الاثنين، 26 أغسطس، 2013

الحاجة إلي الوقاحة (2)

تخيل معي أن أحد المجرمين نجح في دخول بيتك رغم أنفك، و أنه أطلق الرصاص علي والدك و والدتك حفظهما الله، بل و قام بالاعتداء علي أخواتك ثم قتلهن مثل والديك (حفظ الله أعراض المسلمات و أرواحهن). و لكنه في النهاية ربَّت علي رأس أخيك الصغير و ابتسم في وجهه و أعطاه قطعةً من الحلوي قبل مغادرة البيت في هدوء: تُري ماذا سيكون موقفك من هذا المجرم ؟
هل ستحمد له تربيته علي رأس أخيك الصغير و ابتسامته و قطعة الحلوي و تصفه بأنه رجلٌ "فيه خير" رغم ما فعله من قبل ؟!
أم أنك ستتسلي بتمزيق أوصاله قبل قتله، و ستحاول تعذيبه إلي أقصي حدٍ ممكنٍ قبل أن ترسله إلي العالم الآخر ليقف بين يدي ملك الملوك ؟


بالتأكيد ستختار الانتقام و القَصاص، بل لو حاول أحدهم إثناءك عن عزمك فربما تقوم بتكسير عظامه قبل تنفيذ انتقامك.

الآن فكر معي فيما فعله البرادعي و أمثاله من حثالات العالمانيين: جَهَروا بامتهان و احتقار الاحتكام إلي شريعة رب العالمين بتنظيراتٍ و مقالاتٍ و كتبٍ و تصريحاتٍ لا تقبل التأويل أو الشك في معناها، و جهروا بتوقير أعداء الدين و المُجاهِرين بتكذيب رسول الله صلوات الله و سلامه عليه (مثل المُرتَد "نصر حامد أبو زيد") و الطاعنِين في القرآن و/أو السُنَّة، و جاهروا بمناداة الغرب للتدخل لمساعدتهم في القضاء علي التيارات الإسلامية سواءٌ أكانت تلك التيارات من الصادقة في رفع الشعارات الإسلامية ، أو كانت حتي من التيارات التي تقبل التميع عندما يُلوَّح لها بمكاسب علي أرض الواقع !

البرادعي و أمثاله ممن أكلوا في الغرب و جاؤوا ليتغوطوا عندنا (علي حد تعبير شيخنا "أبي إسحاق الحويني") هدموا كل أصول الدين و قواعده، و ميَّعوا الثوابت و جعلوا من مشايخ "العالمانية المتأسلمة" مطايا لهم يستدعونها متي شاؤوا؛ فيركبونهم حتي يصلوا إلي وجهتهم التي يقصدونها، ثم لا يتوانون عن الطعن في الدين ذاته رغم أنف تلك المطايا !؛ ففي نهاية الأمر فإن حمارك مهما كان عزيزاً عليك فلن تعتبره إلا حيواناً أليفاً، و لن تعتبره فرداً من أفراد العائلة يتساوي مع الآخرين في الحقوق.

البرادعي و أمثاله ممن امتلؤوا بحثالات الأفكار البشرية و المناهج الوضعية الغربية حتي عميت قلوبهم و أبصارهم، فصاروا يرون الاحتكام لشريعة رب العالمين قمة التخلف و الامتهان لعقولهم الصدئة، و صاروا يرون إطلاق عقول البشر لتقرر ما تريد دون هديٍ إلاهيٍ يضع علي الأقل الخطوط العامة التي لا سبيل لتجاوزها !، و رغم رفضهم الوصاية علي العقل البشري (كما يقولون) إلا أنهم لا يتحرجون من فرض رؤاهم علي الآخرين بكل وقاحةٍ وصفاقةٍ في الدنيا !، و لا يتحرجون من استخدام القوة العسكرية للوصول إلي مطامعهم حتي و إن كان ذلك ضد كل المباديء التي يتباهون بأنهم الرعاة الرسميون لها !

