الخميس، 18 يوليو، 2013

مناقشاتٌ أصولية

في هذا المقال سأُورِد جزءً من حوارٍ دار قديماً (قبل الانقلاب العسكري بشهورٍ عديدة) بيني و بين إحدي الأخوات الفاضلات، و تحدثنا فيه عن أمورٍ تقنيةٍ و سياسيةٍ و شرعية، و قد اقتبستُ الجزئيات الخاصة بالنقاش في المسائل الشرعية الأصولية لأُورِدُها هنا للتوضيح و زيادة الفائدة. و كنوعٍ من زيادة الإبانة عن أصولي الفكرية التي أسير عليها.
و قد قمتُ بتنقيح النقاش كثيرا، عن طريق تحويله إلي الفصحي بعدما كان بالعامية المصرية، و أعطيتُ نفسي كثيراً من الحرية في استبدال الكلمات بمرادفاتها الأكثر مناسبةً للسِياق، كما أنني حذفتُ المناقشات السياسية الصرفة التي كانت تتخلل النقاش الأصولي كما أسلفتُ القول.

و قد دار النقاش علي مرحلتين اثنتين فصلتُ بينهما بنجومٍ لمجرد التوثيق.

*****

هي:
اعذرني للتساؤل: حضرتك لستَ من الإخوان بل سلفى، أليس كذلك ؟

أنا:
صحيح: أنا سلفي، لكني من تيارٍ سلفيٍ صغيرٍ اسمه (أهل الظاهر) أو من الممكن أن تُسمِّيه (الظاهرية)، لو كنتِ تذكرين مسلسل الإمام (بن حزم) فستعرفين بعض المعلومات عن أهل الظاهر (مع العلم أن المسلسل كان مليئاً بالكذب).

هي:
لَمْ أَرَه، لكن هل في أيام الرسول عليه الصلاة و السلام كان هناك كل هذه التقسيمات ؟!، يعنى حتى السلفى تحته تصنيفاتٌ أخري !. أنا طبعاً لا أقصد شيئاً لكن أحاول أن أفهم و أُكوِّن صورةً شاملة؛ لأني مُشتَّتة و لا أعلم مَن علي صوابٍ و مَن علي خطأ.

أنا:
مِن حقك طبعاً أن تسألي عن سبب تعدد الأسماء و أن تبحثي عن الصواب، و من الممكن أن أختصر لك الحكاية كلها في جملةٍ واحدة: " قرآنٌ و سنةٌ علي منهج الرسول و أصحابه" فقط. الجملة طويلةٌ بعض الشيء لكنها ستجعلكِ لا تحتاجين لأي اسم.

هي:
طيب: يعنى "مسلم" فقط ؟ و ليس كل التصنيفات: "اخوانى"، "سلفى"، "سنى"، "شيعى". مسلم و انتهي الموضوع.

أنا:
الحكاية في الأصل بسيطة جداً، لكن المشكلة في أنك تحتاجين لتعريف الناس بمنهجك في جزئياتٍ معينةٍ مِن العلم الشرعي، لكن كما قلتُ لكِ: تكفي كلمة "مسلم" و شرحها "القرآن و السنة علي منهج الرسول و الصحابة".

هي:
بما أن حضرتك تعرف و تفهم هذا الأمر: لماذ تُدخِلني في متاهة ؟! هل هناك مسلم لا يؤمن بـ"القرآن و السنة علي منهج الرسول و الصحابة" ؟!

أنا:
من الممكن أن نري مَن يُسمِّي نفسه "مسلم" و في ذات الوقت يُكفِّر الصحابة رضوان الله عليهم !، أو يتهم أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها بعدم حفظ عِرض الرسول صلوات الله و سلامه عليه ! (تخيلي الغباء). لأجل ذلك أتت تسمية "أهل السنة و الجماعة" للتفرقة بين المسلمين السائرين علي منهج "الكتاب و السنة بمنهج الرسول و الصحابة" عن الرافضة الأنجاس.
ثم بعد ذلك خرجت فِرَقٌ مثل الأشاعرة و الصوفية و غيرهم ممن ينتسبون للسُّنِّية، فأتت تسمية "سلفي" لتفرقتهم عن السني الصحيح، و بقية الأسماء تنتمي للمذاهب الفقهية العادية.

