الجمعة، 13 سبتمبر، 2013

ضحالةٌ منهجية (4)

في يومٍ من الأيام حينما كنتُ لا أزال طالباً جامعياً: دخلتُ إلي غرفتي في المدينة الجامعية فوجدتُ امراً غريباً، كان أحد أصدقائي الذين يسكنون معي في الغرفة (و في نفس دفعتي) يتحدث مع صديقٍ أصغر سناً منا (و يسكن معنا في نفس الحجرة)، و كان الحديث عنيفاً بعض الشيء و به نبرة تسخيفٍ واضحة !
و بما أني لم أكن أعلم ما الأمر بالضبط فقد سألتُهم عمَّا هنالك؛ لأهديء الأمور قبل أن تصل للشتائم و ربما العراك بالأيدي، فأخبرني صديقي الأكبر سناً أن الأصغر يحكي حكايةً لا تصح عن رسول الله صلي الله عليه و سلم، أنه عليه السلام دخل في يومٍ من الأيام إلي بيتٍ من بيوت الصحابة فيه صحابيةٌ ليست من أقاربه المعروفين ! 
بل و أنه صلوات الله و سلامه عليه نام في البيت و كانت تَفْلِي رأسه الشريف !!! *

و هكذا فهمتُ سبب الحديث الحاد بين الاثنين، فقلتُ لهما في بساطةٍ ما معناه:"نعم قد فعل رسول الله صلي الله عليه و سلم هذا؛ لأن المرأة كانت خالته من الرضاعة".

لم أكن أعلم ساعتها أن هناك أقوالاً مختلفة للعلماء يفسرون بها كيف أن رسول الله صلي الله عليه و سلم من محارم تلك الصحابية رضوان الله عليها؛ بسبب قلة علمي الشرعي، لكن المهم أنني وجدتُ زميلي الأكبر سناً يُشرِق وجهه كأنما ارتاح مِن حِملٍ ثقيلٍ علي نفسه، و قال لي بوجهٍ طَلْقٍ أنه سيشتري لي أي كتابٍ في السيرة أريده؛ و هذا (كما هو واضحٌ من المُلابسات) كان مكافأةً لي علي دفع تلك الشبهة و إيضاح أنها لا تطعن النبي صلوات الله و سلامه عليه في نزاهته مطلقاً (بالمناسبة: لم أجعل زميلي يشتري لي أي كتاب).

لو فكرنا في السبب الذي جعل زميلي يحتد، ثم جعله يفرح حينما كشفتُ ما كان خافياً عنه فسنجد أن الفتي فُوجيء بشبهةٍ تطعنه في دينه و لم يستطع دفعها لقلة علمه الشرعي. و استطعتُ أنا بفضل الله تعالي دفعها رغم قلة العلم الشرعي الذي حصَّلتُه (و الذي لا يزال بكل أسفٍ من أقل القليل)،
لكن الكارثة أن زميلي لم يقم حتي اليوم بتحصيل العلم الشرعي الذي يستطيع به الوصول لمرحلة الإيمان الراسخ بحقيقة ما يعتقده، رغم ما مر به من موقفٍ أو أكثر مما يستدعي تحمسه لطلب العلم الشرعي الكافي !

الآن دعكم من هذا الموقف مؤقتاً، و تعالوا لكي ألفت انتباهكم إلي أمرٍ لا نُلاحِظ غرابته لاعتيادنا عليه: تجدون أن كثيراً من المسلمين يفرحون حينما يجدون كاتباً غربياً مشهوراً يمدح رسول الله صلي الله عليه و سلم، و يُطرِي علي حكمته و رحمته، و صرامته في تسيير أموره و أمور الدولة الإسلامية ديناً و حياة. و يفرح كذلك الكثيرون من المسلمين و العرب حينما يمتدح كاتبٌ غربيٌ أحد علماء الحضارة الإسلامية و/أو الإسهامات العلمية لها في تاريخ البشرية، و/أو ما قدمته من آدابٍ أو علومٍ في شتي  المناحي المعرفية.

و علي النقيض من ذلك فإن هؤلاء المسلمين و/أو العرب يصابون بالضيق و الغم حينما يرون من الغربيين تهكماً علي رسول الله صلوات الله و سلامه عليه و/أو الدين الإسلامي عامةً و/أو تاريخ الحضارة الإسلامية.

