السبت، 27 يوليو، 2013

يوميات حرب أهلية - قصة قصيرة

تبدأ حكايتنا بعد أن قامت قوات الجيش و الشرطة في مصر بالقضاء علي آخر إسلاميٍ ثائرٍ ضد حكم العسكر.
***
احتفالات،
و احتفالات،
ثم ..... المزيد من الاحتفالات !

لمدة شهرٍ كاملٍ ظلت القنوات التليفزيونية تحتفل بالتخلص من الإرهابيين الأوغاد، مئاتٌ من الأفلام الكوميدية و التمثيليات الإذاعية تحدثت عن هلاك "بنو نضير العصر الجديد" من مدن مصر العامرة. كنتَ تسير في الشوارع لتجد مظاهر الفرحة بالانتصار علي المتطرفين القذرين منتشرةً في كل مكان: 
البقالون قد خفضوا أسعار البضائع إلي النصف، 
و الحلاقون يحلقون مجاناً للناس، 
بل كان الناس يدورون يوزعون الحلوي علي بيوت جيرانهم، 
و خرج الأطفال بالملابس الجديدة يرقصون في الشوارع حاملين ألعاباً شتَّي !!!

"اليوم يوم عيد، لقد قضينا علي كلاب أهل النار في مصر الحبيبة، و يمكننا أخيراً أن نحيا في سلام"
هكذا قال مفتي الجمهورية في ذلك العصر السعيد في أول خطبة جمعةٍ بعد الانتصار. و علت التكبيرات بعدها كأشد ما يكون من بين جموع المصلين من نشوة الفرحة.

***

ظهرت تلك المواقع في فترة ما بعد تحول نظام الحكم إلي العالمانية الصرفة. حينها صار بإمكان أي أحدٍ فعل ما يريد لأن الحريات الشخصية مكفولةٌ بلا حدود ما دام لا يصاحبها خسائرٌ للآخرين. لذا ظهرت المواقع العالمانية التي تتهكم علي كل الأديان بأقسي طرق السخرية و الازدراء، 
و الغريب أنها لم تكن تُدرِج مقالاتٍ عقلانيةً تهاجم بها الأديان، بل كانت تكتفي بالرسوم الكاريكاتورية و النكات و الصور الملفقة، مما جذب لها جمهوراً كبيراً جداً من الملاحدة الذين كانوا لا يميلون للمناقشات التي تدور بالبراهين و الأدلة. و يوماً بعد يوم اختفت المواقع التي تنشر مقالاتٍ كاملة، و سادت مواقع التنابذ.

***

بعد فترةٍ صغيرة

حينما انتهي ياسر من مذاكرة مادةٍ في علوم الحديث النبوي الشريف المقررة عليه في دراسته الأزهرية قرر ان يتصفح الشبكة لبعض الوقت قبل أن ينام، كان معتاداً علي النوم مبكراً للاستيقاظ مبكراً لصلاة الفجر، و بعدها كان يقرأ القرآن و الأوراد إلي أن يحين موعد إفطاره ثم ذهابه للجامعة. لكنه قرر ذلك اليوم متابعة جديد الأخبار لعله يجد ما يزيد من فرحته التي ملأت قلبه بعد القضاء علي آخر البؤر الإرهابية. 

فوجيء حينما فتح بريده الرقمي بعدة رسالاتٍ تتحدث عن إمكانية قضاء يومٍ مع أجمل النساء اللاتي يرغب فيهن، ربما تكون هذه الرسالة معتادةً ضمن قائمة السُّخام البريدي اليومي، لكنها هذه المرة كانت بالعربية ! بل كان بها رقم هاتفٍ أرضيٍ في محافظةٍ من محافظات مصر !!!

"لا بد من انها مزحةٌ سخيفة" 
قالها ياسر بضيقٍ شديد و هو يحاول إقناع نفسه بذلك. ثم أغلق بريده الإلكتروني و فتح الفيسبوك ليُتابِع آخر الأخبار كعادته ليُفاجأ بالصدمة الجديدة: مقالاتٌ تلمز أصحاب رسول الله صلي الله عليه و سلم و زوجاته تملأ الدنيا، كانت قد ظهرت بشكلٍ خفيفٍ من قبل، و لكنها انتشرت الآن بشدةٍ غريبة ! و ما لم يكن ياسر يعلمه أن هذا يحدث منذ فترة، و لكن انشغاله بالدراسة جعله لا ينتبه لما يحدث حوله كما كان يفعل قديماً.