هي:
و هذا كله فى الأصل صحيح ؟، أليس المسلم مَن يؤمِن بالأركان الخمسة للإسلام و الإيمان بالقضاء و القَدَر ؟، أليس الإسلام أنن نُسلِم وجوهنا لله ؟!، يا بشمهندس: أنا كلما فكرتُ فى هذا الأمر يدور رأسي !، إن لدينا ما يُوحِّدنا فلماذا كل هذه التقسيمات ؟!. و إلا لو جازت هذه التقسيمات فمن المفترض أن يُقام عليهم حد الردة عن الإسلام !

أنا:
كل الأركان التي ذكرتيها تفرض علي المسلم أن يؤمن بكل ما في القرآن، و لو كذَّب آيةً واحدةً: يَكفُر مباشرةً، و تفرضُ عليه أيضاً إتباع الرسول صلي الله عليه و سلم في كل أوامره و نواهيه، و لو أنكر هذا: يَكفُر مباشرةً. و بالتالي فمن الممكن أن تجدي أناساً يقولون أنهم مسلمون و في نفس الوقت يهدمون الإسلام بشكلٍ صارخ !،

إذاً من الخطأ التمسك بالمباديء العامة فقط، لكن لا بد من التمسك بـ"منهج" الصحابة رضوان الله عليهم في التفكير.أما ضرورة الوحدة فأمرٌ صحيح، لكن كيف أتحد مع مَن يخوض في أعراض زوجات الرسول (صلي الله عليه و سلم و رضي عن أمهات المؤمنين) !، هذا مِن المُحال بطبيعة الحال، و إلا فكأني أقوم بعمل وَحدةٍ بين جهاز المخابرات العامة المصرية و جواسيس الموساد في مصر !

أما بالنسبة لإقامة الحد علي المارِقين فهذاا واجبٌ علي خليفة المسلمين، و ساعتها لا بد أن يكون الأمر فردياً و ليس جماعيا، بمعني أنه لو قام أحدهم بشتم السيدة عائشة رضوان الله عليها: فلابد من أن يُعاقَب، ليس لمجرد أنه سمَّي نفسه "شيعي"؛ إنما لأنه اقترف جريمةً واضحة الأركان.

و في العموم: فإن أحكام التكفير لا تُطلَق علي الناس إلا بعد التيقن من عقائدهم الشخصية و ليس مُجرَّد الأسماء، فمن الممكن أن يكون هناك مَن يسمِّي نفسه "شيعي" و هو في حقيقة الأمر ليس بشيعي (أنا قابلتُ شيعةً ليس لهم من التشيع إلا الاسم !).

هي:
حضرتك تقول أنى لا بد أن أُقِيم الحدود لكن "إنما الأعمال بالنيات"، و الرسول عليه الصلاة والسلام ترك لنا خطوطاً عريضةً نمشى عليها، ثم مَن قال أنه لأن أحدهم انضم للإخوان أو السلفيين فقد أصبح أفضل من الآخرين في عقيدتهم ؟! هذا أمرٌ بين العبد و ربه، و لو حضرتك تتذكر حادثةً فى غزوةٍ من الغزوات أن أحد المشركين نطق الشهادة فقتله أحد الصحابة، فلما جاء الصحابى و حكى لرسول الله صلي الله عليه و سلم ما حدث: رد عليه الرسول بما معناه "أنَطَقَ الشهادهة و قتلتَه ؟! و غضب عليه أفضل الصلاة و السلام.

أنا:
هنا نقطتان :
  • الرسول صلي الله عليه و سلم حدد لنا خطوطاً عامةً و قوانين تفصيلية، و الاثنان لا بد من أن نتبعهما، علي سبيل المثال حكاية أن "مَا أَسْكَر كثيرهُ: فقليله حرام" هذه قاعدةٌ عامةٌ يندرج تحتها أي نوعٍ مِن أنواع المُسكِرات، سواءٌ كان خمراً أو كان مُخدِّرات، رغم أن المُخدِّرات ليست مذكورةً بالنَّص لا في القرآن و لا في السُّنة. أما القوانين التفصيلية فمثل "قطع يد السارق" فهذه واضحةٌ و مُحدَّدة. و في كلتا الحالتين يجب علي ولي أمر المسلمين إقامة الحد علي المُذنِب لأن هذه وظيفته في الأصل (انتبهي إلي أن إقامة الحد وظيفة ولي الأمر).

