الثلاثاء، 9 يوليو، 2013

"ماسبيرو"و الاعتذار الواجب

دائماً ما أحاول أن أجعل نفسي من تلك النوعية من البشر التي لا تحب أن تخدع نفسها، و دائماً ما أقول لنفسي أن شرفي الحقيقي هو في السير وراء الدليل و البرهان حتي الوصول للحق و لا شيء سواه. و في الأيام الأخيرة و بعد أن قام العسكر بمذبحةٍ جديدةٍ في مصر (بالإضافة لما قاموا به سابقاً من مذابح) قمتُ بمراجعة مقالاتي التي كتبتُها علي مدونتي الشحصية بخصوص كل تلك المذابح، و حمدتُ الله تعالي أنني كنتُ أقوم بإنصاف المظلوم بقلمي مهما كانت درجة خلافي معه، لكنني (بكل أسف) وجدتُ حالةً واحدةً دفعني الغضب فيها إلي عدم التنديد ببشاعة أفعال العسكر كما كانت عادتي في بقية الأحوال، و هي المذبحة التي تمت في "ماسبيرو" لمجموعةٍ من شباب النصاري.

الحكاية أنه قبل وقوع تلك المجزرة كان هناك مجموعةٌ من القساوسة المتطرفين، منهم القس "فيلوباتير جميل"، و القس "ماتياس نصر" و ربما غيرهم، قاموا بالإدلاء بالعديد من التصريحات التي تحتقر الإسلام و المسلمين و تثير نعراتٍ جاهلةٍ مثل "مصر للنصاري و المسلمون غزاة يجب طردهم"!، و "لن يسمح النصاري بتطبيق شريعة الإسلام الذي هو دين الأغلبية"!، و أدي هذا بالطبع إلي إرتفاع درجة حرارة مخي لدرجةٍ كان يمكن معها استعمالي كموقدٍ للطبخ !

فقمتُ من فوري بكتابة مقالٍ شديد اللهجة دفاعاً عن ديني و عن حقائق التاريخ :
و أوضحتُ فيه حقيقة أمثال أولائك المتطرفين من القساوسة و الفتن التي يَجرُّون البلاد إليها، و خاطبتُ فيه العقلاء من النصاري (خصوصاً الشباب كما أحرص عندما أُخاطِب أي تيارٍ فكري) قائلاً:

إني أعلم أن أكثرية شباب النصاري لا يحبون هذا و يعتبرونه تطرفاً و غلواً، و أنهم يرغبون في العدل و لا شئ سواه، و لكني أتساءل بمنتهي الحنق و الغيظ: و لماذا لا توضحون مواقفكم حتي لا تُلاموا عليها، إني حينما يخطئ أحد من شيوخي و خصوصاً ممن دخلوا مجال السياسة أسارع بالرد و إعلام الآخرين أني لا أوافق علي هذا الكلام، و فعلتها كثيراً فلماذا لا أري المثل منكم !

و غير هذا الكثير من الدعوات المُشابهة.

و بعد كتابتي لذلك المقال بفترةٍ وقعت مجزرة "ماسبيرو" فقمتُ بكتابة مقالٍ تحدثتُ فيه عما حدث:

و فيه قمتُ بشكلٍ واضحٍ بإدانة الشعارات المتطرفة التي كانت تُرفع في ذلك اليوم بقيادة "فيلوباتير جميل"، و تحدثتُ كثيراً عما أعلمه (و ما زلتُ أومن به) من استفحال السلطان الكنسي السياسي بما يجعل المتطرفين أمثال "فيلوباتير" يحظون بفرصةٍ كبيرةٍ لإشعال الأمور كما يحلو لهم، مع بعض "التحبيشات" اللازمة لزيادة الاشتعال مثل الاستقواء بالخارج و صراخات أقباط المهجر بضرورة فرض الوصاية علي مصر لاضطهاد النصاري فيها.

