الجمعة، 11 أكتوبر، 2013

كلام الناس (1)

من الطبعي أن يخشي كل واحدٍ منا أن يبدو سخيفاً أو أحمقاً أمام الناس، و لكن يتحول الأمر إلي مشكلةٍ حينما تصل هذه الخشية إلي درجة الرعب و الخوف المَرَضي !، لدرجة أن بعض الناس قد ينقطع عن مخالطة الآخرين بصورةٍ واضحة لمجرد تلافي هذا الإحساس !

في الأصل فإن خُلُق الحياء خُلُقٌ محمودٌ للرجال و النساء علي حدٍ سواء؛ ألم تَرَوْ أن رسول الله صلي الله عليه و سلم قال في الحديث الصحيح متحدثاً عن الصحابي الجليل ذي النورين "عثمان بن عفَّان" رضوان الله عليه: " أَلا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ " *. لكن هل المبالغة في الحياء لدرجة التحسب لكل همسةٍ و كلمةٍ أمام الناس أمرٌ طبعي ؟

بالطبع لا، بل إن مثل هذا التحسب المبالغ فيه ليس إلا مرضاً عضالاً ينبغي أن يسعي صاحبه لطلب الشفاء منه بسرعة. و أنا عن نفسي قد عانيتُ (و لا زلتُ أعاني إلي حدٍ ما) من تلك المشكلة بشدة، و أعلم تمام العلم أنها يمكن أن تُطيح بصواب من يُبتلَي بها إن لم يبادر بالتغلب عليها، و هي واحدةٌ من الأمور التي تجعلني أبتعد عن مصاحبة الآخرين إلي حدٍ كبير، و أفضل العزلة علي الاختلاط المُبالَغ فيه بالناس. و أسأل الله تعالي العفو و العافية.

المهم: لكي أُوصِل لكم ما أريده من مباديء أومن بها في هذه النقطة فلابد من أن أتحدث في البداية عن قصةٍ واقعيةٍ تصلح مثالاً عملياً ممتازاً، تأملوا معي الوضع التالي: هناك رسول الله صلي الله عليه و سلم الكامل المُكمَّل في خَلْقِه و خُلُقه، و هناك أم المؤمنين "عائشة" رضوان الله عليها الصِدِّيقة بنت الصِدِّيق، و هناك طريقة زواجهما و التي حكاها الرسول الكريم لأم المؤمنين قائلاً: { أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: "هَذِهِ امْرَأَتُكَ"، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَأَقُولُ: "إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ" } (رواه الإمام مُسلم في صحيحه).

أما العلاقة بينهما فقد كانت من أرقي و أجمل ما يكون، فقد كانت رضوان الله عليها أَحَبَّ أزواجه صلى الله عليه وسلم إلي قلبه، و قد روي البخاري رحمة الله عليه في صحيحه أن رسول الله صلي الله عليه و سلم قد سُئِل: "أيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟" قَالَ: "عَائِشَة"، قِيل: "فَمِنَ الرِّجَال؟"، قال: "أَبُوهَا". فبالإضافة إلي أنها أحب الناس إلي قلبه الشريف فإنه لما أراد أن يقول أن أبا بكرٍ هو أحب الرجال إليه صلي الله عليه و سلم قام بنسبته إليها، و لم يقل "أبو بكر" أو "ابن أبي قحافة" أو "الصِدِّيق".

فهل تظنون أنه يمكن أن يتحدث الناس بسوءٍ عن مِثل هذه الزيجة الطيبة الأركان أو يحاولوا تعكير صفوها ؟
لو حسبناها منطقياً فسنري أنه لا يمكن أن يتم الطعن في صفاء هذه الزيجة المُبارَكة، لكن ما حدث كان خِلاف ذلك. لن أتحدث هنا عن الشبهة التي يُلقيها أعداء الدين ليُصوِّروا رسول الله صلي الله عليه و سلم كأنه كَهْلٌ لا يريد من الدنيا إلا مضاجعة الطفلة صغيرة السن (و حاشاه صلوات الله و سلامه عليه أن يكون كذلك)؛ فهذه شُبهةٌ لها مقامٌ آخرٌ للرد عليها و تسفيه الحمقي الذين يُدندنون حولها، بالأدلة و البراهين القاطعة بفضل الله تعالي، لكني سأتحدث هنا عن حادثة "الإفْك"؛ فهي أكثر تعبيراً عن المعني الذي أريد إيصاله لكم من هذا المقال.