قام للنوم من فوره بعد أن أصابه كل هذا بصدمةٍ نفسيةٍ عنيفة.

***

بعد فترةٍ أطول

حاول "كيرلس" تجاهل كلام أصحابه عن المواقع التي كانت تسب المسيح و أمه ليل نهار لكنه فشل، كيرلس بقي مسيحياً بعد أكثر من ثلاث سنواتٍ من التجريف الديني الذي أجراه الإعلام العالماني لكل أنواع التدين الموجودة في مصر، و بعد تلك الفترة البسيطة في عمر الدول تحول أغلب الشباب المصري إلي الإلحاد التام. لكن كيرلس كان من الريف الذي بقيت فيه شوكة الإسلام و النصرانية قوية، و تجاهل معظم مُنظِّري العالمانية في مصر هذا الأمر و عزوه إلي "انتشار الجهل"، و "تخلف المستوي التعليمي" في تلك المناطق الريفية.

لم تكن مواقع المناظرات الدينية شيئاً غريباً بالنسبة لكيرلس، فقد كان يسمع كثيراً عن المناظرات التي يقيمها المتطرفون الإسلاميون قديماً، و لكن هذا النوع الجديد يختلف تماماً، لأنه كما قلنا قبلاً كان من النوع المتظرف و ليس النوع الذي يلجأ للأدلة و البراهين في نقاشاته.

***

لم يستطع ياسر الصبر أكثر من ذلك، و كذلك لم يستطع كيرلس أن يفعل و بدا و كأن الأمور ستسير من سيءٍ لأسوأ، في البداية اكتفي كل واحدٍ منهما بتعلم كيفية مهاجمة المواقع التي تثير غضبه علي الشبكة، كانا يخترقان الموقع ثم يخربان بياناته تماماً، و يتركان فيروساً حاسوبياً شديد الفتك عليه ينتقل إلي جهاز مَن يُحاول إصلاح حاسوب الموقع. 
و الغريب أنهما وجدا أن الفكرة انتشرت بشكلٍ واضح بين شباب المتدينين ممن لهم خبرةٌ بالتقنيات علي الرغم من أن كليهما احتفظ بالسر لنفسه و لم يُطلِع عليه أحداً ! و قد علما هذا عن طريق ملاحظة أن التخريبات التي 
تحدث لمثل تلك المواقع كثيرةٌ بما لا يتناسب إلا مع نشاط مجموعةٍ من المخترقِين و ليس فرداً أو اثنين.

و بالتدريج بدأت الأخبار تملأ الدنيا عن تلك الجماعات "الإرهابية" التي تهدد الأمن العام و الحريات، بالطبع كان ذلك كلام الإعلام العالماني الذي انهال علي تلك الهجمات طعناً و تحريضاً علي مرتكبيها، فوجد ياسر و كيرلس و أمثالهما أنفسهم بين يومٍ و ليلةٍ يُلقبون بـ"فلول و بقايا المتطرفين في مصر" ! و هذا يعطيك القدرة علي تصور مدي "الحريات" التي وصل إليها القوم.

***

بعد خمس سنواتٍ مِن الهجمات الإلكترونية من المسلمين و النصاري علي المواقع التي تهاجم أديانهم بضراوةٍ: كانت الحكومة قد تحولت إلي كلبٍ مسعورٍ يسعي لأن يعقر أحدهم بأي شكلٍ كان، فقُلِّلت الحريات العامة و صار من العادي التنصت علي المكالمات و البريد الإلكتروني و ما شابه ! و فُرِضت كذلك الرقابة علي أنواع الأجهزة الإلكترونية بل و البرمجيات التي يتعامل بها الناس، و شاركت وسائل الإعلام في تلك الأمور بحملةٍ مُركَّزةٍ لجعل المواطنين يتقبلون تلك الإجراءات التعسفية كمقابلٍ "اضطراري" لأجل الحفاظ علي "أمنهم".