و في النهاية تجد مجموعةً من الحمقي تُصفق لهم و تصفهم بأنهم "الأمل في التغيير" و أنهم "البوصلة التي يعرفون من خلالها هل الأمور تسير علي ما يُرامٍ أم لا" لمجرد أنهم عَادَوْا نظام مبارك علي استحياء (رغم أنهم حينما فعلوا ذلك استعانوا بقوة الإسلاميين ليضمنوا أن يكون لجهدهم تأثيرٌ حقيقيٌ علي الأرض، و هذا العداء بينهم و بين نظام مبارك مشكوكٌ في سببه و فيمن يقفون وراءه و يدعمونه من الأصل) !

علي الرغم من أن العقل السليم يقول أن أمثال هؤلاء العالمانيين ليسوا إلا نسخةً من المجرم الذي تحدثنا عنه في بداية المقال؛ فقد فعلوا من الفواحش ما يُحاكِي ما فَعَل، ثم غطوا هذا بطبقةٍ رقيقةٍ مُتهافتةٍ من الثورية و المُحارَبة من أجل المباديء، ثم انتظروا منا بكل وقاحةٍ أن نحمد لهم وجود تلك الطبقة التي تغطي نتن عقولهم و قلوبهم !

و بالمناسبة فأنا أعتبر "د. أحمد خالد توفيق" من ضمن أولائك الحمقي المبارِكين لأمثال هؤلاء المجرمين، ذلك رغم أنني الذي لطالما اقتبستُ من مقالاته و أُعجبتُ بقصصه القصيرة و الطويلة، و قد حرصتُ علي ذِكر ذلك حتي لا يقولن أحدهم أني أتحرج من ذِكر أي واحدٍ من هؤلاء له عندي لونٌ من المحبة. 

و اعذروني علي الكلمات و الصفات القاسيات اللاتي أستخدمهن؛ فقد مللتُ من وقاحة الليبراليين و مَن شابههم من أعداء الشريعة و عدم احمرار وجوههم خجلاً حينما يُصرِّحون بالكفر و الزندقة عياناً بيانا، ثم حينما نجهر بالحق و نُصرِّح بأسماء بعض الحمقي الذين يتجاهلون أمثال تلك الشنائع يأتيك من يقول لك أن الأدب واجبٌ و أن هؤلاء يُحسّب لهم كثيرٌ من الخير !

و يظنون أنهم بهذا يَعدِلون في الحكم علي البشر، بينما هم يُخرِّبون كل موازين المُفاضَلة في الشريعة الإسلامية و في منطق العقول السليمة، و أصبحوا في هذا الموقف مثل مُشركي قريشٍ الذين قال عنهم الله تعالي: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿19﴾} (سورة التوبة)،
و المُشابَهة هنا من حيث اختلال موازين الحكم علي الأفكار و المناهج و الأفعال البشرية، و إعطائهم لمختلف الأفعال أوزاناً واحدةً في ميزان الحكم علي البشر، رغم أن كل نوعٍ من أنواع الأفعال (مثل الأفعال المتعلقة بالإيمان و الكفر، و الأفعال المتعلقة بمصالح الناس، و الأفعال المتعلقة بالاجتهاد في تعمير الدنيا) له وزنٌ نوعيٌ مختلف. و أثقل تلك الأوزان و أكبرها أثراً هي التي تتعلق بأفعال الإيمان و الكفر بطبيعة الحال كما تدل الآية الكريمة السابقة.

و قد قررتُ منذ فترةٍ أن الوقاحة مفيدةٌ في كثيرٍ من الأحيان و قد جربتُ هذا بنفسي في كثيرٍ من الأمور؛ ففي تسمية الأشياء بمسمياتها و إنزال الناس منازلهم دواءٌ ناجعٌ يُريح العقل و الفؤاد، بينما اللف و الدوران و محاولة إيصال المعاني بأسلوبٍ هاديءٍ في وقت التلاحم ليس إلا بلاهةً سندفع ثمنها غالياً جداً من البلبلة و التخبط  !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.