ما هي أكثر تهمةٍ يمكنها أن تهدم أي زواج، و أن تحيل حياة الزوجين إلي جحيمٍ لا يُطاق ؟
بالطبع هي تهمة الزنا، و خصوصاً لو وُجِّهت إلي الزوجة؛ فتوجيهها إلي الزوج لن يسيء إلا إليه، بينما توجيهها إلي الزوجة لن ينسف سمعتها و سمعة أهلها فقط، بل سينسف كذلك سمعة زوجها و أهله نسفا، فهي عارٌ ليس بعده عار و فضيحةٌ مكتملة الأركان. هذه التهمة بالذات تم توجيهها للطاهرة المُطهَّرة أم المؤمنين "عائشة" رضوان الله عليها ! و انتشرت فتنتها علي يد مجموعةٍ من المُنافقين (و علي رأسهم "ابن سلول" بطبيعة الحال)، حتي حمل النبي الخاتم صلوات الله و سلامه عليه ذلك الهم الثقيل، و خصوصاً أن الوحي انقطع حينها شهراً كاملاً ابتلاءً و تمحيصا.

تحكي عائشة رضوان الله عليها عن الفتنة التي كادت تنشب بين المسلمين جرَّاء هذه الفِرْية، فتقول في جزءٍ من الحديث الطويل الذي رواه البخاري رحمة الله عليه في صحيحه**
{ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَ هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ: مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي ؟، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَ لَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَ مَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي"، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَ إِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ".

قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَ هُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَ لَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدٍ: "كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَ لَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ"، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَ هُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: "كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ"، فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَ سَكَتَ

هذا يوضح أن الفتنة كانت طامةً كبري علي المجتمع الإسلامي، و كادت تهدمه فلا تقوم له قائمة !

هل وعيتم هذه الحادثة جيداً ؟
الآن: هل تظنون أنكم ستنجون من كلام الناس بينما لم يَنْج منه رسول الله صلي الله عليه و سلم في أكثر الأمور حساسيةً بالنسبة للرجل و هو عِرْض أهل بيته ؟!
إن كنتم تظنون أنكم ستنجون فينبغي عليكم مراجعة عقائدكم، و إن لم تكونوا فإن السؤال الصحيح في هذه الحالة: كيف تعلمون أنكم لن تنجون من كلام الناس ثم تعيرونه اهتماماً كبيراً بعد ذلك ؟!
لاحظوا أنني قلتُ "اهتماماً كبيراً" لأنني أعلم أن انتزاع الاهتمام بكلام الناس بشكلٍ تامٍ من القلوب لا يمكن حدوثه دفعةً واحدة (إلا إن شاء الله تعالي)، و أنا نفسي أجد في قلبي في كثيرٍ من الأحيان ضيقاً لملاقاة الناس بعد مواقف معينة و أتمني علي الله تعالي أن أكف عن ذلك بأسرع ما يمكن.

باختصار: الناس لن تصمت مطلقاً، فلا تجعل كلام الناس عائقاً في طريقك لفعل الصواب؛ فحينما تفعل الصواب و يتحدث الناس عنك بالمدح فسيكون بإمكانك أن تحمد الله تعالي و هذا خيرٌ لك، أما لو تحدثوا عنك بسوءٍ فعليك بالصبر و الاحتساب و هذا بدوره خيرٌ لك، و في كلتا الحالتين أنت الرابح. ألم تقرؤوا قول الله تعالي عن حادثة الإفك أنها خيرٌ للمؤمنين ؟، لقد قال الله عز و جل:{ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُم مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (سورة النور).

--------------------------
* لمزيدٍ من التفاصيل حول هذا الحديث النبوي الشريف يمكنكم قراءة ما علي الرابط:

** يمكنكم قراءة الحديث بالكامل علي الرابط:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.