***

في أحد الأيام التي كان فيها أحد المسلمين عائداً لمنزله بعد منتصف الليل و كان يحمل في جيبه إصبع usb عليه برنامجٌ جديدٌ لاختراق المواقع البذيئة، وجد نفسه فجأةً أمام فرقة تفتيشٍ قريبةٍ من منزله. حاول الالتفاف و الوصول للمنزل من شوارع أخري إلا أنه وجد أن هناك نقاط تفتيشٍ في كل مكان، و رغم أنه كان يدرك تلك الحقيقة جيداً من قبل إلا أنه نسي هذا و تأخر عند أحد أصدقائه ليجد نفسه في هذا الوضع المخيف.

انتبه إليه أحد أفراد نقطة التفتيش القريبة فناداه أن "اقترب" لكي يتم تفتيشه، و بما أن هذا كان معناه الوقوع في أيدي أجهزة الأمن بكل ما يعنيه ذلك من ضياع سنواتٍ من عمره في السجن، لذا فقد أطلق لساقيه العنان و كاد يطير من فرط سرعة جريه، هنا اتخذ الشرطي الإجراء الذي أخبره رؤساؤه بوجوب اتخاذه في مثل تلك الحالات: أخرج سلاحه الناري و أطلقه ليسقط المسلم متشحطاً في دمه و هو لا يصدق ما يحدث !!!

و بعد ثوانٍ كان قد فارق الحياة.

***

رغم أن وسائل الإعلام شنت هذه المرة أيضاً حملةً مسعورةً جديدةً لجعل المواطنين يتقبلون حكاية قتل "المتطرف" إلا أن كثيراً جداً من الناس لم يتقبلوها؛ علي الأقل بسبب أن الجندي حينما أطلق الرصاص لم يكن يعلم هل ذلك القتيل متطرفٌ أم لا ! و لَم يجد معه ما يُدينه لأنه لم يفتشه من الأصل، و هذا معناه أنه قد يكون لصاً أو حتي صبياً مذعوراً لا ذنب له ! 

و هكذا صار كل واحدٍ من الناس لا يأمن علي نفسه أن يحدث له المثل و أضحي الناس بين حاقدٍ غاضبٍ يكظم غضبه أو خائفٍ مذعورٍ يداري نفسه.
الأسوأ أن الشرطة لم تبذل أدني جهدٍ للتخفيف من سعارها الذي أصابها، بل علي العكس من ذلك: زادت المتاريس و نقاط التفتيش، و زوَّدت المجندين بالمزيد من الأسلحة ذات النوعيات الأفضل. لذا فلم يكن من المستغرب ما حدث علي الناحية الأخري،
فمع كل تلك الضغوط و مع اكتشافهم أنهم قد يدفعون حياتهم نفسها ثمناً للدفاع عما كان يفعله أصغر إسلاميٍ من القُدامَي: بدأ شباب المسلمين و النصاري في الازدياد في درجة التدين، و صار من يحفظ جزءاً من القرآن يحفظه كله، و من كان يتكلم عن "أخلاقيات الإسلام و أدبه" صار يتحدث عن "الحمية الدينية و عزة الإسلام"، بل و بدأ نفرٌ منهم يطلقون لحاهم علي استحياء، و يوماً بعد يومٍ صار من العسير التفرقة بينهم و بين المتطرفين الهالكين.

أما شباب النصاري فقد بدأوا أيضاً فعل ذات الشيء بالنسبة لهم، و بدأ نفرٌ منهم يتسمي بأسماء الباباوات القدامي، و بدأ المسلمون و النصاري يتحدثون بكثافةٍ عن الجنة و النار و الحساب و المغفرة لما رأوه بأعينهم من إمكانية خسارة الأرواح. 

