الأربعاء، 8 مايو، 2013

كيف أصبحتُ ظاهرياً ؟


طلب مني شيخنا "أبو محمد المصري" أعزه الله و بارك فيه أن أخبره بالكيفية التي مِلتُ بها إلي منهج الظاهرية، و وافَق هذا ميلاً في نفسي لقص هذه الحكاية و سردها بشكلٍ عام. 

و في واقع الأمر فقد بدأت الحكاية بشكلٍ غريبٍ جداً؛ فقد كانت أول مرةٍ سمعتُ فيها عن منهج الظاهرية من مسلسلٍ تليفزيوني يسرد قصة حياة الإمام "علي بن حزم الأندلسي" رحمة الله عليه !، و كان اسم المسلسل "ابن حزم". و سبب ميلي للمسلسل أنه كان يعرض حياة بن حزمٍ رحمه الله بمنتهي التزوير و التدليس، فتعمَّد صانعو المسلسل (ككل أبناء التيار العالماني المسيطر علي الإعلام) علي صبغ حياته و فكره بما يُسمونه "الإسلام الوسطي"، و الذي هو في حقيقة الأمر ليس إلا إسلاماً منزوع الدسم يسير وراء أهواء الناس ليُحِل لهم ما يريدونه حلالاً و يُحرِّم عليهم ما يرون تحريمه، حتي و إن كان ما يُحلونه حراماً في شريعة رب العالمين، و  ما يُحرِّمونه حلالاً فيها !

المهم أنني أحبتُ المسلسل بسبب رسالته الواضحة التي تقول للعامة المُغيَّبين: "انتوا حلوين جداً و صح جداً، خليكم زي ما انتوا بقا" !، و لنفس السبب أحببتُ شخصية بن حزم رحمة الله عليه. كما أن شخصية الإمام القوية المتحدية الصادعة بالحق في وجه الخصوم قادرةٌ علي أن تثير الإعجاب في نفسك حتي لو كنتَ تُخالِفه في الرأي و الاجتهاد.

ثم أتت المرحلة الجامعية التي كانت صدمةً كبيرةً جداً لي؛ فقد رأيتُ فيها من التيارات الفكرية الكثير و الكثير مما لم أكن أعلم عنه إلا يسيرا، فهناك الإخوان المسلمون، و هناك السلفيون، و هناك الشباب العادي الذي ليس له أي نزعةٍ فكريةٍ منهجية، و هناك الليبراليون (و أضم إلي هذه الفئة كل من هو ضد تطبيق شريعة رب العالمين، حتي و إن أَصَر أنه من العامة و لا ينتمي لمنهاجٍ معين).
و في ظل الصدمة التي تلقيتُها وجدتُ أحد زملائي في الغرفة يحدثني عن أصول السلفية و مبادئها، و بعدما اقتنعتُ بها و بدأتُ أطلق علي نفسي وصف "سلفي": حدث أن قرأتُ كتاباً لمفتي الجمهورية السابق "علي جمعة"، و كان كتاباً مليئاً بالتدليس و التزوير العلمي !، لكن قلة علمي الشرعي وقتها تسببت في ارتباكٍ عنيفٍ عندي، و بدأتُ أبتعد عن السلفيين و عن منهجهم رويداً رويدا.
لكن فضل الله عز و جل عليَّ كان السبب في أنني لم أكف عن القراءة والاطِّلاع علي كتب أصحاب المناهج الفكرية المختلفة، و كان من ضمن ما قرأتُه كتباً لعالمانيين مصريين مشهورين، و حينما بدأتُ أميل للعالمانية بفضل كتبٍ فيها من التدليس و الاحتيال الفكري ما لم أنتبه إليه إلا في الفترة المتأخرة من حياتي: رزقني الله تعالي بكتابٍ لن أنساه ما حييت؛ فالكتاب المُسمَّي "أهمية العقل - الإصلاح الدينى والتواصل الحضاري" لـ"د. فريال حسن خليفة" هو الكتاب الذي أنصح بنشره علي العامة في كل الأوقات لكي يتعرفوا علي المنهج العالماني الصرف حينما يُقدَّم بأقل كميةٍ ممكنةٍ من التدليس و التزويق !؛
فالمرأة بذلت كل جهدٍ لإيصال فكرة أن المسلمين لن يتحرروا إلا بتقليد ما فعله "مارتِن لُوثر كِنْق" الذي بني العقيدة البروتستانتية و وقف في وجه السلطان الكنسي الكاثوليكي، بل و انتقدت منهج "الأفغاني" لأنها رأت أنه أقل جرأةً و تحريراً للعقل من  "لوثر" !.  كما أنها كانت تخلط بين "أصول الدين" و "أفعال المتدينين" بشكلٍ فجٍ حتي بالنسبة لي أنا صغير السن و التجربة، مما  أوضح لي أن الهدف الحقيقي ليس هدم "ألمتدينين الزائفين" بل هو هدم الأصول و المعتقدات الدينية التي تمنع أمثال أولائك من فعل ما يحبون فعله مما يخالف الشريعة و يصادمها كل المُصادَمة.

