الثلاثاء، 17 سبتمبر، 2013

ضحالةٌ منهجية (5)

هل تريدون إثباتاتٍ أخري علي الضحالة المنهجية التي تجعل أغلب الناس تسير علي منهج "الاعتقاد ثم الاستدلال" و التي تكلمنا عنها سابقاً ؟

حسناً، إليكم هذا المثال المستفز: كما تعلمون فإن شبكات التواصل الاجتماعي الحديثة (و خصوصاً الـfacebook) من الأماكن الاستراتيجية التي يمكنك من خلالها التعرف علي آخر الإشاعات و التُرَّهات و الأكاذيب مختلفة الأنواع و الأحجام، و كلما زاد عدد الأصدقاء في حسابك هناك و تنوَّعت خلفياتهم الثقافية و المكانية و العلمية: زاد احتمال حصولك علي آخر نوعٍ و صيحةٍ من صيحات التُرَّهات المحلية و العالمية !، و بمختلف الأحجام: الخفيفة و المتوسطة و العائلية أيضاً !

و من تلك الخرافات ذلك النوع الذي يضع معلومةً علميةً صحيحةً واحدةً في بداية الكلام، ثم يبني مبنيً كاملاً من الضلالات و الأكاذيب اعتماداً علي تلك الحقيقة المنفردة. تماماً كما هو منهج الدجالين الذين يعتمدون علي حقيقةٍ واحدةٍ يُلقيها إليهم جنيٌ ليبنوا عليها مئة كذبة،
و قد قال صلي الله عليه و سلم في الوصف التفصيلي لهذه الطريقة الاحتيالية في الحديث الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النّبي صلي اللَّه عليه و سلم قال: ( إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ، يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. 
فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَ مُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ فَيُحْرِقَهُ، وَ رُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْأَرْضِ، فَتُلْقَى عَلَى فَمْ السَّاحِرِ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا يَكُونُ كَذَا وَ كَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا ؟ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنْ السَّمَاءِ).

و من الأمثلة العملية علي تلك الخرافات ما رأيتُه منذ فترةٍ طويلةٍ علي الـfacebook، فقد رأيتُ منشوراً عند أحد أصدقائي هو إشاعةٌ حمقاء تقول ما معناه أنه "لا يُمكِن إنشاء مُجلَّدٍ باسم con على الحاسوب؛ ﻷنه لا يمكن ﻷحد أن يقول للشيء (كُنْ) فيكون إلا الله تعالى" !
و ها هو ذا نص الخرافة كاملاً بدون الكثير من التعديلات:
"الكلمة التي لا يكتبها الكمبيوتر ...  con
سبحان الله لم يستطع علماء شركة مايكروسفت الاجابه على هذا الموضوع فى البدايه, ولكن اخيرا عرفوا الاجابة، وان لم يعرفوها فهم ممن جحدوها واستيقنتها انفسهم
جرب في سطح المكتب واضغط بالزر الايمن بالماوس، تخرج لك قائمة اضغط على جديد(( مجلد))، سيظر لك مجلد اسمه {مجلد جديد} او "new foLder" ثم حاول تغيير اسمه ل"con" يرفض الجهاز ان يقبل هذا التغيير قي حين انك لو كتبت اي شئ اخر يستجيب الجهاز
ويخطر في الذهن كلمة وهي لماذا ؟؟؟
والاجابة ان ~ الله ~ وحده هو الذى يقول للشئ ((كُن)) فيكون، فسبحان الله"

تأملوا الخلط السخيف بين المقدمة و النتيجة اللذين لا علاقة لهما ببعضهما البعض: 
  • المقدمة: لا يمكن لأحدٍ ان يقول للشيء كُنْ فيكون إلا الله تعالي (و هذا حق)، و الحاسوب لا يمكنه عمل مجلدٍ يسمي بـ"con" و قد قال لي بعض مَن يستخدمون نظام تشغيل الـwindows أن هذا أمرٌ صحيحٌ أيضاً (و تأكدتُ من هذا عملياً فيما بعد).
  • النتيجة: أن هذا إثباتٌ علي صحة أن الله تعالي وحده هو الذي يقول للشيء كن فيكون !


و السؤال الحقيقي هو: ما الصلة بين الأمرين ؟! 
و كيف يمكن أن تؤدي تلك المقدمة إلي تلك النتيجة ؟!
و أين نجد في كتاب الله تعالي أو سنة نبيه صلي الله عليه و سلم أن كلمة "كُنْ" لا يستعملها إلا الله عز و جل مهما كان وجه الاستعمال ؟!

عن نفسي فأنا أوقن أن هذه الإشاعة لم يقم بنشرها إلا العالمانيين أو الملاحدة الذين يريدون تصوير المتدينين على أنهم جهلةٌ حمقى، و قد جَرَّبنا العالمانيين و الملاحدة منذ القِدم و نعلم تدليساتهم و تلبيساتهم و حيلهم الخبيثة الساقطة. لكن لا تنسوا أنه ليس كل تدليسٍ أو قولٍ ساقطٍ يصدر من هؤلاء الخبثاء فقط؛ فجهل الناس بالعلم الشرعى و العلوم الحياتية علي رأس قائمة الأسباب بجدارةٍ أيضاً.
و تأملوا معي ما فعله الذين صدَّقوا هذه السخافة: لقد اعتقدوا في صدقها أولاً مع أن التلفيق واضح، ثم بعد ذلك حاولوا إثبات صحتها بتلفيقها للدين بغض النظر عن عدم وجود أي دلالةٍ دينيةٍ في الأمر، سواءٌ في الأدلة الشرعية من الكتاب و السنة، أو حتي من العقل الصرف !

هكذا يوضح المثال حالة الضحالة المنهجية الفكرية التي تجعل الجميع (إلا مَن رَحِم اللهُ تعالي) يضع عقيدته أولاً، ثم بعدها يقوم بمحاولة لَي أعناق الأدلة و البراهين لجعلها تقول بصحة ذلك المُعتقَد. و هذا بدوره يفسر تهافت عقائد أغلب الناس و قدرة المخالفين علي هدمها فوق رؤوس أصحابها بمنتهي السهولة، و بالطبع فإن غير المسلم سوف يستغل مثل هذه الثغرات المنهجية ليهدم العقائد السليمة قبل الفاسدة، بينما يقف المسلمُ فاقدُ الدليل و البرهان كالطير العاجز، يتلقي الصفعات و اللكمات و لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.