    إذاً فصحيحٌ أن "الأعمال بالنيات"، لكن هناك قواعدٌ أخري لا بد مِن أن يتم إتباعها و إلا استوجب الفرد العقاب (لو كان الذنب له عقابٌ مادي)، و هذا واضحٌ لأن الرسول صلي الله عليه و سلم قَطَع يد مَن ثبتت عليهم السرقة (مثل المرأة القُرَشِيَّة) و رَجَم الزُّناة (مثل الغامِدية) و غيرهن من الأمور.

    أما قاعدة "الأعمال بالنيات" فمعناها أنه ما دام المسلم ينطق الشهادة و مُصِرٌ علي أنه مسلم، و ما دام لَم ينطق بكلامٍ كُفْرِيٍ و أَصَر عليه بعد ما أوضحنا له أنه كلامٌ كفري، أو فَعَل أمراً كُفرياً و أَصَر عليه حتي بعدما أوضحنا له أنه كفري: إذاً فهو لا يزال مسلما،لكن لو نطق الشهادة و أَصَر أنه مسلمٌ ثم أَصَر علي التفوه بكلامٍ كفريٍ أو أن يقوم بأفعالٍ كفريةٍ رغم أنه يعلم أنها ستدخله دائرة الكفر: إذاً فقد كَفَر فعلياً، و لسنا بحاجةٍ إلي فتح صدره لكي نعرف أهو مؤمنٌ أم لا؛ لأنه دلنا علي الجواب بأفعاله. مثل اللص الذي ضبطوه و قد فتح الخزانة و معه "شنيور" و يرتدي قناعا، فهذا ليست هناك حاجةٌ لأن نستجوبه نهائيا.

  • بالنسبة لمسألة أن الإخواني أو السلفي ليس أفضل من أي أحدٍ آخَر فهذه ليس فيها خلاف، فمن الممكن أن أُسمِّي نفسي "سلفي" و أُطلِق لحيتي و أٌقصِّر ثوبي و في الآخرة تكتشفون أنني كنت نصاباً عبقريا ! و أنني كنتُ أرتكب ذنوباً يشيب لها شعر الوليد (فليس هناك ما يضمن العكس). فكما قلتُ لكِ: هذه الأسماء لمجرد توضيح المنهج، لكن لو خالَفَت الأفعالُ الأسماءَ: فإن الذي يُسمِّي نفسه بالاسم الجميل ليس إلا محتالا، لا أقل و لا أكثر.

هي:
لا تظن حضرتك أنى اقتنعتُ الاقتناع الكامل، و لا حتى ثلث اقتناع، خاصةً فى مسألة تطبيق الشريعة (مثل قطع يد السارق)، و أعوذ بالله مِن أن أكون ضد شريعتى، لكن سأكلمك في هذا فيما بعد إن شاء الله تعالي.

أنا:
من الممكن أن نُكمل النقاش كما تحبين فيما بعد بإذن الله عز و جل، و أنا تحت أمركِ في أي نِقاش.

***

هي:
لا تؤاخذني: حضرتك مهندس فأين تدرس الفقه ؟

أنا:
دراسةٌ غير نظامية، يعني ليس في معهدٍ أو كليةٍ معينة.

هي:
بمفردك يا بشمهندس أم فى جماعةٍ تُسهِّل الموضوع ؟.

أنا:
للأسف ليس هناك طلبة علمٍ شرعيٍ كثيرون حولي، فأضطر إلي أن أعتمد علي جهودي الذاتية في معظم الأحيان.

هي:
أيعنى هذا أنه داخل جماعة السلفيين ليس هناك تعليمٌ مثل الاخوان ؟

أنا:
كلا هذا ليس المعني المقصود؛ فهناك تعليمٌ و لكن ليس هناك سلفيون حولي، و كل من حولي تقريباً صوفية.

هي:
حضرتك مع الخلافة الاسلامية ؟

أنا:
بالطبع؛ أنا مع كل ما دل عليه كتاب الله و سنة الرسول صلي الله عليه و سلم.