و حينما قرأتُ محتوي ذلك الكتاب الكاشف أكثر من مرةٍ و استوعبتُ حجم الكارثة: أدركتُ أنه لا نجاة لي من الحيرة إلا بالمزيد من الاطِّلاع علي الأصول و الجذور الفكرية لكافة المناهج، و بعد اطِّلاعاتٍ و تخبطاتٍ لا يعلم حجمها إلا الله تعالي: وجدتُ الأدلة و البراهين تدلني علي أن منهج السنة النقي هو طريق الحق القويم الذي لا ضلال فيه و لا زيغ، و أن أصحاب المناهج الأخري يزيد ضلالهم و تخبطهم كلما زاد بعدهم عن معين السنة الصافي، و كلما ابتعدوا عن الدليل و البرهان من القرآن و السنة كلما ابتعدوا عن الحق.
إلا أن المشكلة بعد ذلك أنني انتبهتُ إلي أن معظم ما يَدرسه طلبة العلم السلفيين لا يتعدي الأصول العقدية و بعض الأصول الفقهية، ثم الكثير و الكثير من الفروع !، و أن مناقشة أحدهم في فرعيةٍ من الفرعيات لا تؤدي في الغالب إلا للتشاحن و رمي بعضنا البعض (و لو سراً) بالإصرار علي الخطأ و عدم اتباع السنة.و لذلك زاد عزمي و إصراري علي أن تعلم الأصول هو الفيصل الذي يقطع الشك باليقين، فبدأتُ تعلم أصول الفقه و الحديث.

ثم مرت أوقاتٌ كثيرةٌ و تساؤلاتٌ شتي أبحث لها عن إجاباتٍ في بطون الكتب و من أفواه الناس، حتي تيقنتُ من أن أصحاب الحديث و علماؤه هم العلماء حقا، و صرتُ لا آبه كثيراً بمن لا يُتقن علم الحديث و فنونه، و من يبني اجتهاداته بمجرد معرفة آراء كل الفِرق الفقهية في تلك المسألة. و حينما تعمقتُ أكثر وجدتُ أن أغلب التشويش الذي يحدث، و أن أغلب الاختلافات و التشاحنات لا مُسبِّب لها إلا سير الفقهاء وراء ظنونهم و ولع الكثير منهم بالانفراد بالرأي، و أن كثيراً من أهل الاجتهاد قد يتقول علي الله تعالي و ينسب لشريعته الغرَّاء ما لا دليل عليه من نصٍ خاصٍ أو عام ! و كل هذا لأنه "ظن" أن سبب حكمٍ من الأحكام يُوجد مثيلٌ له في قضيةٍ أخري و بالتالي يجوز له أن يقضي فيها بالحكم نفسه !