لكني حينما راجعتُ نفسي في الأيام الماضية و راجعتُ مواقفي من العسكر في كل مذبحةٍ يُجرونها: وجدتُ أنني كنتُ أذكر ما فعله أمثال "فيلوباتير جميل" بدون الحديث عن وحشية العسكر في التعامل معهم بلا تفرقةٍ بين مُجاهِرٍ بالطائفية و بين مُسالِم له شعاراته التي يرفعها الجميع بلا تفرقة !، 
هذا رغم أنني في نفس المقال قلتُ أن مِن أسباب مثل تلك الفتن الطائفية:

فَهْم كثيرٍ من المسلمين لدينهم فهماً خاطئاً يدعوهم لظلم بعض النصاري و التعامل معهم بشكل لا يقبله الله عز و جل أو رسوله صلوات الله عليه، و يري في هذا تقرباً إلي الله تعالي، و زيادة دين، حتي لو كان يزني و يشرب الخمر و يرابي و يسرق و يرتكب كل كبيرة و صغيرة حرمها الله تعالي ! و هذا ما جعل بعض النصاري يري الكنيسة الحامي الحقيقي له بالفعل، و لم لا ما دام كلما ظُلِم رآها تضغط لإعادة حقه إليه و يعود بالفعل، بل و حتي لو لم يكن مظلوماً فهي تجعل طلباته تتحقق !. و إذا قارنا هذا بجهاز الدولة المتهالك الذي يجعل كل المواطنين يفقدون الأمل في استرداد حقوقهم إذا تعلق الأمر بمصلحة حكومية: فإن المؤسسة الكنسية تكسب بلا ريب !

فما الذي دفعني لإهمال الحديث عن وحشية العسكر ساعتها ؟!
لقد كنتُ مُنصفاً لليبراليين حينما حدثت "موقعة العباسية":
و ذَكرتُ مالهم و ما عليهم.

بل و اتهمتُ المجلس العسكري صراحةً بأنه جزءٌ من النظام السابق بجرائمه في مقالٍ آخر، في ذات الوقت الذي كان كثيرٌ من الإسلاميين يظنون بالعسكر خيراً و يشيدون بهم في كل مكان:

فما الذي جعلني في تلك المرة بالذات أتغاضي عن ذِكر الوحشية العسكرية مع كرهي لهم و حياديتي في هذه الأمور ؟!

بصراحة: لقد أعماني كرهي للمتطرفين من قساوسة النصاري لدرجةٍ تغيظ، و سمحتُ لذلك الغيظ بأن يجعل قلمي تابعاً له و معبراً عنه بدون اتباع قاعدة "إدانة جميع المخطئين بلا استثناء".

لذلك و رغم أن اعتذاري لن يُقدِّم أو يُؤخِّر، و لن يُحيي مَن مات، إلا أنني أدين لكل النصاري (و لنفسي أيضاً) بالاعتذار عن تأخر إدانتي للطرف الآخَر في وقتها و تخاذلي في بيان بشاعة ما حدث، و استسلامي للغضب الذي يعمي البصر و البصيرة، و بما يُخالِف القاعدة العقلية التي تقول "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة" (التي هي في الأصل قاعدةٌ شرعيةٌ و لكن يمكن تعميمها).

هذا الكلام لا أقوله لجعل الناس تنضم أو تتعاطف مع المعسكر الإسلامي الذي أنتمي إليه؛ و لكنه اتباعٌ لقاعدة عدم تأخير البيان عن وقته، و إبراءً لذمتي من خطأٍ وقعتُ فيه ثم انتبهتُ إليه بقَدَر الله تعالي في هذه الأيام السوداء، و لو كنتُ قد انتبهتُ إليه في وقتٍ آخرٍ لكتبتُ ما أكتبه الآن بلا فرق. 
و في النهاية فإن اعتمادي في دقيق الأمور و جليلها لا يكون إلا علي الله تعالي، و عند الجد لا أنظر للأمور بمقياس العدد و العدة لأن الله تعالي يقول: "كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ" (سورة البقرة). 

إلا أنه مِن شرف الرجل إنصافه للناس و السير تبعاً لأمره تعالي: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (سورة المائدة). 
و لم يكن بإمكاني أن أمحو مثل تلك النقطة السوداء إلا بمثل هذا الاعتذار (شاء مَن شاء و أبَي مَن أبَي). 

بل إني مُوقِنٌ أن مثل هذا الاعتذار قد يُعرِّضني لسخرية الساخرين و همزهم و لمزهم، و ربما قيل عني ما لا أرضاه و ما ينال من نزاهتي و/أو عِرضي و/أو كرامتي !، فصدقوني حينما أقول أنني أعتذر و أعرِّض نفسي لمثل هذه الاحتمالات (في هذا الوقت الذي بلغت فيه روحي الحلقوم من القهر و العسف الواقع علينا) لأني أري ضرورة الاعتذار فقط.

و أسأل الله تعالي العفو و العافية و العدل في القول و العمل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.