السبت، 7 سبتمبر، 2013

ضحالةٌ منهجية (3)

هناك نوعٌ من الناس يُريد من كل البشر أن يؤمنوا أن "الحياة حلوةٌ جميلة" و أن "جميع الناس لطفاء" و أن "كل المشاكل يمكن حلها بالنقاش الراقي الهاديء" !، و تجده دائماً ما يتهمك بالحماقة و الجهل و التطرف إذا ما صارحتَه بحقيقة القذارات التي غصنا فيها حتي الأذقان، و تجده في مناقشاته معك يلوي أعناق الحقائق و يلف و يدور، و يسلك الطرق الملتوية و الأساليب السفسطائية في النقاش؛ لكي يصل في النهاية إلي الحقيقة الوحيدة الثابتة في عقله: "الدنيا بخير، و الأوغاد من أمثالك هم الذين يظنون العكس و يُروِّجون له بين الناس" !

بالنسبة لهذا النوع فإن الشريعة الإسلامية مُطبَّقةٌ بالفعل، و المشكلة فقط في بعض "الحدود" التي يمكن تطبيقها بالتدريج، و أنت متطرفٌ أحمقٌ حينما تُحاوِل أن تشرح له أنكما تعيشان في دولةٍ كل الدساتير التي وُضِعت لها عالمانيةٌ كألعن ما تكون العالمانية، و الأغلبية الساحقة من حكامها و رجال قانونها و سياسييها المُعاصرِين: بذلوا الغالي و النفيس لنزع حتي رائحة الهوية الإسلامية منها !، و أن اعتقاده المُضحِك يشبه اعتقاد السمكة التي تعيش في المحيط أنها طائرٌ يطير بجناحين في السماء، و أن المشكلة الوحيدة التي تقابلها هي عدم وجود منقارٍ لها !

كذلك بالنسبة لهذا النوع فالحدود بين الدول الإسلامية (و علي رأسها ما بُنيَت حسب اتفاقية سايكس-بيكو) التي تم فيها تقسيم دولة الخِلافة و تمزيقها إلي دويلاتٍ صغيرةٍ تُعتبَر قُدس الأقداس، و لأجل الحفاظ عليها يجب بذل الغالي و النفيس، و هي فوق العقل و النقاش، بل و حتي فوق الدين ! و مَن يقترب منها ليس إلا كافراً بالوطن و القومية و يجب اتهامه بكل نقيصةٍ و عيب، و أن ننزع عنه كل المُقوِّمات و الحقوق الإنسانية التي لا تُعطَي إلا للوطنيين الشرفاء !

و قد كنتُ في يومٍ من الأيام أستمع لمُحاضّرةٍ للعلَّامة الشيخ "أحمد ديدات" رحمة الله عليه، و فجأةً وجدتُه ينهال تقريعاً للمسلمين عرباً و غير عرب علي تقصيرهم في دعوة غير المسلمين لدين الله تعالي، و دنو همتهم و ميلهم للخنوع و الصمت عن الجهر بالحق في وجه المُغيَّبِين، بل و كان من ضِمن ما قاله أنه لو كان أحد الجالسين أمامه في زمن الرسول صلي الله عليه و سلم لحاول تثبيط همته صلوات الله و سلامه عليه حتي يستريح قليلاً من العداوات التي تجلبها الدعوة علي صاحبها في كل مكان !

علي العكس مما فعله الرسول من دعوة مشركي مكة بمنتهي التفاني حتي ألجؤوه إلي الهجرة منها، و لكنه ما إن استقر في المدينة حتي بدأ دعوة المشركين و النصاري و اليهود فيها بلا إبطاء !. علي الرغم من أن المنطق البشري القاصر سيقول أنه لا بد من عدم جذب المزيد من العداوات، و خاصةً في المكان الذي تم الانتقال إليه هرباً من بطش الطغاة و الجبابرة، و لكنها عزة الحق التي لا ترضي بالصمت عن الباطل التي نري أنه لم يتبق في المسلمين أحدٌ يحملها إلا أقل القليل.

كلما رأيتُ واحداً من هذه الفئة الشاذة التفكير من البشر تأكد لي ما كنتُ أومن به من فترةٍ طويلة، و هو أن مأساة الأمة الإسلامية ليست فقط في الواقع المزري الذي آلت إليه كل معالم الحياة فيها، بل الأنكي و الأشد إثارةً للحزن هو حالة الغيبوبة الذهنية و الضحالة المنهجية التي يحيا فيها أهلها (و خاصةً شبابها)، حتي أصبحت الأمة تشبه بالضبط الرجل الذي ضربوه علي قفاه و عَرُّوه و انتهكوا عرضه، و هو لا يهمه إلا أن كل هذه الأمور ستعطله عن اللحاق بميعاد مباراة كرة القدم امام التلفاز !

و إلي الله المُشتكَي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.