الاثنين، 17 يونيو، 2013

التعريب بِلَيِّ الذراع

أحد أعراض التخلف العلمي التي نُحس بها في الأوساط العلمية العربية هي مسألة وجود أكثر من ترجمةٍ لنفس المصطلح التقني الإنقليزي؛ فنظراً لأننا لسنا نحن من يُنتِج التقنيات الحديثة فإننا نقوم باستيرادها، و بما أنه لا يزال لدي التقنيين العرب (أو بعضهم علي الأقل) مسحةٌ من الحياء: فإنهم لم يُلقُوا باللغة العربية وراء ظهورهم تماماً، بل حاولوا قدر الاستطاعة تعريب ما يستطيعون تعريبه من المصطلحات التقنية المختلفة التي لهم احتكاكٌ بها بحكم الهواية أو الاحتراف.


لكنها (بكل أسفٍ) جهودٌ غير مترابطةٍ كل الترابط رغم أن بعضهن يقوم علي أمره جَمْعٌ من أهل الخبرة؛ إما لغياب التنسيق فيما بينهن، أو لوجود حواجز ثقافية أو منهجيةٍ بينهن، أو ربما لأن الترجمات الجديدة فرضتها ظروفٌ خاصةٌ بالمشروع (مثلاً في لغة إبداع يجب أن يكون المصطلح التقني مُذكَّراً؛ حتي يمكن التعامل معه بالأوصاف المُذكَّرة، مثل مستويات الوصول "عام" و "خاص"، و كذلك بقية أنواع الأوصاف، و لذلك استخدمتُ كلمة "إجراء" بدلاً من "دالة" علي سبيل المثال).

المهم: أنه في النهاية نري أن لكل مصطلحٍ إنقليزيٍ يكون هناك أكثر من ترجمةٍ واحدة، و السؤال هنا: أي الترجمات هي التي يُكتَب لها الحياة و الاستمرار و يتلافي مصير الموت الذي تلاقيه الأخريات ؟
و أظن أن الجواب: أنها هي الترجمة القادرة علي أن تفرض نفسها فرضاً علي المستخدمين، بحيث تتوغل بينهم فلا يجدوا بُداً من استخدامها، و بالتدريج تصير هي التي يعتادون عليها و يألفونها لدرجة أنهم سيسخرون من استخدام الترجمات الأخري (إن بقيت علي قيد الحياة) !

مثالٌ علي ذلك: الترجمات التي أستخدمها في كتاب "رسالة البرمجة بإبداع" و المصطلحات التقنية التي استخدمتُها في تصميم لغة إبداع؛ فكثيرٌ منها إما أنه جديدٌ من وَضْعي (مثل "المُغلِّفات" كترجمةٍ لـproperties)، أو أنه غير مشهورٍ بين أوساط التقنيين العرب، أو يبدو متكلفاً متحذلقا. 
و بغض النظر عن أنني مقتنعٌ تماماً أن تلك الترجمات هي الأنسب للاستخدام: فإن هذه المصطلحات رغم استغراب الناس لها (و ربما نفورهم و سخريتهم منها) في البداية فإنها قادرةٌ علي إزاحة بقية الترجمات و الاصطلاحات إذا ما انتشرت لغة إبداع و أصبحت لها شعبيةٌ كبيرةٌ بإذن رب العالمين؛ فساعتها كما قلنا ستصبح تلك المصطلحات قد فرضت نفسها بـ"لَيْ الذِراع" كما يُقال في مصر، و صارت هي الأصل رغم أنها قد لا تكون الأفضل في نظر الكثيرين. 
أما إن حدث (أسأل الله العفو العافية) و لم تنتشر لغة "إبداع" أو ماتت لأي سببٍ من الأسباب فإن هذا سيؤدي إلي موت أغلب تلك المصطلحات (إن لم تكن كلها) كنتيجةٍ منطقيةٍ لموت الراعي و الداعم لها.

و في الحياة العادية نلاحظ في مصر أن استخدام كلمة "زيرو zero" أصبح تقريباً هو القاعدة العامة، و أن كلمة "صفر" أصبحت مُضحكةً بالنسبة للأغلبية (و لله الأمر من قبل و من بعد)!، و السبب في ذلك هو استخدام الأولي في الإعلانات التلفازية بكثرة، بينما لا تُستخدَم الثانية إلا فيما ندر. و هكذا ترون أن "لَيْ الذراع" و سياسة "الأمر الواقع" قادران علي حسم كثيرٍ من الأمور بسلاسةٍ و يُسر، حتي و إن كان ذلك علي المدي البعيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.