الاثنين، 29 يوليو، 2013

الجنسية الإسلامية

بالنسبة لي لا تعتبر صفة "مسلم" مجرد ديانةٍ تحدد لي أمور الحلال و الحرام فقط، بل هي عبارة عن جنسيةٍ و فِكرٍ و منهجٍ و أسلوب حياة، تحدد لي كل ما يخصني في حياتي من الأصول إلي الفروع إما بشكلٍ مباشرٍ أو بشكلٍ غير مباشر.

لذا فلا تستغربوا لو قلتُ لكم أنني لا أكترث قليلاً أو كثيراً بالبلد الذي أعيش فيه، فلا يهمني أأعيش في مصر أم في العراق أم في التشاد أم في سيبيريا إلا بقدر ما تتوافق طباع أهل البلد مع طباعي، و لا يتدخل كون تلك البلدة داخل مصر أم خارجها في تشكيل حبي و كرهي بمقدار أنملة،

صحيحٌ أن توافق الأجواء المحيطة و الطِباع أمرٌ ضروريٌ للحياة براحةٍ في أي مكان، و لكن العامل الأهم في عقيدتي هو توافق الفِكر و المنهج، و بالتالي يمكن التغاضي عن كثيرٍ من الاختلافات في الطِباع و الأجواء إذا كانت المنهجيات مُشترَكة.

و أبيات الشِّعر التي تصف حالي أفضل وصفٍ هي أبيات "عبد الرحمن العشماوي" التي يقول فيها:

إذا اشتـكى مسلمٌ في الهندِ أَرّقَنِـي
و إنْ بكى مسلمٌ في الصين أبكـــاني

و مِصْرُ رَيحانَتِي و الشـامُ نَرْجَسَـــــتي
و في الجـــزيرةِ تاريـخـــــي و عُنـواني

و في العراق أَكُـفّ المَجْــــدِ تَرْفَعُــني
على كُـــــلّ باغٍ ومـــأفونٍ وخَــــــوّانِ

و يسمعُ اليَمَنُ المحــبوبُ أُغـــــنيـَتي
فيســــتـريحُ إلى شَـدْوِي و ألحـــاني

و يسْكـُنُ المســـــجدُ الأقصى و قُبّتُـهُ
في حَبّةِ القلبِ أرعـــــاهُ و يرعـــــاني

أرى بُخـــــارَى بلادي و هـــــي نائيـة
و أستـريحُ إلـى ذكـــــــرى خُراســانِ

شريـعةُ اللـهِ لَمّتْ شَــــــمْلَـنا و بَنَتْ
لنـــا مَعـــــــالِمَ إحســانٍ و إيمــــــانِ

هذا لأنه في الإسلام ليس هناك حدودٌ تُفرِّق بين المسلمين، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّي) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

و كذلك فعن أَبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمُ، لاَ يَخُونُهُ، وَلاَ يَكْذِبُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِم حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالهُ وَدَمُهُ، التَّقْوى هاهُنَا، بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِم) رواه الترمذي، وَقالَ: (حديث حسن ). 

أما قول القائلين بأنهم "من مصر (أو أي دولةٍ أخري) فقط بحلوها و مرها" فقولٌ شنيع؛ فلو كان المقصود أنهم يحبون مصر لأنها بلدهم فهذا أمرٌ طيب، و لكن حب الدين فوق كل اعتبار، و المسلم يخضع للقانون الإلاهي الواضح:
{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)}.

فالمسلمون أمةٌ واحدة لا محل فيها لا لقبليةٍ و لا لتعصبٍ عرقي، و لا يحق لمسلمٍ أن يمنع مسلماً من حقه في خيرات أرض المسلمين و مواردها !، أو أن يقول هذه دولتي و ليس لي دولةٌ غيرها، و هؤلاء أهلي و ليس لي أهلٌ غيرهم، و لا أدافع إلا عن تلك الدولة و أولائك الأهل !

و لذلك كنتَ تري أن "سلمان الفارسي" و "بلال الحبشي" و "صهيب الذي رباه الروم" و الصحابة من العرب كانوا جميعاً يخضعون لجنسيةٍ واحدةٍ هي الإسلام، و لا يعترفون بترابٍ و/أو لغةٍ و/أو لونٍ و/أو عِرقٍ يفرق بينهم. و يُقاتِلون تحت لواءٍ واحدٍ و ضد أعداء ربما يشتركون معهم في القرابة و/أو العِرق و/أو الدولة.

و العصبية القبلية و الاعتماد علي الحدود بين دول الإسلام التي وضعها أعداء الأمة (مثل حدود توافقات "سايكس-بيكو") تقدح في شرف المسلم أيما قَدْح !، و إني لأعجب ممن يضع الحدود فوق كلام الله تعالي و رسوله صلوات الله و سلامه عليه !، فتصبح الحدود التي يضعها البشر حاكمةً علي تعاليم الله عز و جل !

لكن بكل أسفٍ فإن الواقع الآن عكس كل ما قلتُه فيما سبق؛ فما دامت الشعوب العربية تُساق كالغنم، و تُورَّث دولها كما تُورَّث الإماء: فلن تضمن أي حاكمٍ جديدٍ و ما سيكون عليه منهجه في الحكم. قد تُفاجأ بأنه مِن أعدل الناس و أكثرهم نزاهةً و فضلاً و تديناً و عقلاً، و قد تُفاجأ بأنه مِن أفجر الناس و أظلمهم و أحمقهم !،
و الحق أن ما نعيش فيه ليس إلا تكراراً لحكاية "ملوك الطوائف" مع تغيير الملابس و الوجوه فقط.

لا حل إلا الوحدة الإسلامية في دولة الخلافة، مع تطبيق الشريعة الإسلامية كاملةً غير منقوصة، و أول ما يُطبَّق فيها يكون الشوري التي تجعل المسلمين أسياداً لأمور دنياهم، لا عبيداً لأي أحمقٍ يمتلك سلاحاً أو عدداً أكبر من المُناصِرِين مِن قبيلته و/أو منهجه و/أو مذهبه.

للأسف الغالبية العظمي من المسلمين (و خصوصاً العرب) تم تجريفهم عقائدياً و منهجيا، و صار من الطبعي مع الموجات المتتالية من التغريب و الاحتلال الفكري أن ينقلب الباطل حقاً و الحق باطلاً في أعينهم، و يُخيَّل إليهم مِن سحر الغرب أن قاذورات المناهج الفكرية الغربية هي الحق و لا حق سواها !

و إلي الله المُشتكَي.

هناك 3 تعليقات:

  1. أن أيضا كذلك
    قبل أن تعرفني أي جنسية أو عرقية أو قبلية
    أقول وبكل فخر أن فرد من أمة الإسلام
    وأدعوا الله أن يتقبل

    ردحذف
  2. نعم أخي الفاضل وإلى الله المشتكى: ياللــــــه

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.