هكذا "يستنتج" عِللاً لا دليل عليها إلا ظنونه، ثم يطبقها علي قضايا أخري لم يأت فيها لا نصٌ خاص و لا عام !
و حينما تتساءل عن سبب ذلك يقول لك أن النصوص الشرعية لا تفي إلا بالنذر اليسير من الأحكام و أنه لا بد من القياس لاستنتاج البقية !، و بغض النظر عن أن الشريعة تحتوي علي قواعد عامة يندرج تحتها ما لا يكاد يُحصَي من الفرعيات: فإن الأمر الواضح أن ما ليس فيه نصٌ بالتحليل و التحريم يكون علي أصل الإباحة، و بالتالي فأي داعٍ لأن تقوم بالاستنتاج للعِلل ثم تُسقِطها علي قضايا أخري لا علاقة لها بها ؟!

بصراحةٍ شديدة: لقد وجدتُ الراحة الذهنية و البساطة و المنطقية و الوضوح في منهج الثبات علي اليقين و ترك الظنون. أن تقوم بجمع الأدلة التي تثق فيها ثم تبني علي ما اتضح لك من أحكامٍ واضحة، و أن تترك ما لا نص فيه علي الأصل، فإذا وجدتَ أمراً من الأمور يحتاج لقاعدةٍ تَفصِل فيه فستعلم حينها أنه لا بد من أن هناك قاعدةً عامةً يندرج تحتها الأمر و عليك أن تبحث عنها و تطبقها.

الأمر يحتاج للكثير من الشرح و التوضيح بما لا يستوعبه مقالٌ بسيطٌ مثل هذا، و لكن يمكن الاكتفاء بهذا مؤقتاً إلي أن يُيسِّر الله تعالي لي أن أستفيض في شرح النقاط المختلفة.

هناك 5 تعليقات:

  1. أحب ابن حزم وأقدر كتبه جدا، خصوصا طوق الحمامة في شبابه والفِصل في كبره.. لكن اتخاذ الظاهرية كمذهب فلا!
    أساسا لا حاجة لتقليد مذهب ولا الالتزام بفروع إمام معين. فالدليل هو الفيصل كما تعلم.
    مسألة القياس مهمة ونحتاجها.. فتحريم السجائر مثلا، كاختراع لم يكن موجودا أيام السلف، إنما تم على أساس القياس.
    ولو بحثت لوجدت أن لابن حزم أخطاء كغيره من العلماء.. انظر مثلا ما جمعه في كتاب الإجماع، ترى أنه ظن الكثير من المسائل عليها إجماع وهي غير ذلك في الحقيقة. بل وعُرف عنه أحيانا التشبث بالرأي وشيء قليل من الاستعلاء بنفسه، كما أذكر مما قرأته عنه قديما.
    وأظن أن المنهج الظاهري له أيضا اختيارات عجيبة في التفسير، لأنه يبني على مسألة ظاهر معنى الآية فقط دون تعمق في المغزى.
    لكن على العموم أظن أنك تأخذ جزءا فقط من الظاهرية وليس كل أقوالهم، فربما تكون تعرف كل هذه الاعتراضات التي قيلت عنهم بالفعل.
    -----
    ولا أخفي في الحقيقة إعجابي بأسلوبه الصدامي في مناظرة أهل الكتاب، وأظن أني تأثرت به في الفصل الخاص بالمسيحية في كتاب الأساطير!
    -----
    ملاحظة لغوية بسيطة:
    الاضطلاع هو تحمل المسؤولية وأخذ المهمة الموكولة على عاتقك. أما الاطلاع، دون حرف الضاد، فيعني الاطلاع على الكتب والتطلع إلى ما فيها.