هي:
طيب و العَصْر و الحدود ؟
أنا عندى أرضيةٌ ثابتة: أن دينى يتماشى مع كل العصور و الأزمنة، لكن هذا صعب. ثانياً هناك فرقٌ بين الخلافة فى أول عصورها و العصور التى بعد ذلك؛ أعنى أنه كان هناك توريثٌ للحكم و نحن لا نريد توريثا، أم أن حضرتك تقصد نوعاً آخَر من الخلافة ؟

أنا:
بالنسبة لتماشي الدين مع كل العصور فهذا غلط؛ لأن العصور لا بد أن تتماشي مع الدين، يعني ليس هناك شيءٌ اسمه: فلنُلْغِ دولة الخلافة لوجود الدولة القومية العالمانية"، و الطبعي هو أن أوامر الله عز و جل و نواهيه هي التي تُهيمِن علي نشاطات البشر و أفكارهم و ليس العكس.

لكن هناك جزئية المتاح و غير المتاح، و هذه من الممكن أن تَفرِض علينا مثلاً أن نقبل بوجود تفرقةٍ بين الدول الإسلامية مؤقتاً، و حينما نصبح أقوي: نقوم بإعادة دولة الخلافة،
و الخلافة التي أقصدها هي الخلافة التي تسير حسب الهَدْي النبوي الشريف، و الخليفة فيها مجرد موظفٍ يقبض راتباً لا أكثر، و في اللحظة اللي يُخالِف فيها الشرع أو القوانين (التي لا تتصادم مع الشريعة) يُحاكَم مثله مثل غيره بالضبط.

أما المُلك، و الإمارة، و الخلافة غير الراشدة: فكلها حادت عن المنهج النبوي، و أنا  عن نفسي ضد النظام الملكي علي طول الخط، و مؤمنٌ أنه ليس هناك مثل هذه الترهات في الشريعة الإسلامية نهائياً.

هي:
لا تؤاخذني يا بشمهندس: حضرتك غلطان؛ فديننا يتماشى مع كل العصور لأن الزمن مِن خَلْق الله تعالي، بدليل أنه فى القرآن هناك أشياء كان الرسول صلي الله عليه و سلم لا يُفسِّرها للصحابة؛ لأنهم لن يعقلوها، لكن فى عصرنا استطعنا أن نعقلها مثل الذَّرَّة. يعنى مثلاً أيام الرسول عليه الصلاة و السلام كانت التماثيل مُحرَّمة تماماً لكن حالياً من الممكن أن تكون فى أى مكان.

أنا:
بالنسبة للقول أن هناك أشياء لم يفسرها رسول الله صلي الله عليه و سلم للصحابة فهذا له حالتان:
  • أنها أمورٌ من الشريعة: و هذا من المستحيل أن يحدث لأن الرسول صلي الله عليه و سلم مهمته الرئيسية هي البلاغ المُبِين، و قد أتم الرسالة قبل وفاته صلي الله عليه و سلم. و بالتالي فإن التشريع انتهي و أصبحت الأمة كلها علي بَيِّنةٍ مِن شَرْعِها.
  • أنها أمورٌ في إثبات نبوة سيدنا محمد صلي الله عليه و سلم مثل الإعجاز العلمي في القرآن و السنة، فمن الممكن فعلاً أن نجد أشياء لم يستوعبها الصحابة رضوان الله عليهم لعدم تقدم العلوم الحياتية ساعتها.

لكن هل أي مِن هذا يؤثر علي "القوانين الإسلامية" ؟
لا، و لأجل ذلك أقول أن "العصور ينبغي أن تتماشي مع الشريعة، لا أن تتغير الشريعة مع العصور"، صحيحٌ أنه من الممكن أن تُوضّع قوانينٌ جديدةٌ تُناسِب الأمور المستحدَثة، لكن هذا بما لا يُخالِف القواعد الإسلامية الأساسية. فلا يصح أن نُحِلَّ الربا بدعوي أن الاقتصاد العالمي ناجحٌ باستخدامه، و هكذا.

هي:
تمام، لكن لماذا لا تريد أن توافقني في أن ديننا مرنٌ يتماشى مع كل حاجةٍ و كل وقت ؟!

أنا:
لأن هذه الجملة يُمكن تفسيرها بتفسيراتٍ أخري فيها تهاونٌ شنيعٌ مِن ناحية العقيدة، و بالتالي يتحول الإسلام من متبوعٍ إلي تابع !، و من الممكن أن يكون المعني الذي تقصدينه صحيح، لكن الألفاظ يُمكن أن تُفسَّر بأكتر من تفسير (حمَّالة أوجه).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.