الجمعة، 23 أغسطس، 2013

القلب النابض

أنا لا أُفضِّل العرب علي غير العرب، و لا أُفضِّل المصريين علي غيرهم؛ لأن كل هذا جاهليةٌ حمقاء تطعن في شرف المسلم و إيمانه أيما طعن، و لا يستقيم وجود مثل تلك النظرة الجاهلية مع القواعد الإسلامية الراسخة التي لا تقبل الالتفاف حولها عن المُفاضَلة بين الناس علي أساس التقوي و التدين فقط، بدون الحديث عن العِرق أو اللون أو اللغة أو الدولة.

لكني حينما أنظر إلي الكارثة التي تهدد الإسلام في مصر: أجد أن الأمر أخطر مما هو عليه لو كان في أي دولةٍ أخري، حتي الحجاز أرض الحرمين الشريفين نفسها !؛ و من المقدمة الصغيرة التي أدرجتُها من قبل فأنتم تعلمون الآن أنني أبعد ما أكون عن العصبية الوطنية الجاهلية، و بالتأكيد فإن لاعتقادى (الذي قد يبدو شاذاً نوعاً ما بالنسبة لبعضكم) أسبابه المنطقية.

فكروا في الأمور التالية و سترون أنني مُحِقٌ في كلامي:
  • مصر أكبر دولةٍ عربيةٍ من حيث عدد السكان، فتقريباً هي تحوي ما بين ربع إلي ثلث العرب كلهم !، و بالتالي فإن القضاء علي مثل هذه الدولة و استعباد أهلها يُعد كسراً لشوكة كل هذه النسبة الضخمة بضربةٍ واحدة، و لو أراد العدو فعل المثل في غير مصر لكان لزاماً عليه أن يقوم بتدمير سبع أو ثماني دولٍ أخري علي الأقل !، و العرب هم قلب الأمة الإسلامية النابض، سواءٌ أردنا هذا أم لم نُرِد، و كَسْر العرب يُعد طعنةً نجلاء للأمة الإسلامية كلها حتي و إن كان علي المستوي المعنوي. و إلا فتخيلوا مثلاً شعور أهلنا من فقراء الهنود المسلمين و الأفارقة حينما يعلمون أن العرب الذين يعتبرونهم الدرع الأول للإسلام قد انكسروا بشكلٍ يصعب القيام منه علي المدي القريب،
    أي يأسٍ و تخاذلٍ سيحسون بهما !

    هذا علي الرغم من أن هؤلاء العرب لا يُحس معظمهم بهموم هؤلاء المسلمين من الأصل !، و كم من مذبحةٍ و تطهير عِرقيٍ أقيما لهم، و كم من مجاعةٍ حدثت، و كم من حملةٍ تنصيريةٍ عاثت في أراضيهم فساداً و لم تتحرك شعرةٌ في رأس هؤلاء العرب الأشاوس (إلا قليلاً منهم) !
  • موقع مصر الذي يربط بين جناحي العالم الإسلامي و كذلك جناحي العالم العربي في قارتي آسيا و إفريقيا، و مثل هذا الموقع هو الذي جعل كل الغزاة الذين أرادوا نهب خيرات الشعوب الأخري يقومون باحتلال مصر؛ فحتي إن لم يرغبوا في خيراتها هي فإنهم مضطرون لاحتلالها لأنها "تقف في وجوههم" و تسد عليهم الطريق !، و تدمير مصر (أو علي الأقل تدمير عقليات أهلها) سيجعلها بدلاً من أن تكون حلقة الوصل بين هذه الأجنحة تتحول إلي خازوقٍ فعليٍ في جنب الأمتين الإسلامية و العربية !
  • المُلاصَقة التامة بالعدو الصهيوني، و علي الرغم من أن هناك دولاُ عربيةُ أخري تُلاصِق ذلك العدو إلا أن التفوق السكاني الواضح لمصر يجعل خطر المصريين أشد و أكبر، و لذلك ترون أن عملاء الأمريكان و الصهاينة في بلادنا من أمثال "مبارك" حرصوا بكل قوتهم علي الحفاظ علي سيناء شبه خالية من السكان، و حرصوا كذلك علي عمل ما يشبه التشريد التام لأهلنا من البدو هناك، لدرجة أنه لم يكن مسموحاً لهم بتملك الأراضي ! و كأنهم ضيوفٌ علي مصر و ليسوا من أهلها !؛
    كل هذا بالطبع ليسير من السهل علي الصهاينة اجتياح سيناء كلها في ساعاتٍ معدودةٍ إذا ما أرادوا، بدون وجود المقاومة الشعبية و حرب الشوارع الكافية لاستنزاف قوات أي جيشٍ نظاميٍ حتي قبل الحرب الفعلية مع الجيش النظامي الآخر.

    كما أن التصاق مصر بفلسطين المحتلة من ناحية قطاع غزة جعل لها ثقلاً إنسانياً و سياسياً لا يُنكَر؛ فبيد النظام الحاكم في مصر أن يكسر أي حصارٍ تفرضه سلطات الاحتلال الصهيوني علي أهلنا في غزة متي ما أراد، و له أن يقوم كذلك بدعم المقاومة الفلسطينية إذا شاء، بالطبع هذا لو كان يحكمنا رجالٌ من ظهور رجال، أما لو كان يحكمنا مجموعةٌ من أكياس الروث فإن بإمكانهم أن يذيقوا أهلنا في غزة الويل أصنافاً و أشكالاً، تماماً كما فعل مبارك، و تماماً كما يفعل الخونة قادة الانقلاب العسكري عن طريق هدم الأنفاق و منع المساعدات الإنسانية، بل و منع السياسيين المسلمين من الدخول لغزة عن طريق معبر "رفح" !
  • تتوافر في مصر كل أنواع الموارد الطبيعية: من نفطٍ إلي غازٍ طبيعيٍ إلي معادن نفيسة إلي أراضٍ زراعيةٍ ...؟ و غيرهن،
    و مع عدد السكان الكبير و المساحة التي تستطيع استيعابهم بمنتهي البساطة فإنه يمكن لمصر أن تتحول لقوةٍ إقليميةٍ و عالميةٍ في فترةٍ صغيرة، إذا ما تم توزيع الموارد البشرية بشكلٍ معقولٍ علي مساحة مصر القابلة للسكن فيها، و الاستفادة من قدرات هؤلاء البشر كلٌ في مجاله و اختصاصه،

    لذلك حرص الأعداء علي وجود الطبقة الفاسدة من لصوص رجال الأعمال و السياسة حتي تظل مصر تأكل لحمها بنفسها، فيبني المصريون علي الأراضي الزراعية حتي تنتهي، و يتكدسون علي ضفتي نهر النيل و يتركون بقية مساحة مصر كلها (بما فيها سيناء) للريح و الرمل حتي يكتموا أنفاس بعضهم البعض، و يظل الفسدة و اللصوص يسرقون خيرات النفط و الغاز و يُصدِّرون آلاف الأطنان لليهود بينما نعاني نحن الأزمات الطاحنة !، حتي القمح الذي يُعد من أهم و أخطر المزروعات الاستراتيجية ممنوعٌ علينا في عهود الخيانة و العار أن نسعي للاكتفاء الذاتي منه !

هذه أسبابٌ تجعلني أوقن بأن مصر هي القلب النابض للأمة الإسلامية و العرب، و أن انكسارها في معركة الهوية يُعد كارثةً للأمتين،
و أسأل الله تعالي العفو و العافية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.