    ردحذف
    الردود
    1. التمذهب شييءٌ مقيتٌ أرفضه تماماً إذا ما كان معناه الالتزام بأصولٍ و فروعٍ معينةٍ دون التقيد بالدليل و البرهان من الكتاب و السنة، أما إن كان يعني موافقة آراء شخصٍ آخر للاقتناع بالدليل و البرهان اللذين يعتمد عليهما فهذا أمرٌ لا مشكلة فيه عندي، علي الرغم من أنني أصبحتُ أنفر من المسميات المختلفة مثل "سلفي" و "ظاهري" و غيرهما و لا أستخدمهما إلا عند الحاجة لوصف المنهج الفكري بشكلٍ سريعٍ (مع الاعتراف بما في ذلك من خلل و إبهام).

      بالنسبة للقياس فأجد فيه تكلفاً غير عادي و يُضاد الفطرة البسيطة؛ فمثلاً مسألة تحريم السجائر لا حاجة فيها مطلقاً إلي القياس؛ لوجود القاعدة النصية التي تقول "لا ضرر و لا ضِرار" و أشباهها من النصوص، و بالتالي يصير ضياع المال و الصحة حراماً بالضرورة، فأين الحاجة مع القواعد العامة لتكلف "استنتاج" العِلل و تطبيقها علي قضايا ليس فيها لا نصٌ خاصٌ و لا حتي عام ؟!

      الأمر أعقد من ذلك و يحتاج لتفصيلاتٍ تطول، و لكن القاعدة البسيطة المباشرة تنص علي أنه لا يمكن تعليل أحكام الله تعالي إلا بالعلل التي ذكرها عز و جل في القرآن أو علي لسان نبيه صلوات الله و سلامه عليه، بغض النظر عن قابلية تطبيق تلك العلل علي فروعٍ أخري غير التي ذُكِرَت مرتبطةً بها من عدمه. أما العِلل التي "يستنتجها" الفقهاء فليست إلا ظنوناً قد تخطيء و قد تُصيب، و ظنون الناس ليست ديانةً تُتبع.

      أما أخطاء ابن حزم رحمة الله عليه فلا أُقرها (مع حفظ مكانته كعالمٍ مجتهِد يُؤجَر إن شاء الله تعالي علي اجتهاده)، مثل كل علماء الأمة القدماء و المحدثين، و أقدره و أحبه إلي المُنتهَي و لكن شرع الله أحَبَ إليَّ :)

      بالنسبة للفظة "الاضطلاع" فأظن أنني أخطأتُ فيها كثيراً و لذلك سأتعب في تصحيحها في كل مكان :) لكن جزاك الله خيراً علي التنبيه :)

      حذف
  2. "حتي تيقنتُ من أن أصحاب الحديث و علماؤه هم العلماء حقا، و صرتُ لا آبه كثيراً بمن لا يُتقن علم الحديث و فنونه، و من يبني اجتهاداته بمجرد معرفة آراء كل الفِرق الفقهية في تلك المسألة"
    وأنا كذلك

    ردحذف
  3. أصحاب الحديث يأخذون بظاهر الأدلة لكن لا يجافون القياس أيضا فالإمام أحمد أخذ بظاهر حديث "أين باتت يده" فجعل غسل اليدين واجبا من نوم الليل، وقال الشافعي من نوم ليل ونهار وكل القولين له وجاهة.

    ردحذف
    الردود
    1. الأمر فيه تفاصيلٌ كثيرةٌ و اجتهاداتٌ شتي، لكن عند النظر إلي أبسط الأصول الشرعية و/أو العقلية نجد أن أغلب القياس هو محض ظنون لا يُعوَّل عليها.

      انظر إلي مهاجمة أحمد بن حنبل و الشافعي لمنهج أبي حنيفة رحمة الله عليهم أجمعين لتري بنفسك أنهما يرفض الاستحسان (الذي هو صورةٌ متقدمةٌ من القياس الخفي)، و انظر إلي ما يُقال في موقف البخاري رحمة الله عليه من القياس عامة.

      حذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.