الاثنين، 19 أغسطس، 2013

الحاجة إلي الوقاحة

أنا من الشخصيات التي حينما تُناقشها ربما تلاحظ عليها بعض الارتباك في الحديث (و ربما بعض اللجلجة)، و قد أخذتُ فترةً طويلةً و أنا محتارٌ في سبب ذلك الارتباك؛ فأنا في الغالب (و خصوصاً بعد تخرجي من الجامعة) أخذتُ علي نفسي عهداً ألا أذاكر أو أقرأ أو أكتب إلا ما أراه متناسباً مع منهجي الفكري و العلمي،
و أنا كذلك من النوعية التي لا تحب أن تخدع نفسها، و بالتالي فإن معظم (إن لم تكن كل) قراراتي و وجهات نظري تكون مبنيةً علي أساسٍ من الدليل و البرهان الصحيحين، كما أنني لا آبه كثيراً لما يقوله الناس و دائماً ما أقول لمن حولي ما معناه: "سيبك من كلام الناس، دول كدا كدا حيجيبوا سيرتك"، و هكذا فليس هناك سببٌ فعليٌ للارتباك !

إذاً ما المشكلة ؟

المشكلة في أن معظم الآراء التي أقتنع بها تكون غريبةً بالنسبة لجمهور الناس، و تتساوي في هذا قَناعاتي الدينية و/أو الفِكرية و/أو الأدبية، و لذلك ففي أغلب الأحيان يكون ما أقوله أمراً مُستنكَراً في نظر من يُناقِشني، و لأن معظم الناس في هذه الأيام لا يأبهون لا بدليلٍ و لا ببرهانٍ، و لأن معظمهم لا يجيد الحوار العقلاني المنطقي المُهذَّب: فإنهم يثيرون غيظي و حنقي بكمية الجهالات التي تخرج من أفواههم !، مع ما يلزم من السفاهة و قلة التهذيب في أسلوب النِقاش، و أبذل جهداً كبيراً حتي لا أنفجر فيهم من الغيظ و أعبر لهم عن رأيي في آرائهم التافهة و عقولهم التي أكلها الصدأ و أسلوبهم المستفز !

لهذا فإني أظن أن سبباً كبيراً من أسباب توتري هو عدم قدرتي علي أن أكون وقحاً مع مَن يستحقون الوقاحة !، و لو نظرتم إلي مقالاتي (مهما كان نوعها) فربما ترون في الكثير منها ما يكشف عن بذل جهدٍ كبيرٍ لمنع سيلٍ من الشتائم غير الأنيقة تجاه الأفكار التي أستسخفها، و في بعض المقالات تركتُ للساني بعض الحرية و استمتعتُ ببعض الوقاحة التي أراحت أعصابي !

المشكلة أنني لا بد و أن أختار ما بين أمرين: أن أكون وقحاً هاديء الأعصاب، أو أن أكون "دبدوباً" متوتراً من الممكن أن ينفجر في أي لحظة 

في واقع الأمر فإن الوجوه التي رآها الناس مني حتي الآن هي وجهَيْ "المُناقَشة" و "المُدارَسة"، و هما وجهان لطيفان ظريفان ودودان، و أحرص فيهما قدر الإمكان علي الهدوء البالغ و الحرص علي الالتزام بالأدب النبوي في الحوار.

أما الوجه الذي لم يره إلا أقل القليل فهو وجه "المُناظَرة" و "الإفحام" الذي أحاول منذ زمنٍ طويلٍ أن أهرب منه و ألا أريه لأي شخصٍ يحاورني؛ ففي إظهاره خسارةٌ لكثيرٍ من الأقارب و/أو الزملاء و/أو المعارف، 
كما أخشي أن يتسبب هذا في تكوين انطباعٍ سيءٍ عند من يجب الحديث معهم باللين، حيث من الممكن أن يقرؤوا أحاديث المناظرة الباترة في حين أنها موجهةٌ في الأصل لغيرهم !

و أنا في الأصل رجلٌ يكره الغباء و الجهل و "النطاعة الفكرية"، و أحب أن يكون كل شيءٍ واضحاً و مبنياً علي أسسٍ صحيحةٍ و مترابطة، و مما أحمد الله تعالي عليه أنه آتاني جدلا، و يمكنني الدفاع عن آرائي التي أقتنع بها بمنتهي القوة و بلسانٍ كالسيف القاطع، و لولا مخافة الله تعالي وحده لرأي خصومي الفكريين مني ما يذكرهم بقول الأقدمين: "سيف الحَجَّاج و لسان ابن حزمٍ شقيقان".

فأسأل الله تعالي الصبر و الجَلَد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.