي كذلك علي الوعد و الوعيد و القصص الحق و البشارة و النذارة، و كلهن لا يرتبطن بشكلٍ مباشر بالقوانين الحاكمة للحياة.
لذلك رأينا الفقهاء يُفردون كتباً لفروع الفقه يضعون فيها تلك القوانين التي استنتجوها من آيات القرآن و السنة النبوية الصحيحة لرسول الله صلي الله عليه و سلم، فليس كل الناس بقادرٍ علي الوصول للأحكام الشرعية من القرآن و السنة مباشرةً؛ لقصور ذهنه و/أو قلة علمه.

و الألعن من بين التعاملات الخاطئة مع القرآن علي الإطلاق: التعامل معه علي أنه كتاب "وعظٍ و إرشادٍ فقط" (كما يفعل الليبراليون و بقية الطوائف العالمانية)؛ و الرد علي أمثال هؤلاء له مكانه و وقته الخاصَّيْن بإذن الله تعالي، مع أنه من الأمور البدهية التي تُدرَك بالفطرة قبل الدليل و البرهان.

هناك 4 تعليقات:

  1. بارك الله فيك

    ردحذف
  2. ولا تنقضي عجائبه فعلا. فاستمرار القرآن في العطاء كلما تعمقت فيه هو حقيقة وليس مجرد كلام إنشائي.
    بخصوص موضوع الفرعونية والديانات الباطنية الذي أكتب عنه الآن، وجدت أن أهم النجوم التي عبدها المصريون القدماء (النجم سيريوس - أو الشعرى اليمانية) مذكور صراحة في القرآن، وفي سياق التأكيد على ربوبية الله له!!
    فأمثال هذه الآيات تُتلى منذ قرون، وتُفسَر ويستفاد منها، لكن طبقات معانيها لم تنته بعد بحمد الله.
    على عكس أي كتاب بشري. وهذا وحده يثبت الإعجاز.

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.