***

بعد فترةٍ أخري

كانت الضربة قاصمةً هذه المرة: خمسة قتلي مرةً واحدة، لن أذكر ديانات القتلي لأنها لن تشكل فارقاً؛ سواءٌ أكان المقتول مسلماً أو نصرانياً فقد قُتِل لأنه كان متديناً فقط ! 
الأمر و ما فيه أن أجهزة الأمن كعادتها في الأيام الأخيرة شنَّت هجمةً بربريةً علي إحدي المناطق التي أتت بلاغاتٌ كثيرةٌ أن هناك متدينِين يسكنون فيها. و حينما هجم رجال الأمن لم يُعطوا المهاجَمين أي إنذارٍ من أي نوع، الإنذار الوحيد كان هو الإنذار الأخير: طلقات الرصاص التي اخترقت الأجساد بغزارة !

هنا حدث ما كان من الطبعي أن يحدث و يدركه أي عاقل: لقد جعلت مثل هذه الجرائم الشباب المتدين يقرر بكل وضوحٍ أنه لا بد من الانتقال للمرحلة الأخيرة من الحكاية و حَمْل السلاح للدفاع عن النفس. و مرةً أخري أثبتت أجهزة الأمن أنها مسعورةٌ كعادة الطغاة عبر التاريخ، و بدلاً من محاولة إعادة تقييم الأمور و التفكير فيها بعقليةٍ مختلفةٍ و لو قليلاً: قام الأمن بالتصعيد، و حينها قرر المتدينون أن الهجوم هو خير وسيلةٍ للدفاع !

***

بعد فترةٍ أطول لم تكن القوات الأمنية تتمتع بالذكاء الكافي لتري الحقيقة الساطعة؛ كان من أوضح الأمور أن السيطرة خرجت من بين أيديهم إلي أيدي أعدائهم، و كان ينبغي عليهم إيقاف الأمور عند ذلك الحد حتي لا يخسروا كل شيء، 
ففي النهاية كان بإمكانهم طلب هدنةٍ و "مصالحةٍ وطنيةٍ" شاملةٍ تمحو كل ما فات، و كانت موافقة الطرفين الآخرين مضمونةً إلي حدٍ كبير.
لكن كما قلتُ: لم يكن الأمنيون يتمتعون بالذكاء الكافي، و هكذا استمرت الأمور حتي أصبح الاقتتال من الأشياء العادية تماماً كما هي الحال في أي حربٍ أهليةٍ تريد أن تضمن لنفسها مكانةً لائقةً بين مثيلاتها في التاريخ.

لكنهم فوجئوا أنه و لأول مرةٍ منذ بدء الحكاية كلها حاول المسلمون و النصاري توحيد ميليشياتهم و جعلها صفاً واحداً، و رغم أن تدينهم ازداد عما كان عليه منذ البداية أضعافاً مضاعفةً (لدرجة أن المسلمين صاروا علي نفس الحالة التي كان عليها السلفيون الأوائل)، إلا أن ذلك لم يجعل الفريقين ينكران أنهما ينتميان للخندق نفسه و إن اختلفت العقائد بشكلٍ جذري. 

و لأن هذا التحالف فيه هلاكها: فلم تكن الحكومة العالمانية لتسمح له أن يحدث، و هكذا بذلت أقصي جهودها لزرع الفتنة بين جناحي المتدينين، و نجحوا في ذلك بشكلٍ باهرٍ لدرجة أن الحرب الأهلية أصبحت تتكون من ثلاثة أطرافٍ تتقاتل فيما بينها بلا توقف !

***

بعد عشر سنواتٍ من الاقتتال الداخلي جاء الغزو الإسرائيلي الأمريكي ليُنهي الحكاية كلها، و بدعمٍ تامٍ من معظم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أصبح فرض الحماية الأمريإسرائيلية علي مصر مطلباً دولياً للقضاء علي المنبع الأول للإرهابيين في العالم.
و بينما كان ياسر يلفظ أنفاسه الأخيرة برصاصات الجيش المصري كان جنديٌ إسرائيليٌ يملأ صدره بالهواء المتشبع برائحة البحر علي كورنيش القاهرة و هو يتحدي زميله الأمريكي في مسابقةٍ للسباحة.

هناك تعليقان (2):

  1. انت تتحدث عن سوريا!

    ردحذف
    الردود
    1. كل حربٍ اهليةٍ تبدأ بسيناريو متشابه، و لله الأمر من قبل و من بعد.

      حذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.