الجمعة، 27 سبتمبر، 2013

عن التفرغ للتحصيل العلمي

في المجالات العلمية التي تحتاج إلي وقتٍ كبيرٍ للتمكن منها قد يجد الراغب في احترافها و الوصول لدرجة الخبرة فيها نفسه مُرغَماً إما علي العمل في مهنةٍ تتعلق بها، أو تقع في نطاق ذلك المجال، أو التفرغ لها كل التفرغ. و في أحيانٍ كثيرةٍ قد تكون هناك الكثير من الظروف التي تمنع من التوظُّف في عملٍ يتعلق بذلك التخصص؛ مثل وجود الرغبة في البقاء حراً حتي لا يؤثر ذلك علي رؤيته و حريته في قول ما يريد، كالمتخصص في علوم الشرع الذي لا يريد وظيفةً رسميةً حتي لا يصير بوقاً للحاكم و لا يستطيع المعارضة أو الجهر بالحق، فلا يتبقي أمامه إلا التفرغ التام للتحصيل العلمي.

و ليست المشكلة في هذه الوسيلة أنها غير ممكنة؛ فمعظم علماء المسلمين تعلموا العلوم الشرعية و عاشوا حياتهم كلها بهذا الشكل، و تحملوا شظف الحياة و خشونتها من أجل تحقيق أهدافهم و طموحاتهم العلمية.  

و مما أعلمه من حكايات علماء الأمة الإسلامية قديما من الصبر علي المشقة في طلب العلم ما يلي: 
  • رُوي عن الإمام "مالك بن أنس" رحمة الله عليه أنه وصل في مرحلةٍ من مراحل حياته إلي أن يبيع سقف بيته حتي يستطيع التفرغ لطلب العلم !،
  • الإمام "بَقِيْ بن مَخْلَد" إمام أهل الأندلس رحمة الله عليه أراد طلب الحديث النبوي الشريف علي يد الإمام "أحمد بن حَنْبَل" رحمة الله عليه، و لكن لم يكن معه ما يكفيه للسفر من الأندلس إلي بغداد، فقام بتأجير نفسه للقوافل حتي يستطيع مصاحبتها في رحلاتها رغم أنه إمامٌ علَّامة !، ثم إنه لما وصل إلي بغداد كان أحمد محبوساً في داره في فتنة خلق القرآن، لكن بَقِيْ لم ييأس، و اتفق مع أحمد علي أن يأتيه كل يومٍ في زي الشحاذين ليروي له ابن حنبل حديثاً أو اثنين أو أكثر ! *
    و كان بَقِيْ رحمة الله عليه يروي عن نفسه أنه اضطر إلي بيع سراويله لتحصيل العلم (بالطبع أبقي واحداً يستر به عورته) !، كما روي أنه يعرف عالماً لم يكن يجد ما يقتاتُ به إلا ما يُلقيه الناس من أوراق الكرنب (و أحسبه كان يتحدث عن نفسه) !
  • لم يكن الشافعي رحمة الله عليه يجد ورقاً يكتب عليه و هو صغير، فكان يكتب علي العِظام التي يجمعها من الشوارع !، و كان يطلب من عمال الدواوين أن يعطوه الأوراق التي كتبوا علي إحدي جهتيها؛ حتي يكتب هو علي الجهة الأخري الفارغة ما يُحصِّله من العلم !


و غيرهن الكثير مما شابه من الأحوال و الأخبار التي تجعلك تقلب كفيك تعجباً؛ من قدرة هؤلاء الفطاحل علي الصبر علي شظف العيش و المعاناة الشديدة لأجل الازدياد من العلم و المعرفة.

لكن المشكلة تكمن في نظرة الناس إلي مثل هذه القرارات، و أهم الناس الذين تؤثر قراراتهم و نظرتهم في الدنيا علينا هم أهلنا بطبيعة الحال.
خذو حالتي أنا علي سبيل المثال: لو قررتُ مثلاً التفرغ التام لدراسة علوم المُترجِمات  compilers و المُفسِّرات interpreters و علوم الشرع، و قررتُ الاكتفاء بأقل القليل من الماديات: لوجدتُ أهلي يقيمون مناحةً في البيت، و ستسمع البدة كلها عن الفتي الأحمق الذي يريد أن يعيش عالةً علي أهله كالفتيات !، أو علي الأقل سيتناقل الناس أخبار الفتي الذي أصابه مسٌ من الجنون جعله يتخذ قراراتٍ لا يتخذها إلا جحشٌ مصابٌ بالعته !

و يمكن للمرء أن يصبر علي الفاقة و أقل القليل من المال ما دام يسير في مشوار تحقيق طموحه العلمي، لكن ما لا يمكن تحمله (إلا في حالاتٍ نادرةٍ من الناس) هو الضغط النفسي شديد العنف الذي سيمارسه عليه الأهل و الأقارب و كل من يعرفونه أو لا يعرفونه.

و ربما يتطور الأمر إلي إجبار الأهل له علي تغيير قراره بأن يكفوا عن تزويده بمصاريفه الشخصية مثلاً إذا كان طالباً (رغم أننا قلنا أنه سيرضي بأقل القليل)، و بذلك يجد نفسه مُخيَّراً بين الموت جوعاً أو الانتقال إلي الخطة الأولي (العمل فيما يخص مجال تخصصه)، فإن لم يجد ذلك  العمل صار من اللازم له أن يئد حلمه و أن ينظر بنظارة الواقع السوداء التي تتوارثها الأجيال المُحطَّمة (و المُحطِّمة) جيلاً بعد جيل.

و بعد أن كنا ننتظر ذلك الباحث الذي يمكنه مع غيره أن يفيد الناس بعلمه سنجد أننا أمام نسخةٍ جديدةٍ من الموظف صاحب "الكرش" و البطيخة و الصحيفة، و الذي يعود إلي داره كل يومٍ لا يبتغي إلا وضع قدميه في الماء البارد و وضع رأسه علي المخدة !


---------------
* للاستزادة حول هذه النقطة و حول إشكالٍ أورده الإمام "الذهبي" رحمة الله عليه حولها: يُرجي قراءة ما كتبه عنها "د. أكرم ضياء العمري" في دراسته القيمة "بَقِيُّ بن مَخْلَد القُرْطُبِي و مُقدِّمة مُسْنَده" بدايةً من صفحة 39. و يمكن تحميل ذلك الكتاب من الرابط:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.