الجمعة، 25 أكتوبر، 2013

عن كلام الناس (2)

العادي و الطبعي أن نجد حولنا الكثير من الناس ممن ينصحوننا بعدم الغرور أو الانفراد بالرأي، و ينصحوننا كذلك بالاستفادة من كلام الخبراء قدر الإمكان، فتجد تحت كل حجرٍ و عند كل ركنٍ واحداً من هؤلاء يهمس في أذنك بخطورةٍ قائلاً:"عليك بكلام مَن سَبَق؛ فَهُم أهل الخبرة. و إياك و مخالفة نصائحهم؛ ففي هذا الموت و خراب الديار". و هنا أريد أن أبين باختصارٍ مخالفتي لتعميم هذه القاعدة في كل الأمور و الظروف، و أن كثيراً من الناس قد يستغلون هذا المبدأ الصحيح لتمرير أمورٍ هي العته بعينه.


في البداية هل مبدأ المشورة و سؤال الآخرين عن آرائهم مبدأٌ صحيح ؟
 بالطبع نعم؛ فليس هناك إنسانٌ يمتلك العلم كله بكل النواحي، و حتي رسول الله صلي الله عليه و سلم (و هو سيد ولد آدم) كان يستشير أصحابه رضوان الله عليهم من أهل العلم و الذكاء في أمور المسلمين مما لم ينزل فيه نصٌ إلهي، و ينزل صلوات الله و سلامه عليه عند رأي أغلبية المستشارين حتي و إن خالف رأيُهم رأيَه، و هو صاحب المنزلة العليا الذي لو رفع أحدٌ من العالمين صوته فوق صوته الشريف لصار مُهدَّداً بأن يحبط عمله و هو لا يشعر * !

هذا جميل، لكن هل تكون المشورة في كل الأمور ؟
 بالطبع لا، و هذا السؤال هو ما يُقال عنه "مربط الفرس"؛ فهناك من الأمور ما لا يمكن أن يندرج تحت بند المشورة بأي حال. فهل يمكن مثلاً أن تكون هناك مشورةٌ في الأحلام و الطموحات ؟! هل يمكن أن تتخيل أن يأتيك ذلك العالم الرياضي النابغة و يخبرك أنه يريد تطوير معادلةٍ رياضيةٍ لإيجاد جذور المعادلات كثيرة الحدود من أي درجة، ثم يسألك هل يكمل عمله أم يتوقف ؟! بينما أنت غير متخصصٍ في الرياضيات و لا تفهم معني هذا الكلام من الأصل، و ربما يكون أسوأ أيام حياتك هو اليوم الذي تري فيه معادلةً من الدرجة الأولي ؟!

مُحال؛
فليس في الطموح استشارةٌ إلا من حيث الأمور المُحيطة (كمقدار التمويل اللازم، أو عدد الأفراد الذين يُحتاج إليهم و أشباه هذه الأمور)، و حتي أمثال هذه الأمور يكون من المستحيل استشارة أغلب المحيطين بك فيها، و يكون من اللازم أن يكون من تستشيره صاحب خبرةٍ معينة !

و لو كانت هناك استشارةٌ في الطموح لما وصل العِلم إلي ربع ما وصل إليه الآن، فيكفيك أن أنجح العلماء و أكثرهم شهرةً و تأثيراً علي عالم اليوم حاربوا بضراوةٍ لإثبات صحة كلامهم، و لا يزالون يقاتلون قتالاً لإثبات بقية ما يقولون به، فكيف بالمبتدئين أو غير المشهورين ؟!

الخلاصة: الاستشارة مطلوبةٌ في أكثر الأمور، و لكن ينبغي أن تستشير مَن هو أهلٌ لأن يكون مستشارا، و قد قالت العرب عن ذلك شعراً:

إذا بَلَغَ الرأيُ المَشورَةَ فاستَعِن
بِرأيِ نَصيحٍ أو نَصيحَةِ حازِمِ
و لكن لا ينبغي أن تكون هناك شوري في الكثير من الأمور الأخري، مثل الأحلام و الطموحات، و كذلك ثوابت الدين و العقل؛ و إلا صار كلام الناس بالنسبة لك إلهك الذي يهديك و عقلك الذي تدبر به أمورك !. و صار ينطبق عليك وصف الإمعة الذي قال فيه ابن عباس رضوان الله عليهما: { لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: "إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَ إِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا"، وَ لَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَ إِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا } **

و أسأل الله تعالي العفو و العافية.


----------------------------------
* يقول الله تعالي في سورة "الحُجُرَات": { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ }، و حبوط العمل هنا (فيما أعلم) لا يكون عن كفر صاحبه، بل يكون نتيجة المعصية التي فعلها و هي علو صوته فوق صوت النبي الخاتم صلوات الله و سلامه عليه. و لمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة يُرجَي قراءة الفتوي ذات الرابط: 

** ما أعلمه أن هذا الأثر قد صَحَّ موقوفاً علي "ابن عباس" رضوان الله عليهما، و لم يصح عن رسول الله صلي الله عليه و سلم. و للمزيد من المعلومات عن تخريج أسانيد و طرق الأثر يُرجي قراءة ما علي الرابط:
و الرابط:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.