بعد أن انتبهتم إلي تكرار حدوث هذه المواقف و ردود الأفعال: علام يدل كل هذا ؟

أنا عن نفسي أري أن كل ما سبق (من فرحٍ و فخرٍ أو ضيقٍ و غضبٍ) ليس إلا إضاعةً للوقت؛ فلا مَدْح المادحين و لا قَدْح القادحين سيغير من طبيعة الأمور و لا من وقائع التاريخ، و الواقع يقول أن كثيراً ممن يمدحون رسول الله صلي الله عليه و سلم و/أو الإسلام من الغربيين ظلوا علي كفرهم أو إلحادهم حتي بعد شهادة الحق التي أدلوا بها !

و أتساءل أنا (و يحق لي التساؤل): هل تفاخُرُنا بشهادة هؤلاء الشاهدين ناجمٌ عن رغبةٍ في السير تبعاً لقاعدة "وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا"، أم أنها مجرد ورقة توتٍ نستر بها ما يراه الآخرون عورةً بينما هو في حقيقة الأمر مصدر الفخر و العزة ؟!

الواقع يدل علي أن النظرة الثانية هي الأصح بكل أسف؛ فلو أننا نسير بمنطلقٍ دعويٍ يرتكز علي يقينٍ قاطعٍ أننا نحمل "الهدي المُبِين" الذي لا يخالفه إلا حامل "الضلال المُبِين": لكانت تصرفاتنا الأخري تدل علي ذلك، و لَمَا رأينا الخنوع الذي تحيا فيه المؤسسة الدينية الرسمية بينما ينهال الليبراليون (و كافة الفصائل العالمانية) علي أصول الدين هدماً: لا يتركون أصلاً هدموه إلا ليهدموا التالي !

و لَمَا رأينا سيطرة العقلية الخرافية علي رؤوس المؤسسات الدينية، فأصبح لِزاماً لكي يكون أحدهم صاحب منصبٍ رفيعٍ في أي مؤسسةٍ دينيةٍ أن يكون صوفياً (و حبذا لو كان من غُلاة الصوفية)، بل و عين المراد أن يكون (إضافةً إلي ما سبق) أشعرياً !

و لَمَا رأينا وزارة الثقافة في مصر تُسارِع في تكريم الزنادقة الذين يطعنون الدين طعناً في أصوله قبل فروعه، مثلما حدث مع المدعو "سيد القمني" !
إذاً فنحن نتفاخر بما لا يُسمِن و لا يُغني من جوع و نعيش في جوٍ من المعارك الفارغة، بينما نترك أهم مقوماتنا تتعاورها سيوف الأعداء بمنتهي الحرية !

لكن الأهم مما لاحظناه سابقاً هو الرابط بين قصتي مع زميلي و موقف المسلمين و العرب من شهادات الغربيين عن الإسلام، و هو رابطٌ قويٌ جداً و شديد الأهمية؛ فكلاهما يدل علي أن كثيراً منا يضعون القاعدة التي يؤمنون بها في البداية، ثم بعد ذلك يبحثون لها عن دليلٍ و برهانٍ يدعمها !، بينما العقل السليم يقول أنه من اللازم في البداية وضع ميزانٍ للأمور يتم الحكم به عليها، ثم بعد ذلك يتم استخدام هذا الميزان للوصول إلي النتائج. و الميزان في حالتنا هذه هو العلم الشرعي النابع من القرآن الكريم و السنة النبوية المُطهَّرة.

هل أحسستُم بمدي التوهان و الضحالة الفكريين اللذين نغوص في محيطات رمالهم الناعمة ؟!
اللهم عافِنا: إن هي إلا ظلماتٌ بعضها فوق بعض.


---------------------------------------
* أقصد هنا حديث "أُم حَرَام" رضوان الله عليها، و الموجود في الصحيحين، و هناك كتابٌ ماتِعٌ في الرد علي الشبهات التي تدور حول الحديث يُسمَّي "إشكالٌ و جوابه في حديث أُم حَرَام بِنْتِ مِلْحَان" لـ"علي بن عبد الله الصَّيَّاح" بارك الله في علمه و عمله.
و يمكن تحميل الكتاب من الرابط: http://www.waqfeya.com/book.php?bid=2683

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.