الاثنين، 19 أغسطس، 2013

ضحالةٌ منهجية

كنتُ قديماً كلما قرأتُ مقالةً سياسيةً لـ "د. أحمد خالد توفيق" أُصابُ بالغيظ و الرغبة الكاسحة في لكمه في أنفه؛ بسبب اجتزائه الأحمق للأمور و تغاضيه عن كوارث البرادعي و تحامله المُبالَغ فيه علي الشيخ حازم بمنتهي الغل و الكراهية !، و كأن حازم يضع إصبعه في جرحٍ غائرٍ في جنب أحمد خالد !


ثم قرأتُ مقاله الأخير "عزاء بالجملة" الذي أعلنَ فيه توبته عن مهاجمته للبرادعي في فترةٍ من الفترات، و عاد يُنصِّبه مُلهِماً للثورة و ضميراً للأمة، و يعتبره مؤشراً يصلح لتبيان "هل الأمور تسير علي ما يرامٍ أم لا"!. و في تلك اللحظة أيقنتُ أنه ليس هناك أملٌ أرضيٌ في شفاء مخ ذلك الرجل؛ فمن لا يري من الغربال فهو أعمي، و من لا يفهم أن 1 + 1 + 1 = 3 هو جحشٌ كاملُ بأربعة أقدامٍ و ذيل.

لذلك أقول ما أصبحتُ أؤمن به منذ فترة: د. أحمد خالد توفيق و من يشبهونه هم حكَّاؤون ممتازون، و لكنهم ضائعون تماماً في كل ما يخص قضايا الهوية و المنهج، و سأكون أحمقاً غاية الحماقة لو ظللتُ أُكابِر و أُعانِد ما تؤكده لي كل مقالات الرجل السياسية التي تشبه الخوازيق الفكرية.


لكن فلنتكلم بصراحة: ماذا عن كثيرٍ من "كبار المشايخ" و مواقفهم المنهجية الحالية ؟

الحق أن كثيراً ممن نسميهم مشايخ يُعتبرون في الواقع مشايخ لمذهب "العالَمانية المُتأسلمة"!، فالعالِم الشرعي في الإسلام ليس مجرد وعاءٍ للعلم و ناقلٍ له لمن بعده، بل يجب أن تتوفر فيه صفتا: الفهم للعلوم الشرعية و التطبيق العملي لها؛ فقد قال الله تعالي: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴿١٢٢﴾} (سورة التوبة)، فانظروا كيف وصفهم الله تعالي بأنهم يتفقهون في الدين، ثم يطبقون ما تعلموه علي أرض الواقع عن طريق إنذار قومهم إذا رجعوا إليهم.

لذلك فأنا أعتبر أن صمت الكثيرين من كبار مشايخنا (أو حتي عدم علو صوتهم كما يجب) تجاه ما يحدث هذه الأيام جريمةٌ لا تُغتفر، و لا يهم مدي علمهم و لا ورعهم و لا نياتهم: فمادام الواحد منهم قادراً علي الجهر بوجوب نصرة الشريعة ثم الشرعية فلا مناص من أن يفعل. أم أن المشيخة تكون في دروس العلم فقط ؟!
هذه قمة ما أسميه "العالَمانية المُتأسلمة" و ذروة سنامها.

و الأحداث العاصفة التي تجري هذه الأيام تجعل من الواضح أنه بعد أن تزول هذه الغمة بإذن الله تعالي فإننا نحتاج إلي مُكاشَفاتٍ شاملة، يتم فيها مُساءلة جميع قادة التيارات الإسلامية المختلفة و علمائهم بمختلف مناهجهم الفكرية عما فعلوه من قبل و من بعد، و عن منهجهم الفكري الحقيقي في المسائل المختلفة، و مُساءلة شباب التيارات الإسلامية عن ذات الأمور؛ فقد كَشفَتْ الأزمات المتلاحقات أن عقليات الإسلاميين يشوبهن الكثير من العُوار المنهجي و التخطيطي، و أن تلك التيارات الإسلامية فيها من الدَّخَن ما فيها !

أما حالياً فموقفي تجاه أمثال د. أحمد خالد و شيوخ العالمانية المتأسلمة هو التجاهل التام؛ فالحق لا يحتاج لعدد أو عُدَّة، و طالما معك من الله دليلٌ و برهانٌ علي صحة ما تقول، و طالما تُطالِب بالحق الواضح: فأنت الجماعة و لو كنتَ وحدك، و لو كانت الأمور بالعدد و العُدَّة ما كانت ثورات الربيع العربي لتقوم من الأصل؛ و لظللنا ندور في ساقية التبلد و المهانة إلي أبد الآبدين !

و من الحسنات القلائل جداً في الأحداث الحالية أنها تكشف لنا الضحالة المنهجية التي يتميز بها كثيرٌ ممن أقمناهم في عقولنا و قلوبنا أمثلةً علي التفكير المتميز الواعي، و لا تزال الأحداث تكشف لنا كمية الجهالات التي تحيا فيها معظم الأطراف.

و إلي الله المُشتكَي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.